الحمد لله الذي خلق الإنسان، علمه البيان. وصلاته وسلامه على عبده ورسوله سيد الأنبياء والمرسلين. والفقهاء من الإنس والجان. وعلى آله سادات ذرية عدنان. وعلى صحبه الذين حققوا الحق بالبينات والبرهان.
أما بعد فإن علم الاستنباط والفقه من خير العلوم وأشرفها، وحاملوه خيار العلماء وشرفاؤهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ فسره ابن عباس ﵄ بالفقه وقال ﵊: "ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". وقال ﵊: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
وأول من دوّن علم الفقه ونسخه في الأسفار وأملاه على أصحابه إمامنا الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ﵁. وسلك أصحابه أبو يوسف وزفر والحسن بن زياد ومحمد بن الحسن الشيباني ﵏ على منواله، وصنفوا كتبا كثيرة، وزادوا فيها ونقصوا، وقدّموا وَأخّروا، وهذّبوا ورتّبوها ترتيبا حسنا، وفرعوا على أصول شيخهم وإمامهم، فصاروا بذلك قدوة لخير الأمة، خصوصا منهم الإمام
[ المقدمة / ١ ]
محمد بن الحسن الشيباني ﵁، فإنه فرع كثيرا، وألف كتبا كثيرة حتى قالوا: إنه ألف في الدين ٩٩٩ كتابًا. ثم عكف العلماء عليها، خصوصا منها: مبسوطه الشهير بكتاب الأصل، فإنه من أجل الكتب وأكبرها وأبسطها، بل هو بحر لا ساحل له. تراه يذكر مسألة فيفرع عليها فروعا كثيرة، حتى شعب المتعلم في ضبطها ويعجز عن وعيها؛ وإليه أشار الإمام المزني حين سئل عن أهل العراق حيث قال في حقه: أكثرهم تفريعا - على ما رواه الخطيب بسنده في تاريخ بغداد؛ وذكره غيره أيضا: كتاب إذا طالعه عالم يتحير من تبحّر مؤلفه، وتغلغله في الفقه، وتخريج المسائل الكثيرة من مسألة واحدة، ويتشعب ويتفرع من مسألة مائة مسألة.
وفي الجزء الثاني من كشف الظنون ص ١٥٨١ من الطبع الجديد بعد ما ذكر مبسوط الإمام أبي يوسف ﵁: وللإمام محمد الشيباني المتوفي سنة تسع وثمانين ومائة "مبسوط"، ألفه مفردا، فأولا ألف مسائل الصلاة وسماه "كتاب الصلاة"، ومسائل البيع وسماه "كتاب البيوع"، وهكذا الأيمان والإكراه: ثم جمعت فصارت مبسوطا، وهو المراد حيث ما وقع في الكتب: قال محمد في كتاب فلان - الخ.
وذكر محمد بن إسحاق النديم في فهرسته ص ٢٨٧: ولمحمد من الكتب في الأصول: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة. كتاب المناسك، كتاب نوادر الصلاة، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب العتاق وأمهات الأولاد، كتاب السلم والبيوع، كتاب المضاربة الكبير، كتاب المضاربة الصغير، كتاب الإجارات الكبير، كتاب الإجارات الصغير، كتاب
[ المقدمة / ٢ ]
الصرف، كتاب الرهن، كتاب الشفعة، كتاب الحيض، كتاب المزارعة الكبير، كتاب المزارعة الصغير، كتاب المفاوضة وهي الشركة، كتاب الوكالة. كتاب العارية، كتاب الوديعة، كتاب الحوالة، كتاب الكفالة، كتاب الإقرار، كتاب الدعوي والبينات، كتاب الحيل. (كتاب المأذون الكبير) كتاب المأذون الصغير، كتاب القسمة، كتاب الديات، كتاب جنايات المدبر والمكاتب، كتاب الولاء، كتاب الشرب، كتاب السرقة وقطاع الطريق، كتاب الصيد والذبائح، كتاب العتق في المرض، كتاب العين والدين، كتاب الرجوع عن الشهادة، كتاب الوقوف والصدقات، كتاب الغصب، كتاب الدور. كتاب الهبة والصدقات، كتاب الأيمان والنذور والكفارات. كتاب الوصايا. كتاب حساب الوصايا، كتاب الصلح (كتاب) الخنثى، (كتاب) المفقود، كتاب اجتهاد الرأي، كتاب الإكراه، كتاب الاستحسان، كتابٌ اللقيط، كتاب اللقطة، كتاب الآبق، كتاب التحري، كتاب المعاقل، كتاب الخصال - اهـ. قلت: وأسقط الناسخ منها: كتاب الصوم، كتاب نوادر الصوم، كتاب أدب القاضي، كتاب الفرائض، كتاب فرائض الخنثى، كتاب المأذون الكبير، كتاب الأشربة، كتاب الحجر، كتاب الحدود، كتاب السير الصغير - بدل عليه ذكرها كلها الحاكم في مختصره، وكذلك يدل على ثبوت أكثرها نسخ الأصل الموجودة الآن.
قلت: وأما ما ذكره من كتاب اجتهاد الرأي فلعله كتاب مستقل، لأنه لم يذكر في الأصل ولا في المختصر - والله أعلم.
[ المقدمة / ٣ ]
وفي بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني ص ٦١: فأكبر ما وصل إلينا من كتب محمد هو كتاب الأصل المعروف بالمبسوط، وهو الذي يقال عنه: إن الشافعي كان حفظه وألف "الأم" على محاكاة "الأصل" وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة المبسوط هذا قائلا: هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟ وهو في ستة مجلدات، وكل مجلد منها نحو خمسمائة ورقة، يرويه جماعة من أصحابه مثل أبي سليمان الجوزجاني ومحمد بن سماعة التميمي وأبي حفص الكبير البخاري. وقد قدر الله سبحانه ذيوعا عظيما لهذا الكتاب يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام لا يسع الناس جهلها. وهو الكتاب الذي كان أبو الحسن بن داود يفاخر به أهل البصرة. وطريقته في الكتاب سرد الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف مع بيان رأيه في المسائل، ولا يسرد الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته، وإنما يسردها في مسائل ربما تعزب أدلتها عن علمهم. فلو جردت الآثار من هذا الكتاب الضخم لكانت في مجلد لطيف. وتوجد عدة نسخ كاملة منه في خزانات اصطنبول، منها ما هو في ستة مجلدات وهي نسخة مكتبة فيض الله، ومنها ما هو في أربعة مجلدات وهي نسخ مكتبات جار الله وولى الدين وقره مصطفى باشاه ومراد ملا؛ وأقدمها نسخة مراد ملا. وكلها من رواية الجوزجاني. وعدد المجلدات مما يختلف باختلاف الخط. ويوجد في مكتبة الأزهر مجلد من أوله، وفي دار الكتب المصرية
[ المقدمة / ٤ ]
عدة مجلدات باسم "الأصل" باسم "كتاب في الفروع" من غير أن تتم بها نسخة واحدة - انتهى ص ٦٢.
وفي ص ١٤ منه: كان أسد بن الفرات خرج من القيروان إلى الشرق سنة اثنتين وسبعين ومائة، فسمع الموطأ على مالك بالمدينة، وكان أصحاب مالك بن القاسم وغيره يحملونه على السؤال عن مسائل حيث كان مالك يتلطف معه ويجيبه عن مسائله دونهم لكونه رحل إليه من بلد بعيد، لكن لما أكثر السؤال أخذ مالك يتضايق من ذلك، حتى قال يوما: سلسلة بنت سلسلة إذا كان كذا كان كذا، إن أردت هذا فعليك بالعراق. وفي لفظ: انه سأل مالكا يوما عن مسألة فأجابه عنها، فزاد أسد في السؤال فأجابه، ثم زاده فقال له مالك: حسبك يا مغربي! إن أحببت الرأي فعليك بالعراق. فوجد أسد أن الأمر يطول عليه عند مالك ويفوته ما يرغب فيه من لقي الرجال والرواية عنهم، فرحل إلى العراق - (إلى أن قال) فسمع أسد بن الفرات بالعراق من أصحاب أبي حنيفة وتفقه عليهم، منهم: أبو يوسف القاضي وأسد بن عمرو البجلي ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء العراق، وكان أكثر اختلافه إلى محمد بن الحسن، ولما حضر عنده (أي عند محمد) قال له: إني غريب قليل النفقة والسماع منك نزر والطلبة عندك كثير فما حيلتى؟ فقال محمد: اسمع مع العراقيين بالنهار. وقد جعلت لك الليل وحدك فتبيت عندي وأسمعك. وقال أسد: وكنت أبيت عنده، وينزل إليّ ويجعل بين يديه قدحا فيه الماء ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ورآني نعست
[ المقدمة / ٥ ]
ملأ يده ونضح به على وجهي فأنتبه، فكان ذلك دأبه ودأبى حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه - اهـ. وكان محمد بن الحسن يتعهده بالنفقة بعد أن علم أن نفقته نفدت، وكان في إحدى المرات أعطاه ثمانين دينارا حينما رآه يشرب من ماء السيل، وسعى في نفقته عندما أراد أسد والانصراف من العراق - في حكاية طريفة يطول ذكرها، وهي مسرودة في الجزء الثاني من "معالم الإيمان في تاريخ القيروان" - اهـ ص ١٥.
وفي ص ١٦ منه: ثم انصرف أسد من العراق بعد أن زقه محمد العلم زقا، ومرَّة في طريقه إلى بلده بالمدينة المنورة ليسأل بها أصحاب مالك عن المسائل التي تلقاها من محمد بن الحسن، ولم يجد عندهم ما يطلبه. . بل أشاروا إليه بالرحيل إلى أصحاب مالك بمصر فارتجل. ولما وصل إلى مصر قصد إلى عبد الله بن وهب وقال له: هذه كتب أبي حنيفة! وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فتورع ابن وهب وأبي، فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب؛ فأجاب فيها حفظ عن مالك بقوله، وفيما شك قال: أخال وأحسب وأظن. وتسمى تلك الكتب "الأسدية"؛ ثم رجع بها إلى القيروان، وحصلت له رئاسة العلم بتلك الكتب - وهذا لفظ أبي إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء؛ وأما لفظ "نيل الابتهاج بتطريز الديباج، فهو: أن أسدا أتى إلى ابن وهب وسأله أن يجيبه في مسائل أبي حنيفة على مذهب مالك، فتورع؛ فذهب إلى ابن القاسم، فأجابه عنها بما حفظ عن مالك، وفي غيره يقول: سمعته يقول في مسألة كذا وكذا، ومسألتك مثلها؛ ومنها ما أجابه على
[ المقدمة / ٦ ]
أصول مالك. وهذه الأسدية هي أصل مدونة سحنون، أصلح ابن القاسم منها أشياء على يد سحنون - اهـ.
ولفظ ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عند ترجمة عبد الرحمن بن القاسم في المجلد الرابع (^١) منه: كان (أسد) سأل محمد بن الحسن عن مسائل، ثم قدم مصر فسأل ابن وهب (^٢) أن يجيبه فيما كان عنده منها عن مالك، وما لم يكن عنده عن مالك منها فمن عنده، فلم يفعل، فأتى عبد الرحمن بن القاسم، فتوسع له فأجابه على هذا، فالناس يتكلمون في هذه المسائل - اهـ. ونقل ابن عبد البر نص هذه العبارة في الانتقاء، وابن وهب يغلب عليه الرواية، فمثله لا بدَّ وأن يأبي. وأما ابن القاسم فقد لازم مالكا نحو عشرين سنة بيقظة. وانتباه يسمع منه ويتفقه عليه، ومثله يكون أكثر إقدام على مثل ذلك، والمالكية يفضلونه على باقي أصحاب مالك في الفقه: وأما كلام الناس في مسائل ابن القاسم هذه فلاستبعادهم إظهار هذا المقدار العظيم من المسائل عن مالك بدون كتاب مدوَّن عنده، لكن الحفظ من مواهب الله سبحانه. وذكر في معالم الإيمان: أن أسد ابن الفرات بعد أن أتى ابن وهب مرة بأشهب فسأله عن مسألة فأجابه فقال له أسد: من يقول هذا - مالك أو أبو حنيفة؟ فقال أشهب: هذا من قولى - عافاك الله! فقال له: إنما سألتك عن قول مالك وأبي حنيفة فتقول: هذا قولى؟ فدار بينهما كلام فقال عبد الله بن عبد الحكم الأسد: ما لك
_________________
(١) بل هو في المجلد الثاني ق ٢ ص ٢٧٩ من المطبوع - ف.
(٢) وفي الجرح والتعديل المطبوع "عن مسائل، ثم سأل ابن وهب"؛ ليس فيه ذكر "ثم قدم مصر" - ف.
[ المقدمة / ٧ ]
ولهذا؟ رجل أجابك بجوابه فإن شئت فاقبل وإن شئت فاترك، ففرق بينهما، فأتى أسد إلى عبد الرحمن بن القاسم وسأله كما سبق: ويقال: إن أشهب ازدري مالكا وأبا حنيفة مرة حيث انجرّ الكلام إلى ذكرهما في مجلسه، فقال له أسد: يا أشهب! يا أشهب! يا أشهب! فأسكته الطلبة؛ وقيل له: ماذا أردت أن تقول له؟ فقال: أردت أن أقول له: مثلك ومثلها مثل رجل أتى بين بحرين فبال فرغى بوله فقال: هذا بحر ثالث. ويقال: بل قال ذلك له مشافهة؛ كما في معالم الإيمان - والله أعلم.
ولا يخفى أنه لولا الكتب التي تلقاها أسد من محمد في فقه أبي حنيفة وقدمها لابن القاسم ليجاوبه عن مسائلها على مذهب مالك عن ظهر القلب لما تمكن أسد من الإجادة في السؤال، ولا ابن القاسم من الجواب عن كل مسألة يسأله في أبواب الفقه على ترتيب أهل العراق؛ فعلى ضوء كتب محمد تم تدوين أسد لتلك المسائل التي هي أصل مدونة سحنون. ولما أراد أسد الانصراف إلى المغرب بتلك المسائل التي دونها في ستين كتابا وسماها "الأسدية" قام عليه أمل مصر فسألوه في كتاب الأسدية أن ينسخوه، فأبى عليهم، فقدموه إلى القاضي بمصر، فقال لهم القاضي: وأي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلا فأجابه وهو بين أظهركم فاسألوه كما سأله، فرغبوا إلى القاضي في سؤاله أن يقضى حاجتهم، فسأله القاضي فأجابه إلى ذلك، فنسخوها حتى فرغوا منها، ونسخت نسخة أخرى منها في نحو ثلاثمائة رق - وهو المراد بالجلد في لفظ ابن أبي حاتم لتبقى عند ابن القاسم - انتهى ما في بلوغ الأماني ص ١٨
[ المقدمة / ٨ ]
مما انتخبناه منه، وفيه بقية الكلام ليس هذا مقامه.
ولا يخفى أن إمامنا الأعظم أبا حنيفة أول من دوَّن علم الفقه فألَّف فيه كتبا، فأول ما ألف كتاب الصلاة وسماه "كتاب العروس" ثم ألف كتابا كتابا، فنسخ منها أصحابه فزادوا فيها ونقصوا منها ورتبوها وهذبوها، فصارت لهذا تآليفهم، وأحسن ما ألفه منهم الإمام محمد، ألف كتبا كثيرة - كما نقلت لك من فهرست ابن النديم - فجمعت فصارت مبسوطا. وألف الجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير والزيادات وزيادات الزيادات فسميت بظاهر الرواية، فبنى مذهب إمامنا عليها؛ وأحسن الست كلها هو "كتاب الأصل" وأهمها وأطولها وأكثرها تفصيلا وأكبرها نفعا وبسطا وأسهلها مأخذا وأنفعها لأهل العلم، لأنه احتوى على جميع مباحث الفقه بالتفصيل، كما يدل عليه تسميته بالمبسوط، وهو أيضا أصل كل أربعة سواه من كتب ظاهر الرواية، لأن الأربعة الباقية متفرعة على ما بينها في كتاب الأصل من أصول المسائل، ولذا اهتم بشأنه الفقهاء فقهاء المذهب بعده، فكانوا يحفظونه مع شرح مسائله التي وصلت إليهم من مؤلفه ودلائله التي بنيت عليها مسائله، حتى جاء الحاكم الشهيد أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد المروزي البلخي المتوفي سنة فاختصر ما هو أهم من مسائله التي يحتاج إليها ليلا ونهارا، وسماه "المختصر الكافي" وقصة اختصاره كتب محمد وغضب محمد عليه في المنام ذكرها العلامة أبو الحسنات اللكنوي في ص ٨ من مقدمة النصف الثاني من الهداية في ترجمة الحاكم، قال: لما ابتلى بمحنة القتل من جهه
[ المقدمة / ٩ ]
الأتراك قال: هذا جزاء من آثر الدنيا على الآخرة. والعالم متى جفا عليه وترك حقه خيف عليه أن يلحق بما يسوءه. وقيل: كان سبب ذلك أنه لما رآي في كتب الإمام محمد مكررات وتطويلات حذف المكررات وهذب فرآى في المنام محمدا فقال له: لم فعلت هذا بكتبي؟ فقال: لأن الفقهاء كسالى فحذفت المكرر وذكرت المقرر: فغضب محمد وقال: قطعك الله كما قطعت كتبي فابتلي بالأتراك، حتى جعلوه على رأس شجرتين فقطع نصفين - اهـ ص ٩. ثم شرح مختصر الحاكم هذا الأئمة الكبار من فقهاء المذهب، منهم أبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد الهنداني البلخي المتوفي سنة ٣٦٢ ببخارى، وشمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد البخاري المتوفي ١٠ سنة ٤٤٨، وتلاميذه خواهرزاده أبو بكر محمد بن الحسين البخاري المتوفي سنة ٤٨٣ ببخارى، وأبو العسر على بن محمد فخر الإسلام البزدوى المتوفى سنة ٤٨٢ وشمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي المتوفي سنة ٤٩٠، وكذلك شرحه الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري المقتول سنة ٥٣٦ بيد التتر - ذكره في شرح نفقات الخصاف وأحال عليه مرارا، وأكثر شروحه موجودة في مكاتب الآستانة. وأحسن شروحه وأنفعها شرح السرخسي، وانتفعنا به في تعاليق الأصل هذا كثيرا. ويوجد في خزانات الآستانه وغيرها نسخ للمختصر، وأصحها وأعتقها وأقدمها نسخة المكتبة الآصفية بحيدر آباد (من الهند)، فإنها: نسخت بقلم الدامغاني، وفرغ منها سنة ٤١٧. فلما أكثر المتأخرون من الفقهاء التأليف في الفقه واختصرها كتب الأئمة وقطعوها وهذبوها
[ المقدمة / ١٠ ]
قلّت رغبات المتأخرين في كتب الأئمة وقعدوا عن حفظها وشرحها، وقلّت نسخ تلك الكتب في مكاتب العالم، فعاثت فيها الديدان، واجتاحتها الحروب، والأمطار ومرور الدهور؛ فلما قلّت وبادت وندرت فتشها خواص العلماء في أقطار الأرض فلم يجدوا من بعضها إلا نسخة أو نسختين سمعوا بها في بلاد شاسعة بعيدة لم تصل أيديهم إليها واشتاقت أنفسهم إليها، فكانوا يفتشونها ولا يعلمون كيف يظفرون بها، فاجتمع جهابذة من العلماء علماء حيدر آباد الدكن (من الهند) فأسسوا "دائرة المعارف" لنشر كتب ظاهر الرواية لينتفع بها طلبة العلم، وفتشوها في الهند فلم يجدوا أثرها إلا في بلاد بعيدة لا يقدرون على حصولها، فشرعت الدائرة في نشر كتب أخرى حتى ظفرت بعد زمان بشرح السير الكبير للسرخسي فنشرته، ثم ظفر مولانا السيد هاشم الندوي مدير الدائرة سابقا بالجزء الأول من كتاب الأصل، وهو من مكتبة بعض علماء جونبور (من الهند) فنسخه وحفظه عنده. وهذا الجزء قد نسخ في سنة ١١٣٦ هـ، وكان يسعى ليظفر بنسخ أخرى فينشره لكن لم يمهله الزمان حتى عزل عن الدائرة، ثم جاء زمن الفاضل الجليل الدكتور عبد المعيد خان - دام فضله - فلما رأى الكتاب هذا أراد نشره ورآى فضيلته نسخ الكتاب عندي والتمس مني أن أقابله على هذه النسخ وأصححه، فقلت لفضيلته: لا تكن هذه النسخ لتصحيح الكتاب، بل لا بدّ من تصوير نسخة أخرى من نسخ الآستانة، فطلب تصوير نسخة مكتبة العاطف، فلما وصل الكتاب شرعت في مقابلة النسخ، وبعد المقابلة شرعت بتصحيح الكتاب مستعينا بالله ﷿، حتى تمّ
[ المقدمة / ١١ ]
تصحيح كتاب الصلاة وكتاب الحيض منه مع تعليق وجيز كشفت فيه عن خبايا الكتاب في مواضع منه، ووصلت بلاغاته حتى الوسع، ومن يقدر أن يعطى الكتاب حقه من التصحيح! لكن: ما لا يدرك كله لا يترك قلّه.