طعن في الإمام محمد بعض المحدثين كما طعنوا في أستاذه أبي حنيفة وأصحابه، ووثقه بعضهم مثل علي بن المديني الذي يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وقال الدارقطني: "هو لا يستحق الترك" (^١). وروى عنه الإمام الشافعي في كتاب الأم (^٢). وتقدم ثناء الشافعي وغيره من العلماء عليه قريبًا.
على أنه من الواضح أن سبب الطعن هو التعصب على أهل الرأي، فإنك ترى بين كلام بعض المحدثين في تضعيفه أنه من أهل الرأي وأنه جهمي وأنه مرجئ وأنه ليس بأهل لأن يروى عنه بهذه الأسباب. وترى بعض المحدثين يذكرون أنه يخطئ كثيرًا ويهم في الأحاديث التي يرويها. وهذا أمر مبالغ فيه. والذي دفع بعضهم إلى هذا هو أن الإمام محمد بن الحسن فقيه في الدرجة الأولى، وعنايته بالحديث والرواية منصبة على أحاديث الأحكام، فاهتمامه متوجه إلى الاحتجاج بالحديث وفهم معناه والفقه الذي يستنبط منه أكثر من رواية الحديث والاهتمام بألفاظه وتعداد أسانيده وما إلى ذلك. فلم يكن الإمام ممن يجلس للتحديث ويصرف جل سعيه في رواية الحديث، وإنما هو فقيه ثم محدث. ولكن ذلك لا يمنع من صحة حديثه وكونه ثقة حافظًا للحديث أيضًا. فالأمر يرجع إلى الاختصاص بعلم وتكثيف جهده فيه أكثر من علم آخر.
حتى إنك لترى الأمر الذي ينبغي أن يحمد عليه يتحول إلى أمر يذم عليه. قال عبد الرحمن بن مهدي: "دخلت على محمد بن الحسن صاحب الرأي، فرأيت عنده كتابًا موضوعًا فأخذته ونظرت فيه، فإذا هو قد أخطأ وقاس على الخطأ. قال: قلت: ما هذا؟ قال: هذا حديث أبي خَلْدَة عن أبي العالية في الدود يخرج من الدبر. وقد تأوله على غير تأويله وقاس عليه.
_________________
(١) انظر لأقوال أهل الحديث فيه: الجرح والتعديل، ٧/ ٢٢٧؛ والضعفاء للعقيلي، ٤/ ٥٢ - ٥٤؛ والمجروحين لابن حبان، ٢/ ٢٧٦؛ والكامل لابن عدي، ٦/ ١٧٤ - ١٧٥؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٨٠ - ١٨١؛ وميزان الاعتدال، ٦/ ١٠٧، وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) الأم، ٣/ ٢٢٠، ٦/ ١٨٥.
[ مقدمة / ٢٩ ]
فقلت: هذا ليس هكذا. قال: كيف هو؟ فأخبرته. قال: صدقت. ثم جاء بالمقراض يقرض من كتابه" (^١). فمحمد بن الحسن عالِم واسع الصدر يسمح لابن مهدي بالاطلاع على كتابه ويستمع إلى نقده العلمي ويراه في مكانه ويصحح كتابه تبعًا لما يقوله. وهذا هو التواضع للحق أينما كان ومن أين أتى.
كما أن التفرق الذي حدث بين أهل الحديث وأهل الرأي وبين أهل الحجاز وأهل العراق وأمثال ذلك قد أثر في كلام بعض المحدثين والعلماء وجعل من السهل عليهم الطعن على أهل الرأي دون التروي كثيرًا في عواقب ذلك. قال محمد بن الحسن الشيباني: "كنت عند مالك، فنظر إلى أصحابه فقال: انظروا أهل المشرق فأنزلوهم بمنزلة أهل الكتاب، إذا حدثوكم فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ثم التفت فرآني، فكأنه استحيى، فقال: يا أبا عبد الله، أكره أن تكون غيبة، هكذا أدركت أصحابنا يقولون" (^٢).
قال الذهبي: "هذا القول من الإمام قاله لأنه لم يكن له اعتناء بأحوال بعض القوم ولا خبر تراجمهم، وهذا هو الورع. ألا تراه لما خبر حال أيوب السختياني العراقي كيف احتج به، وكذلك حميد الطويل وغير واحد ممن روى عنهم. وأهل العراق كغيرهم فيهم الثقة والحجة والصدوق والفقيه والمقرئ والعابد وفيهم الضعيف والمتروك والمتهم. وفي الصحيحين شيء كثير جدًا من رواية العراقيين -﵏-. وفيهم من التابعين كمثل علقمة ومسروق وعبيدة والحسن وابن سيرين والشعبي وإبراهيم، ثم الحكم وقتادة ومنصور وأبي إسحاق وابن عون، ثم مسعر وشعبة وسفيان والحمادين وخلائق أضعافهم، رحم الله الجميع" (^٣). كما نقل عن الإمام مالك أقوال أخرى في الثناء على الإمام أبي حنيفة وعلى العراقيين. لكن المقصود أنه إذا كان هناك نوع من التحزب والافتراق فإنه يسهل على أحد الأطراف التكلم في الطرف الآخر بما لا ينبغي. وهذا أمر ينبغي أن يتفطن إليه العلماء
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي، ٤/ ٥٤.
(٢) سير أعلام النبلاء، ٨/ ٦٨.
(٣) سير أعلام النبلاء، ٨/ ٦٨ - ٦٩.
[ مقدمة / ٣٠ ]
والمحدثون خصوصًا عند توثيقهم وتضعيفهم للرجال وحكمهم على الأحاديث بالصحة والضعف.