قال الشافعي: "كان محمد بن الحسن يقول: سمعت من مالك سبعمائة حديث ونيفًا إلى الثمانمائة لفظًا، وكان أقام عنده ثلاث سنين أو شبيهًا بثلاث سنين" (^٣).
قال ابن حجر: "وكان مالك لا يحدث من لفظه إلا قليلًا، فلولا طول إقامة محمد عنده وتمكنه منه ما حصل له عنه هذا. وهو أحد رواة الموطأ عنه، وقد جمع حديثه عن مالك، وأورد فيه ما يخالفه فيه، وهو الموطأ المسموع من طريقه" (^٤).
وكان إذا وعد الناس أن يحدثهم عن مالك امتلأ الموضع الذي هو فيه
_________________
(١) طبقات الفقهاء للشيرازي، ١/ ١٤٢؛ وتهذيب الأسماء، ١/ ٩٨؛ ووفيات الأعيان، ٤/ ١٨٤.
(٢) الجواهر المضية، ٢/ ٤٢.
(٣) الجرح والتعديل، ١/ ٤ - ٥؛ وحلية الأولياء، ٦/ ٣٣٠؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥؛ الجواهر المضية، ٢/ ٤٢.
(٤) تعجيل المنفعة، ٣٦١.
[ مقدمة / ١٦ ]
وكثر الناس عليه، وإذا حدث عن غير مالك لم يأته إلا النفير (^١)؛ فقال لهم: "لو أراد أحد أن يعيبكم بأكثر مما تفعلون ما قدر عليه؛ إذا حدثتكم عن أصحابكم فإنما يأتيني النفير أعرف فيكم الكراهة، وإذا حدثتكم عن مالك امتلأ علي الموضع" (^٢).
قال مجاشع بن يوسف: "كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي الناس، فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حَدَث، فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد. قال: فكيف يصنع وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء؟ قال: فجعل مالك يكرر: لا يدخل الجنب المسجد. فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج فيغتسل. قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. فقال: ما من أهل المدينة أحد لا أعرفه يُعرف. فقال: ما أكثر من لا تعرف. ثم نهض. قالوا لمالك: هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. فقال مالك: محمد بن الحسن كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة؟ قالوا: إنما قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. قال: هذا أشد علي من ذاك" (^٣).
وعلاقة الإمام محمد بالإمام مالك قد جعلته يسمع حديث وفقه أهل المدينة منه، وكان الطابع الغالب على هذه العلاقة التعرف على قول المخالف حتى يتسنى الرد عليه. وهو ما صنعه الإمام محمد في روايته للموطأ وفي كتابه الحجة على أهل المدينة. لكنه تأثر أيضًا ببعض أقوال أهل المدينة وأخذ بها مع محافظته على أصول فقه أهل الكوفة وعلى رأسهم أبو حنيفة. ويلاحظ أن الشافعي قد فعل نظير ذلك مع محمد بن الحسن، حيث تعلم منه فقه أهل الكوفة والعراق، لكنه لم يسلك مذهبهم، وإنما رد عليهم في كثير من المواضع؛ ومع ذلك فقد استفاد من محمد بن الحسن في
_________________
(١) النفير والنَّفَر. عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. انظر: مختار الصحاح، "نفر".
(٢) الجرح والتعديل، ١/ ٤ - ٥؛ وحية الأولياء، ٦/ ٣٣٠.
(٣) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ مقدمة / ١٧ ]
طريقة التفقه ووضع المسائل كما كان يعترف بالفضل له في هذا الموضوع (^١).