وينبغي أن نذكر هنا أنه توجد بعض العبارات الموهمة في كتاب الأصل، والتي يمكن أن تفهم على أنها ليست من كلام الإمام محمد في النظرة الأولى. فيقول مثلًا بعد حكاية قول في مسألة: "وهذا في قياس قول أبي حنيفة"، أو يقول: "في قياس قول أبي يوسف". وأحيانًا يجمع إمامين فيقول: "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف"، أو يقول: "في قياس قول أبي يوسف ومحمد"، أو يقول: "في قياس قول أبي حنيفة ومحمد". وأحيانًا يجمعهم كلهم فيقول: "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". كما أنه يغير في العبارات السابقة فيقول: "في قياس قول … "، و"على قياس قول … "، وأحيانًا: "وهو قياس قول … "، و"هذا قياس قول … لا وقد
_________________
(١) المبسوط، ٣٠/ ٢٨٧.
(٢) المبسوط، ٣٠/ ٢٨٧، ٢٩٥، ٣٠٤.
(٣) انظر: ٣/ ١١ ظ.
[ مقدمة / ٦٦ ]
تتبعنا المواضع التي تذكر فيها هذه العبارة "قياس قول … " فحصلنا على النتائج التالية:
"قياس قول أبي بكر" (أي الصديق - ﵁ -) ذكر في كتاب الولاء مرة واحدة.
"قياس قول علي" ذكر في كتاب الفرائض ٦ مرات، وفي كتاب الولاء ٤ مرات.
"قياس قول علي وزيد" ذكر في كتاب الفرائض مرة واحدة.
"قياس قول زيد" ذكر في كتاب الفرائض مرة واحدة.
"قياس قول عبد الله بن مسعود" ذكر في كتاب النكاح مرة واحدة.
"قياس قول إبراهيم" (أي النخعي) ذكر في كتاب العتاق وكتاب الحدود مرة واحدة.
"قياس قول شريح وإبراهيم النخعي" ذكر في كتاب الصلح مرة واحدة.
"قياس قول الشعبي" ذكر في كتاب الخنثى ٢٤ مرة.
"قياس قول أبي حنيفة" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الصلاة ١، الحيض ٢، البيوع ٦، الصرف ٥، الرهن ١٠، القسمة ٧، الإجارات ١٣، الشركة ٧، المضاربة ٣٨، الطلاق ٤، العتاق ١١، العتق في المرض ٣، الوصايا ١٥، الوصايا في الدين ٨، الفرائض ٤، المكاتب ٧، الولاء ١١، الجنايات ٣، الديات ٦، الحدود ٢، الإكراه ٦، السير ٢، الدعوى ٧، الشرب ٣، الإقرار ٣٥، المأذون ٥٥، الشفعة ١٥، المفقود ١، العقل ١، الحيل ١، المزارعة ٢٧، النكاح ٣، الحوالة ٤، الصلح ١٠، الوكالة ٢٣، الشهادات ٢، الرجوع عن الشهادات ٣.
"قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الصوم ١، الرهن ١،
[ مقدمة / ٦٧ ]
الطلاق ١، العتاق ١، الوصايا ١، الوصايا في الدين ١، الديات ١، العشر ١، الإقرار ٢، المأذون ٢، الحيل ١، الوكالة ١.
"قياس قول أبي يوسف" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الحيض ٤، البيوع ١، الصرف ٣، الشركة ١، المضاربة ١، العتاق ٢، الوصايا في الدين ١، المكاتب ١، الديات ٢، الإكراه ٤، الدعوى ١، الإقرار ٢، الحجر ١، المأذون ١، الحيل ١، المزارعة ١٨، النكاح ١، الوكالة ١، الوقف ٢.
"قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: البيوع ١، الإجارات ٤٥، المضاربة ٢، الفرائض ١، الدور ١، الدعوى ١، الشرب ١، الإقرار ١، المأذون ٨، المزارعة ١٥، النكاح ٣، الصلح ١، الرجوع عن الشهادات ٢.
"قياس قول أبي حنيفة ومحمد" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: البيوع ١، القسمة ٢، الإجارات ١، الشركة ١، المضاربة ٢، الطلاق ١، العتق في المرض ١، الفرائض ٢، الدور ١، ١ لإكراه ٢، المأذون ١، الشفعة ٢، المزارعة ٢، النكاح ١، الوكالة ١.
"قياس قول أبي يوسف ومحمد" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: البيوع ١، الرهن ١، الشركة ٢، المضاربة ٤، الطلاق ١، الوصايا ٣، الوصايا في الدين ١، الدور ١١، الإكراه ١، الدعوى ١، الإقرار ٢، المأذون ٩، المزارعة ٣، الوكالة ١.
"قياس قولهم جميعًا" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الإجارات ٨، المضاربة ١، المأذون ١.
"قياس قولهم" ذكر في العبد المأذون مرة واحدة.
[ مقدمة / ٦٨ ]
"قياس قول محمد" ذكر في كتاب الإكراه مرة واحدة.
"قياس قولنا" ذكر في كتاب الديات مرة واحدة.
وهذه العبارة من عبارات الإمام محمد التي يستعملها في كتبه الأخرى أيضًا مثل الآثار، حيث يقول في مسألة: "وهذا قياس قول عبد الله بن مسعود" (^١)، وفي مسألة أخرى: "وهذا كله قياس قول أبي حنيفة" (^٢). والمقصود بذلك أن هذا القول مقيس على قول عبد الله بن مسعود أو على قول أبي حنيفة مثلًا في مسألة أخرى شبيهة بهذه المسألة. وبناءً على ذلك، فإنه إذا ذكر في الأصل في مسألة أنها على قياس قول أبي حنيفة فالقائس هو إما أبو يوسف وإما محمد بن الحسن. والعبارة صريحة في بعض المواضع حيث يُذكر أن القائس هو أبو يوسف أو محمد وأنه قاس قوله على قول أبي حنيفة (^٣). وإذا ذكر في الأصل أن هذا القول على قياس قول أبي يوسف فالقائس هو محمد كما هو واضح. لكنه يذكر في بعض المواضع كما ذكرنا أن القول المذكور على قياس قول أبي يوسف ومحمد، أو على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. فحينئذٍ يبدو أن هناك احتمالين:
الاحتمال الأول: هو أن يكون الراوي للكتاب وهو أبو سليمان الجوزجاني أو أبو حفص مثلًا هو الذي يقيس على قول محمد بن الحسن. وحينئذٍ تكون تلك المسألة زيادة على كتاب الأصل، ولكنها تعتبر جزء من الأصل بسبب كونها مقيسة على مسائل الأصل، فتكون منه من حيث المعنى وإن لم تكن منه لفظًا. وهذا الاحتمال ضعيف في نظرنا؛ لأنه لو كان القائس في هذه المسائل هو غير الإمام محمد لذكر ذلك صراحة، ولأشار إلى ذلك الفقهاء الأحناف المتأخرون بعد هذه الطبقة. ولكنهم لم يذكروا شيئًا من ذلك. ثم إن الحاكم الشهيد قد ذكر بعض هذه المسائل في الكافي، ولم يذكر أن ذلك من كلام غير محمد بن الحسن. وهو إنما يقوم باختصار
_________________
(١) الآثار، ٤.
(٢) الآثار، ٥.
(٣) انظر مثلًا: ٣/ ٢٦٣ و؛ ٦/ ١٩٥ ظ.
[ مقدمة / ٦٩ ]
كتب الإمام محمد، فلو كان هناك شيء من غير كلامه كان عليه أن يبين ذلك.
والاحتمال الثاني - وهو الراجح لدينا-: أن يكون القائس هو محمد بن الحسن نفسه. وذلك لأنه قد يقيس هذه المسألة التي أمامه على مسألة أخرى قد تكلم فيها أو بحثها من قبل، إما لأنه لم تسنح له الفرصة ليبحث هذه المسألة الجديدة وكانت المسألة القديمة أمامه جاهزة فقاس عليها، وإما ليبين بذلك أن هذه المسألة جارية على قياس قوله في مسائل أخرى وأن آراءه الفقهية مترابطة متناسقة داخليًا، وأن هذه المسألة الجديدة ليست خارجة على القاعدة عنده أي ليست مسألة استحسان. وهذا الأمر أي بيان اعتماد أقوالهم في مسألة ما على القياس أو الاستحسان قد اعتنى به الإمام محمد كما اعتنى به الإمامان أبو حنيفة وأبو يوسف قبله أيما اعتناء، وهو أمر واضح لمن نظر في ثنايا كتاب الأصل. ويمكن أن يستدل على ما قلناه بقول الإمام محمد في بعض المواضع: "قياس قول محمد" (^١)، "قياس قولنا" (^٢)، "في قياس قول أبي يوسف وقولنا" (^٣)، "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولنا" (^٤). فمن الواضح أن هذه العبارة تدل على أن محمد بن الحسن يقوم بالقياس على قوله نفسه. وليس هذا بمستنكر لما بيناه من الأسباب آنفًا. ولسبب آخر، وهو أننا لا نجد في أي موضع من الكتاب مسألة يقول فيها صراحة بأنها على "قياس قول محمد"، إلا في موضع واحد أشرنا إليه آنفًا، ولكن المذكور في ذلك الموضع مسألة فرضية حيث يقول فيها: "وكان ينبغي في قياس قول محمد … ولكنه استحسن … " (^٥)، والصيغة المذكورة أكثر نسبيًا هي: "قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد"، أو "قياس قول أبي حنيفة ومحمد"، أو "قياس قول أبي يوسف ومحمد". فالإمام محمد دائمًا مذكور مع أبي حنيفة أو أبي يوسف. وهذا يقوي احتمال أن يكون
_________________
(١) انظر: ٥/ ٨٦ ظ.
(٢) انظر: ٤/ ٢٢٨ ظ.
(٣) انظر: ٧/ ١٢٢ ظ.
(٤) انظر: ٧/ ٧٦ ظ.
(٥) انظر: ٥/ ٨٦ ظ.
[ مقدمة / ٧٠ ]
القول المذكور من قياس محمد على قول أبي حنيفة أو أبي يوسف أو كليهما، وأن الراوي للكتاب أو الناسخ قد اختصر العبارة. وهناك أمثلة تؤكد حصول ذلك بالفعل. فمثلًا:
يقول في كتاب البيوع: "وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد، وأما في قول أبي يوسف … " (^١) فيفهم من هذه العبارة أن المقصود بقوله: "وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد" هو "وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهو قول محمد"؛ لأنه لا يعقل أن يكون قول أبي يوسف مذكورًا صراحة، وقول محمد مذكورًا قياسًا لتأخر الثاني عن الأول.
ويقول في كتاب الديات: "وأما في قياس قول أبي يوسف وهو قول محمد … " (^٢) فهذه العبارة تدل على أن هذا القول للإمام محمد وأنه قال ذلك قياسًا على قول أبي يوسف. لكن غُيرت العبارة في نسخة فيض الله أفندي هكذا: "وأما في قياس قول أبي يوسف ومحمد … " (^٣) فهذا يبين لك كيف حدث تغير العبارة في النسخ المتأخرة. ولعل الناسخ أو الراوي لم يتفطن إلى أنه يغير المعني بتصرفه هذا. ولكن الفرق بين العبارتين في نظرنا دقيق ومهم جدًا. ويغلب على الظن أن مثل هذا حدث في المسائل الأخرى الشبيهة.
ويقول في كتاب الإكراه: "وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد؛ وقال محمد … " (^٤) فيذكر دوام المسألة نفسها. فلو كانت المسألة مقيسة على قول محمد ولم تكن من صريح قوله لما استقام قوله: "وقال محمد"؛ لأن المسألة هي نفسها. إذن كانت العبارة في الأصل: "وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهو قول محمد". لكن الراوي أو الناسخ تصرف في العبارة، فغير المعنى وهو لا يشعر.
_________________
(١) انظر: ١/ ٢٢٧ ظ
(٢) انظر: ٤/ ٢٥٥ ظ.
(٣) انظر نسخة فيض الله أفندي (رقم ٦٦٨)، ٤/ ٢٦٣ ظ.
(٤) انظر: ٥/ ٧٣ ظ.
[ مقدمة / ٧١ ]
وقد تتبعنا بعض هذه المسائل في الكافي للحاكم الشهيد، فرأيناه في بعض المواضع ينسب هذه المسائل إلى أصحاب القول المقيس عليه، أي إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ولا يذكرها على أنها على قياس قول واحد منهم. فمثلًا يقول في الأصل في مسألة في الإجارات بأنها: "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" (^١)، ويذكر الحاكم أنها: "في قولهم جميعًا" (^٢). ويقول في الأصل في مسألة في المزارعة: "وهذا قياس قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المزارعة؛ وأما القول الآخر- وهو قياس قول أبي يوسف ومحمد -: فالشرطان جميعًا جائزان" (^٣). ويقول الحاكم في نفس المسألة: "في قياس قول أبي حنيفة … وقال أبو يوسف ومحمد … " (^٤)، وفي بعض المواضع الأخرى تتوافق عبارة الكافي وعبارة الأصل على أن المسألة "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" (^٥). وكذلك الأمر في مسألة أخرى في المضاربة حيث يقول في الأصل: "وهذا قياس قول أبي حنيفة وقياس قول أبي يوسف ومحمد" (^٦)، ويقول الحاكم: "قياس قولهم جميعًا" (^٧). وذكر الحاكم لهذه المسائل يدل على أن هذه القياسات سابقة تاريخيًا على زمان الحاكم الشهيد (ت. ٣٣٤). وهو مما يقوي كونها من كلام الإمام محمد بن الحسن.