لقد أملى الإمام محمد المبسوط على أصحابه (^٨)، كما كانت الطريقة المتبعة غالبًا في تلك القرون. فكان هو يقرأ وأصحابه يكتبون. ولذلك وقعت
_________________
(١) انظر: ٢/ ١٢٧ ظ.
(٢) الكافي، ١/ ٢٠٣ و.
(٣) انظر: ٧/ ٦١ ظ.
(٤) الكافي، ٢/ ٣١٨ و.
(٥) انظر: ٢/ ٤٢ و؛ والكافي، ١/ ٢٠٦ و.
(٦) انظر: ٢/ ٢٥٦ و.
(٧) الكافي، ٢/ ٢٧٥ ظ. لكن السرخسي يقول: والأصح عند علمائنا الثلاثة. انظر: المبسوط، ٢٢/ ١١١.
(٨) كشف الظنون ٢/ ١٢٨٢.
[ مقدمة / ٧٢ ]
الرواية في بداية بعض كتب الأصل مثل كتاب الحوالة والكفالة عن طريق السماع صراحة، حيث يقول: "سمعت محمدًا … " مرارًا في أول الأبواب (^١). واكتفى الرواة في كثير من كتب الأصل بالرواية بلفظ "عن محمد"، أو "قال محمد". لكن كانت الطريقة الأخرى وهي العَرْض، أي القراءة على الأستاذ، متبعة أيضًا، فكان تلاميذه يقرؤون كتب محمد بن الحسن عليه وهو يسمع (^٢). وكلتا الطريقتان مقبولتان في الرواية.
ويقول في كتاب الدعوى: "كان الجواب على ما كتبتُ لك" (^٣).
ويقول في كتاب الإجارات: "وجميع ما كتبنا قبل هذا فهو قياس من قول أبي حنيفة كله" (^٤). وقد يستنتج من هذا أن محمد بن الحسن كان يكتب بنفسه في بعض الأحيان، ويطلب من تلاميذه الكتابة أحيانًا أخرى. لكن قد يقال: إن الأمر بالكتابة تعتبر كتابة أيضًا. ومن المعلوم أن رواة كتاب الأصل المشهورين هم أبو سليمان الجوزجاني، وأبو حفص البخاري. واشتهرت الروايتان المنسوبتان إليهما بنسخة أبي سليمان ونسخة أبي حفص. وحتى أن الكتاب نفسه ينسب إلى الراوي أحيانًا فيقال: مبسوط أبي سليمان الجوزجاني.
وروايات الأصل أي نُسَخُه المروية عن محمد متعددة، وأظهرها رواية أبي سليمان الجوزجاني (^٥). وهناك روايات أخرى مثل رواية أبي حفص (^٦) ورواية هشام بن عبيد الله الرازي (^٧) ورواية محمد بن
_________________
(١) انظر مثلًا: ٧/ ١٩٦ ظ، ١٩٧ ظ، ١٩٨ ظ.
(٢) الفهرست، ٢٨٧.
(٣) انظر: ٥/ ٢١٧ و.
(٤) انظر: ٢/ ١٤٥ ظ.
(٥) كشف الظنون، ٢/ ١٥٨١. وتأتي ترجمة الجوزجاني قريبًا.
(٦) تأتي ترجمته.
(٧) وهو فقيه من أهل الرأي ومحدث مشهور أيضًا. يروي عن مالك بن أنس وغيره، ويروي عنه أبو حاتم الرازي والحسن بن عرفة وغيرهما. ووثقه ابن أبي حاتم، وقال: يحتج بحديثه. قال هشام: لقيت ألفًا وسبعمائة شيخ وأنفقت في العلم سبعمائة ألف=
[ مقدمة / ٧٣ ]
سماعة (^١) ورواية المعلي بن منصور (^٢). وقد أخذ الجوزجاني والمعلى الفقه عن أبي يوسف ومحمد جميعًا، ورويا عنهما الكتب والأمالي، وكانا رفيقين في أخذ الفقه ورواية الكتب (^٣). وقد وُصفت رواية هشام لكتاب الأصل بالاضطراب، وأن أبا بكر الرازي (ت. ٣٧٠) كان لا يحب أن يقرأ عليه الأصل من رواية هشام من أجل ذلك، وكان يفضل روايتي أبي سليمان ومحمد بن سماعة (^٤). وهذا يدل على وجود رواية محمد بن سماعة في ذلك الوقت. وأشهر هذه الروايات رواية الجوزجاني ورواية أبي حفص. وقد حفظ لنا التاريخ كتاب الأصل عن طريق روايتيهما في معظم الكتاب كما يأتي مفصلًا. والحاكم الشهيد قد بنى كتابه الكافي الذي اختصر فيه كتب الإمام محمد على روايتي أبي سليمان وأبي حفص في معظم كتابه إلا فيما ندر. يتبين ذلك من ذكره الخلاف بين الروايتين في مواضع كثيرة من كتابه. والسرخسي حين يشرح الكافي يعتمد على هاتين الروايتين أيضًا. أما الروايات الأخرى فلم نقف لها على أي مخطوطة.
ويذكر الحاكم والسرخسي روايتي أبي سليمان وأبي حفص، فيقولان مثلًا في مواضع كثيرة: في رواية أبي حفص كذا، وفي رواية أبي سليمان كذا (^٥). ويقول السرخسي في مواضع كثيرة: في نُسَخ أبي حفص كذا، وفي
_________________
(١) = درهم. وقال فيه أبو حاتم: صدوق، ما رأيت أعظم قدرًا منه بالري. وكان قاضيًا على الري. وقد مات محمد بن الحسن في دار هشام، ودفن في مقبرتهم. توفي هشام سنة ١٢٢. انظر: الجرح والتعديل، ٩/ ٦٧؛ وتذكرة الحفاظ، ١/ ٣٨٨؛ والجواهر المضية، ٢/ ٢٠٥؛ وتهذيب التهذيب، ١١/ ٤٣؛ ولسان الميزان، ٦/ ١٩٥.
(٢) تقدمت ترجمته بين تلاميذ الإمام.
(٣) تقدمت ترجمته بين تلاميذ الإمام.
(٤) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١٥٥؛ وطبقات الفقهاء، ١٤٤؛ والجواهر المضية، ٢/ ١٨٦.
(٥) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١٥٥؛ والجواهر المضية، ٢/ ٢٠٥.
(٦) انظر مثلًا: الكافي، ١/ ٣ و، ٩ و؛ والمبسوط، ١/ ٦١.
[ مقدمة / ٧٤ ]
نُسَخ أبي سليمان كذا (^١). والمقصود هو نفس الشيء. لكن استعمال النسخ بصيغة الجمع قد يدل على أن المقصود هو اتفاق النسخ المنقولة عن الجوزجاني أو عن أبي حفص على مسألة ما. ويدل كذلك على كثرة الناقلين عن أبي حفص والجوزجاني. وقد يعبر السرخسي بالمفرد أيضًا فيقول: نسخة أبي سليمان، ونسخة أبي حفص؛ لكن ذلك قليل جدًا (^٢). وكذلك الحال في استعماله لفظ الجمع للرواية، حيث يقول: روايات أبي سليمان، وروايات أبي حفص (^٣).
واختلاف هذه الروايات وخصوصًا روايتي أبي سليمان وأبي حفص فيما بينها في بعض المواضع أمر معروف عند المتقدمين من الفقهاء الأحناف. ورواية الجوزجاني مقدمة على رواية أبي حفص في الغالب. لكن توجد مواضع يكون الصواب فيها مع أبي حفص، أو يختلف الترجيح. وقد قام الحاكم الشهيد بالمقارنة بين هذه الروايات واختيار ما رآه صوابًا منها في كتابه الكافي المختصر من الأصل. وتبعه السرخسي في المبسوط غالبًا.