يوجد في كتاب الأصل أسلوبان يمكن تمييزهما بوضوح. ففي بعض الكتب الفقهية تُسرد المسائل على طريقة السؤال والجواب: قلت … قال …، وفي بعضها الآخر تُسرد بدون سؤال وجواب. فكتب الصلاة والزكاة والهبة والصيد والذبائح والمكاتب والجنايات والحدود والسرقة والسير والوديعة والعارية وجعل الآبق والحيل واللقطة والغصب مكتوبة على طريقة السؤال والجواب. أما كتب الحيض والتحري والاستحسان والبيوع والسلم والرهن والقسمة والمضاربة والرضاع والعتاق والعتق في المرض والوصايا والفرائض والولاء والديات والدور والخراج والدعوى والبينات والإقرار والعبد المأذون والمفقود والوقف فهي على طريقة سرد المسائل بدون السؤال والجواب. أما باقي الكتب فقد امتزجت فيها الطريقتان، والتفصيل كما يلي:
كتاب الصوم، مؤلف على طريقة السؤال والجواب إلى باب
_________________
(١) المبسوط، ٣٠/ ٢٨٧.
[ مقدمة / ١٠٦ ]
الاعتكاف، ثم يبدأ سرد المسائل بدون سؤال وجواب.
كتاب الأيمان، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا في موضع واحد فيه سؤال وجواب.
كتاب الصرف، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا مواضع قليلة فيها سؤال وجواب. وورد في كتاب الصرف قوله: "سألت أبا حنيفة"، و"سألت أبا يوسف" في بعض المواضع.
كتاب الإجارات، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب في ثلثيه تقريبًا، والثلث منه تقريبًا على طريقة السؤال والجواب. والأسئلة الواردة فيه مفصلة ومعقدة نوعًا ما، وأسلوبها يختلف عن أسلوب الأسئلة في الكتب الأخرى. فيبدأ الأسلوب في الاختلاف في أواسط باب إجارة الدور ويتحول من سرد المسائل إلى طريقة السؤال والجواب، لكن بأسلوب مختلف، ليس على قلت … قال …، لكن يبتدئ السؤال مثلًا بقوله: "رجل تكارى … ما القول فيه؟ قال … " ويستمر هكذا في مسائل كثيرة، وفي كثير منها يقول: "على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". وفي بعضها يقول: "على قياس قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد". وفي بعضها: "وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". ويتكرر تغير الأسلوب هذا فيما بعد في باب استئجار الحمامات.
كتاب الشركة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد، والسؤال المذكور فيه مفصل جدًا، يشمل نصف صفحة تقريبًا، وهو يشبه أسلوب الأسئلة المذكورة في كتاب الإجارات.
كتاب الطلاق، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد. وفيه باب مستقل في مناقشة وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة. ويحتج للمسألة بذكر أسئلة وأمثلة كثيرة.
كتاب الإكراه، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه في عدة مواضع سؤال وجواب على طريقة المناقشة والاحتجاج: "فإن قال قائل … قيل له … " وأسلوبه يشبه أسلوب كتاب الحيض.
[ مقدمة / ١٠٧ ]
كتاب السير، مؤلف على طريقة السؤال والجواب، إلا أن الأسلوب يختلف قليلًا في آخره تحت عنوان:"ما زاد محمد في آخر كتاب السير". ففي أوله يستمر على طريقة السؤال والجواب بأسلوب يخالف أسلوب "قلت، قال"، حيث يقول: "سألت أبا حنيفة، قال"، ويقول: "وسألته، قال". ثم يتحول إلى طريقة السرد. ولكن هذا الباب لا يشكل سوى بضع صفحات في آخر كتاب السير.
كتاب العشر، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن في آخره سؤالين فقط بلفظ: "قيل لمحمد بن الحسن، قال … قيل له، قال … " وهو أسلوب يختلف عن باقي الكتاب. وذلك ناشئ من اختلاف الراوي. فراوي كتاب العشر داود بن رشيد، وكتاب العشر هو الكتاب الوحيد الذي رواه. ثم يدل هذا أيضًا أن شخصًا آخر سأل محمد بن الحسن السؤالين المذكورين، وإلا كان الأولى أن يقول: قلت أو سألت.
كتاب الشرب، توجد فيه الطريقتان. وفيه: "عن محمد قال: سألت أبا يوسف … " عدة مرات.
كتاب الحجر، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه في عدة مواضع أسلوب المناقشة والاحتجاج: "فإن قال قائل … قيل له … ".
كتاب الشفعة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب غالبًا، وفي بعض المواضع يتحول إلى السؤال والجواب.
كتاب الخنثى، توجد فيه الطريقتان.
كتاب العقل، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه في عدة مواضع: "فإن قال قائل … قيل له …، قالوا … قيل لهم"، على سبيل المناقشة.
كتاب المزارعة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد فيه سؤال وجواب.
[ مقدمة / ١٠٨ ]
كتاب النكاح، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضعين على طريقة السؤال والجواب.
كتاب الحوالة والكفالة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أنه يبتدئ عرض المسائل في بداية الكتاب بقوله: "محمد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن الرجل يكفل بنفس الرجل … قال: نعم … " ثم يستمر في عرض المسائل على طريقة السرد بدون سؤال وجواب.
كتاب الصلح، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب غالبًا، وفي بعض المواضع على طريقة السؤال والجواب. ويلاحظ أن لفظي السؤال والجواب: قلت، قال، حذف في أكثرها، لكن السياق يدل على وجودها قبل ذلك.
كتاب الوكالة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد.
كتاب الشهادات، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد.
كتاب الرجوع عن الشهادات، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب إلا في موضع واحد.
كتاب الصدقة الموقوفة، مؤلف على طريقة سرد المسائل بدون سؤال وجواب، إلا أن فيه أسلوب الاحتجاج والمناقشة: "فإن قال قائل … قيل له، قالوا … قيل لهم". وهكذا في عدة مواضع.
والسبب في تنوع الأسلوب في الكتاب في تقديرنا يرجع إلى مؤلف الكتاب نفسه، فمحمد بن الحسن -رحمه الله تعالى- قد ألف هذه الكتب الفقهية وانتهى منها ثم أعاد النظر فيها مرة أخرى وغير فيها ما أراد أن
[ مقدمة / ١٠٩ ]
يغير (^١). فلعله كان يحذف الألفاظ المعبرة عن السؤال والجواب مثل قلت وقال، ويحول العبارة إلى مسألة بدون سؤال وجواب. وذلك سهل لمن تأمل عبارات الكتاب. حتى أنه من الممكن رؤية بعض المواضع قد حذف فيها هذه الألفاظ، لكن لم يتم ترتيب الجملة من جديد حتى تكون جملة واحدة مفيدة، فاضطررنا في هذه المواضع إلى إضافة لفظ "قلت" أو "قال"، لتصحيح العبارة (^٢). وذلك مما يدل على أن التحرير كان مستمرًا في الكتاب. ومن المحتمل أن يقول قائل: إن الرواة عن محمد بن الحسن مثل الجوزجاني وأبي حفص أو الرواة عنهم يمكن أن يكونوا هم الذين قاموا بهذا التحرير. وهذا الاحتمال وإن كان واردًا في نظرنا إلا أن حقيقة كون الإمام محمد قد غير كتبه وأعاد تأليفها مرة أخرى تؤكد ترجيح الاحتمال الأول. ومن المحتمل أن يكون الإمام محمد قد استعمل أساليب متنوعة في تأليف كتبه من البداية، خصوصًا إذا ما علمنا أن كتبه كانت مفردة في الأصل، فكل كتاب من الكتب الفقهية كان يعتبر كتابًا بنفسه. ثم إن كتب محمد بن الحسن قد كانت معروفة مشهورة في ذلك الوقت، فلو وقع التغيير فيها من قبل بعض تلاميذه أو غيرهم لتنبه إلى ذلك العلماء الآخرون وعُرف ذلك. فلما لم تكن هناك إشارة في المراجع إلى مثل هذا التغيير تأكد أن تنوع الأسلوب هذا هو من عمل المؤلف نفسه. وهناك نقطة أخرى، وهي أنه لو كان التغيير في الكتاب وقع بعد محمد بن الحسن من قبل تلاميذه ورواة كتبه لكان هذا التغيير شاملًا لجميع الكتاب، لكن الأمر ليس كذلك. فإن الحاصل أن بعض الكتاب مكتوب على طريقة السؤال والجواب وبعضه ليس كذلك. وهذا يدل على أن محمد بن الحسن هو الذي نوّع أسلوبه من البداية، أو بدأ بتنقيح كتبه فغير بعضها ولم يمهله الأجل حتى يغير الباقي منها، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار ضخامة حجم الكتاب. ومن المعلوم أن الإمام محمدًا توفي في سفره إلى الري مع هارون الرشيد عام ١٨٩، وعمره ٥٧ عامًا، وهي سن مبكرة نسبيًا.
_________________
(١) المبسوط،. ٣٠/ ٢٨٧.
(٢) انظر مثلًا: ٨/ ٥٢ و، ٥٣ و، ٥٣ ظ.
[ مقدمة / ١١٠ ]
وواضع الأسئلة في كتاب الأصل هو الإمام محمد نفسه، وهو المجيب كذلك. فقد كانت هذه طريقة في تأليف الكتب. حتى أنها لا تزال متبعة إلى الآن في بعض الأحيان. وقد كان بشر بن الوليد الكندي القاضي (ت. ٢٣٨) من تلاميذ أبي يوسف يلوم محمد بن الحسن، وكان الحسن بن أبي مالك (ت. ٢٠٤) من تلاميذ أبي يوسف أيضًا ينهاه عن ذلك ويقول له: "قد وضع محمد هذه المسائل، فضع أنت سؤال مسألة، وقد أغناك الله عن جوابها" (^١). فيتبين من هذه العبارة أن واضع الأسئلة والأجوبة هو محمد نفسه. وروي عن هشام بن عبيدالله الرازي أنه قال: "لما سمعنا كتب محمد بن الحسن بالرَّقَّة قلنا: قولك: "أرأيت" إلى من ينسب، وسؤالك عن من؟ قال: إنما هو سواد في بياض، إن شئتم فخذوه، وإن شئتم فدعوه" (^٢). فهذا الجواب من الإمام محمد يدل على أن واضع الأسئلة هو نفسه، وليس هناك سؤال حقيقي موجَّه مثلًا إلى أحد من الأئمة أبي حنيفة أو أبي يوسف أو محمد بن الحسن، وإنما هو أسلوب في تأليف الكتاب. هذا هو الأعم الأغلب، لكن هناك مواضع يفهم من السياق أن السؤال فيها حقيقي وموجه إلى أبي حنيفة أو أبي يوسف. فمثلًا عندما يقول: "سألت أبا حنيفة"، أو "سألت أبا يوسف"، فمن الواضح أن هذا سؤال حقيقي موجه إلى شخص حقيقي. وهذا قليل في الكتاب إذا قيس بالأسلوب الآخر الذي يستمر السؤال والجواب فيه على شكل: قلت، قال.