يتضح من مقارنة مسائل الأصل في النسخة التي بأيدينا مع كتب الفقه
_________________
(١) انظر: الأصل، ١/ ٣١٣ و؛ والكافي، ١/ ١٨٣ و.
(٢) انظر: الأصل، ١/ ٢٩٥ ظ؛ والكافي، ١/ ١٨٠ و.
(٣) انظر: الأصل، ٣/ ١٢٤ و؛ والكافي، ١/ ٩٤ و؛ والمبسوط، ٧/ ١٤٥.
(٤) انظر: الأصل، ٢/ ١٨١ ظ؛ والكافي، ١/ ٢١٥ ظ، والمبسوط، ١٦/ ٥٩.
(٥) انظر: ١/ ٨٥ و. وقد ذكرناها في الهامش في آخر كتاب الصلاة؛ لأننا لم نتأكد أنها من كتاب الأصل.
(٦) انظر: ٧/ ١٢٣ و.
[ مقدمة / ٨٢ ]
الحنفي أن الاختلاف الواقع بين روايات الأصل قد أثر على كتب الفقه أيضًا، فترى في بعض المسائل اختلافًا واقعًا بينها في نقل ظاهر الرواية.
فعلى سبيل المثال: قال في الأصل: "فإن كان وحده قال: ربنا لك الحمد، في قولهم جميعًا" (^١). وعبارة الأصل ظاهرة في أن المنفرد يقول: ربنا لك الحمد، في قولهم جميعًا. ولم يذكر خلافًا في قوله: سمع الله لمن حمده، مما يوحي بأن المنفرد يقوله أيضًا. وذكر الحاكم الشهيد ما يفعله الإمام والمأموم، ولم يذكر المنفرد (^٢). وقال السرخسي: "فأما المنفرد على قولهما فيجمع بين الذِّكْرَين، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، في رواية الحسن هكذا، وفي رواية أبي يوسف قال: يقول: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، وهو الأصح، لأنه حَثّ لمن خلفه على التحميد، وليس خلفه أحد" (^٣). وهذا أيضًا ليس فيه إشارة إلى أن قول الإمام أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه متفِق مع الإمامين أبي يوسف ومحمد في أن المنفرد يقول: ربنا لك الحمد، مع أن هذا هو المذكور في جميع نسخ الأصل صريحًا إلا نسختي حلب ويوزغات. والمذكور في الجامع الصغير هو حكم الإمام والمأموم فقط، ولا يخالف ما هاهنا (^٤). وذكر الطحاوي أن المنفرد يجمع بينهما (^٥). وقال السمرقندي: "وإن كان منفردًا لم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة، وإنما ذكر قولهما: إنه يجمع بينهما، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة كذلك، وفي رواية النوادر أنه يأتي بالتحميد" (^٦). وقال الكاساني: "وإن كان منفردًا فإنه يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية، وكذا يأتي بالتحميد عندهم، وعن أبي حنيفة روايتان، روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يأتي بالتسميع دون التحميد … وروى
_________________
(١) انظر: ١/ ٢ و.
(٢) الكافي، ١/ ١ ظ.
(٣) المبسوط، ١/ ٢١.
(٤) الجامع الصغير للإمام محمد مع شرحه النافع الكبير للكنوي، ٨٧.
(٥) مختصر الطحاوي، ٢٦ - ٢٧.
(٦) تحفة الفقهاء، ١/ ١٣٤.
[ مقدمة / ٨٣ ]
الحسن عن أبي حنيفة أنه يجمع بينهما، وذكر في بعض النوادر عنه أنه يأتي بالتحميد … " (^١)، وذكر المرغيناني أن المنفرد يجمع بينهما في الأصح (^٢). وذكر ابن نجيم عن قاضيخان في شرحه أن المنفرد يكتفي بالتحميد في ظاهر الرواية (^٣). فقد اضطربت النقول في قول الإمام أبي حنيفة في حق المنفرد اضطرابًا شديدًا، وبعضها موافق لما في الأصل، وبعضها مخالف له. وذلك لا يطعن في صحة المتن، وإنما يدل فقط على اختلاف نسخ الأصل، فقد يكون ذكر في نسخة ما لم يذكر في نسخة أخرى.
مسألة أخرى: قال في الأصل: "قلت: فإن مسح رأسه بثلاث أصابع؟ قال: هذا يجزيه" (^٤). وقال الحاكم: "ولا يجزئه مسح الرأس بإصبع أو إصبعين، ويجزيه بثلاثة أصابع، وقال محمد في نوادر إبراهيم بن رستم: إذا مسح خفه بإصبع واحد وأمرّها على خفه لا يجزيه حتى يعيدها ثلاث مرات في الماء، لأنه في المرة الأولى حين أزالها عن موضعها فذلك ماء قد توضأ به، قال: ولو وضع ثلاث أصابع ثم رفعها من غير أن يمرّها أجزأه" (^٥). وقال السرخسي: "ففي الأصل ذكر قدر ثلاثة أصابع، وفي موضعٍ الناصية، وفي موضعٍ ربع الرأس … ذكر في نوادر ابن رستم أنه إذا وضع ثلاثة أصابع ولم يمرّها جاز في قول محمد -رحمه الله تعالى- في الرأس والخف، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله تعالى- حتى يمرّها بقدر ما تصيب البلّة مقدار ربع الرأس … " (^٦) ولم أجد في الأصل ذكر الناصية ولا ربع الرأس. لكن ذكر فيه: "قلت: أرأيت رجلًا توضأ فمسح نصف رأسه أو ثلثه أو أقل من ذلك؟ قال: يجزيه" (^٧). فقد يستنبط منه أن الأقل من الثلث هو الربع، لكن لم يذكره صريحًا. ولم يذكره الحاكم في الكافي أيضًا. وقد ذكر الإمام محمد في الآثار مقدار ثلاث أصابع أيضًا (^٨).
_________________
(١) بدائع الصنائع، ١/ ٢٠٩.
(٢) الهداية، ١/ ٤٩.
(٣) البحر الرائق، ١/ ٣٣٤.
(٤) انظر: ١/ ٧ و.
(٥) الكافي، ١/ ٣ ظ.
(٦) المبسوط، ١/ ٦٣، ٦٤.
(٧) انظر: ١/ ٩ و.
(٨) الآثار، ١٧.
[ مقدمة / ٨٤ ]
وذكر الطحاوي مقدار الناصية (^١). واستدل الطحاوي بمسح النبي - ﷺ - لناصيته، وذكر أن ذلك قول الأئمة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (^٢). وذكر السمرقندي والكاساني أن ظاهر الرواية ثلاث أصابع اليد، وأن الحسن روى عن أبي حنيفة أنه قدّره بالربع، وهو قول زفر، وأن الكرخي والطحاوي ذكرا عن أصحابنا مقدار الناصية، واستدلا لظاهر الرواية بأن ثلاثة أصابع هي أكثر آلة المسح (^٣).
مثال آخر: قال في الأصل: "قلت: فإن مسح على الجرموقين وقد كان لبس خفيه على وضوء ثم نزع أحد الجرموقين؟ قال: عليه أن يخلع الجرموق الثاني ويمسح على خفيه، إذا انتقض بعض المسح انتقض كله. قلت: لم؟ قال: ألا ترى أنه إذا وجب عليه غَسل إحدى قدميه وجب عليه غَسل الأخرى" (^٤). لكن في نسختي حلب ويوزغات: قال: عليه أن يمسح على الجرموق الباقي لأن المسح إذا انتقض بعضه انتقض كله. وقد ذُكر هذان القولان المختلفان في المبسوط للسرخسي. قال الحاكم: "واذا مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف وعلى الجرموق الباقي، لأنه إذا انتقض بعض مسحه انتقض جميعه" (^٥). وقال السرخسي بعد نقل كلام الحاكم: "وفي بعض روايات الأصل قال: ينزع الجرموق الثاني ويمسح على الخفين … ووجه ما ذكر في بعض النسخ أن نزع أحد الجرموقين كنزعهما جميعًا كما إذا خلع أحد الخفين يكون كخلعهما، ووجه ظاهر الرواية أنه في الابتداء لو لبس الجرموق على أحد الخفين كان له أن يمسح عليه وعلى الخف الباقي، فكذلك إذا نزع أحد الجرموقين، إلا أن حكم الطهارة في الرجلين لا يحتمل التجزيء، فإذا انتقض في أحدهما بنزع الجرموق ينتقض في الآخر، فلهذا مسح على الخف الظاهر وعلى الجرموق
_________________
(١) مختصر الطحاوي، ١٨.
(٢) شرح معاني الآثار، ١/ ٣٠ - ٣١.
(٣) تحفة الفقهاء، ١/ ٩ - ١٠؛ وبدائع الصنائع، ١/ ٤.
(٤) انظر: ١/ ١٥ و.
(٥) الكافي، ١/ ٥ و.
[ مقدمة / ٨٥ ]
الباقي" (^١). وقيل: إن القول المذكور في المتن هنا رواية عن أبي يوسف (^٢).
مثال آخر: قال في الأصل: "وقال أبو حنيفة: إذا حُبس رجل في مَخْرَج (أي بيت الخلاء) وهو مقيم في المصر وحضرت الصلاة ولم يقدر على مكان نظيف أن يصلي فيه، ولم يقدر على وضوء ولا على صعيد طيب، فإنه لا يصلي حتى يخرج من ذلك المخرج، ثم يتوضأ ويقضي ما مضى من صلاته. وقال أبو يوسف ومحمد: يصلي في ذلك المكان يُومئ إيماءً بغير وضوء ولا تيمم، فإذا خرج توضأ وقضى ما مضى من صلاته" (^٣). وقد ذكر الحاكم والسرخسي أنه اختلفت الروايات عن محمد -رحمه الله تعالى-، فذكر في الزيادات ونُسَخ أبي حفص -رحمه الله تعالى- من الأصل كقول أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-، وفي نُسَخ أبي سليمان -رحمه الله تعالى- ذكر قوله كقول أبي يوسف -رحمه الله تعالى- (^٤). وذكر في الأصل في مسألة المسافر الذي لا يجد ماءً ولا ما يتيمم به أن قول أبي يوسف أنه يصلي بغير طهور ثم يعيد. ولم يذكر خلافًا لمحمد (^٥). ولم يذكر السرخسي في ذلك خلافًا لمحمد أيضًا (^٦).
مثال آخر: قال في الأصل في مسألة معقّدة نوعًا ما: " … فإن صلاته تامة أيضًا وليس عليه أن يستقبل" (^٧). هكذا ورد في جميع النسخ إلا في نسختي حلب ويوزغات. وقد وردت هذه العبارة في نسختي حلب ويوزغات اعتمادًا علي بعض النسخ عنده هكذا: "فإن صلاته فاسدة، وعليه أن يستقبل الصلاة"؛ لأن الحاكم قال أيضًا: "فصلاته فاسدة. قال: وفي رواية أبي حفص أن صلاته تامة. والأول أشبه بالصواب" (^٨). وقال السرخسي: "وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة … ورواية أبي حفص
_________________
(١) المبسوط، ١/ ١٠٣؛ وفتح القدير، ١/ ١٥٦؛ والبحر الرائق، ١/ ١٩٠.
(٢) بدائع الصنائع، ١/ ١١؛ وحاشية ابن عابدين، ١/ ٢٧٠.
(٣) انظر: ١/ ٢٢ و- ٢٢ ظ.
(٤) الكافي، ١/ ٦ ظ؛ والمبسوط، ١/ ١٢٣.
(٥) انظر: ١/ ١٩ و.
(٦) المبسوط، ١/ ١١٦.
(٧) انظر: ١/ ٣١ ظ.
(٨) الكافي، ١/ ٩ و.
[ مقدمة / ٨٦ ]
كأنه غلط وقع من الكاتب؛ لأنه اشتغل بتقسيم ثم أجاب في الفصلين بأن صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب" (^١). لكن ذكر برهان الدين البخاري أن أبا نصر الصفار ومشايخ العراق صححوا رواية أبي حفص (^٢).
مثال آخر: قال في الأصل: "قلت: أرأيت إن دخل معه ونوى الظهر ولم ينو صلاة الإمام فصلَّى معه، فإذا هي الجمعة؟ قال: صلاته فاسدة؛ لأنه لم ينو ما نوى إمامه. إنما أوجب هذا على نفسه غير ما أوجب إمامُه على نفسه" (^٣). قال الحاكم: "وإذا دخل معه في الصلاة ولم ينو صلاة الإمام فصلَّى معه فإذا هي الجمعة فصلاته فاسدة، وفي غير رواية أبي سليمان أنه إذا نوى الظهر فإذا هي الجمعة أو نوى الجمعة فإذا هي الظهر [فصلاته فاسدة]، وهذا هو الصحيح" (^٤). وقال السرخسي: "وفي غير رواية أبي سليمان قال: إذا نوى صلاة الإمام والجمعة فإذا هي الظهر جازت صلاته، وهذا صحيح، فقد تحقق البناء بنية صلاة الإمام، ولا يعتبر بما زاد بعد ذلك، وهو كمن نوى الاقتداء بهذا الإمام وعنده أنه زيد فإذا هو عمرو، وكان الاقتداء صحيحًا، بخلاف ما إذا نوى الاقتداء بزيد فإذا هو عمرو" (^٥). وهذا غير المسألة المذكورة عند الحاكم.
فهذه الأمثلة- ولا شك أنها توجد غيرها- تدل على أن روايات كتاب الأصل قد اختلفت فيما بينها في مواضع غير قليلة، ويشهد لذلك كلام الحاكم والسرخسي وغيرهما من الفقهاء الأحناف. وهذه الظاهرة - أي وقوع الاختلاف في الروايات للكتاب الواحد - كثيرة وشائعة. ويمكن أن يكون ذلك ناشئًا من اختلاف رأي المؤلف، حيث يكون على رأي ما فيروي كتابه عنه أحد تلاميذه وهو على هذا الرأي، ثم يغير رأيه في المسألة فيروي عنه تلميذ آخر نفس الكتاب بعد تغير رأي المؤلف. ويمكن أن يكون ذلك من
_________________
(١) المبسوط، ١/ ١٧٣.
(٢) المحيط البرهاني، ١/ ٤٦١.
(٣) انظر: ١/ ٣٩ و.
(٤) الكافي، ١/ ١٠ ظ.
(٥) المبسوط، ١/ ٢٠٨.
[ مقدمة / ٨٧ ]
خطأ الراوي أيضًا. وأحيانًا يختلف العلماء في ترجيح بعض الروايات على بعضها الآخر كما تقدم آنفًا. ولكن يمكن القول على وجه العموم بأن رواية أبي سليمان الجوزجاني هي التي لقيت القبول والترجيح، وأنه بقي معظم كتاب الأصل محفوظًا إلى اليوم من روايته.