للكتاب تسميتان مشهورتان، كتاب الأصل، والمبسوط (^٢). ويقال له: الأصل أيضًا بدون استعمال لفظ الكتاب. وقيل: إن سبب تسميته بالأصل، لأنه صنفه محمد بن الحسن أولًا وقبل كتبه الأخرى (^٣).
ولسنا متأكدين من أن محمد بن الحسن كان قد سمى كتابه بأحد هذين الاسمين. ونظن أن تسمية الكتاب بالأصل أو المبسوط قد حدث مؤخرًا. فقد كان محمد بن الحسن ألف كل كتاب من الكتب الفقهية على حدة، ثم جمعت تلك الكتب تحت عنوان كتاب واحد. وقد ذكر كاتب جلبي أن محمد بن الحسن ألف الكتب الفقهية مفردًا، فألف مسائل الصلاة وسماه كتاب الصلاة ومسائل البيوع وسماه كتاب البيوع وهكذا، ثم جمعت فصارت مبسوطًا، وبين أنه المراد حيث ما وقع في الكتب قال محمد في كتاب فلان كذا (^٤). لكننا لا ندري هل كان الجامع لهذه الكتب تحت عنوان واحد هو محمد بن الحسن نفسه أو أن تلاميذه الراوين لكتبه هم الذين قاموا
_________________
(١) المنتظم لابن الجوزي، ٩/ ١٧٥؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٦.
(٢) كشف الظنون، ١/ ١٠٧؛ ٢/ ١٢٨٢.
(٣) كشف الظنون، ١/ ١٠٧؛ ٢/ ١٢٨٢.
(٤) كشف الظنون، ٢/ ١٥٨١.
[ مقدمة / ٤٣ ]
بذلك الجمع؟ ويترجح لدينا أن الرواة هم الذين قاموا بهذا الأمر. فمثلا لا يذكر ابن النديم أحد هذين الاسمين، الأصل أو المبسوط، بل يذكر كل كتاب من كتب الفقه على حدة، مثل كتاب الصلاة، كتاب المناسك وهكذا (^١). كما لا يذكر الحاكم الشهيد ذلك أيضًا، بل يقول في مقدمة الكافي: "قد أودعت كتابي هذا معاني محمد بن الحسن -رحمه الله تعالى- في كتبه المبسوطة … " (^٢) لكن يذكر السرخسي تسمية الكتاب باسم "الأصل" في مواضع كثيرة من المبسوط، فيقول مثلًا: "قال محمد في الأصل … " (^٣) وذكره السمرقندي والكاساني والمرغيناني وغيرهم بهذا الاسم أيضًا (^٤). كما يذكره السرخسي وغيره باسم المبسوط أيضًا، لكن في مواضع أقل بكثير إذا ما قورن بالتسمية باسم "الأصل" (^٥). ولعل ذلك دفعًا للالتباس بين مبسوط الإمام محمد ومبسوط السرخسي وغيرهما، فقد كثرت تسمية الكتب بهذا الاسم فيما بعد، لكن التسمية باسم "الأصل" ليست بتلك الكثرة.
وسبب التسمية بالأصل في نظرنا يرجع إلى أنه كتاب شامل للمسائل والقواعد الأساسية التي وضعها أبو حنيفة ومن بعده أبو يوسف ومحمد بن الحسن؛ فهذا الكتاب هو الأصل والأساس والقاعدة التي بني عليها الفقه الحنفي فيما بعد. وقد كانت هذه المسائل تعرف بمسائل الأصول. فقد كانت آراء الإمام أبي حنيفة تدون من قبل تلاميذه، فكانوا يناقشون المسألة في مجلسه فإذا استقر رأيهم على أمر دونوه في "الأصول" (^٦). ولعل المقصود بالأصول هنا كتب وأبواب الفقه الأساسية، فموضوع الصلاة مثلًا أصل،
_________________
(١) الفهرست، ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) الكافي، ١/ ١ ظ.
(٣) المبسوط، ١/ ١٦٢؛ ٣/ ٨١، ١٢٧؛ ٨/ ٨٤؛ ٢٦/ ١٧٨، ٢٩/ ٩٢، ١٠٨.
(٤) تحفة الفقهاء، ١/ ٢٠٤؛ ٢/ ٢٩١، ٣١٩، ٣٦٠؛ ٣/ ٥٢، ١٣٣، ١٩٣؛ وبدائع الصنائع، ١/ ١٦٣، ٢٧٣، ٢٨٤، والهداية، ١/ ١٦٠؛ ٢/ ١٧٥؛ ٣/ ١٥٥.
(٥) المبسوط، ١/ ٣؛ ١٨/ ١٢٧؛ والهداية، ٢/ ٨٤؛ ٣/ ٧٨.
(٦) وكانوا يدعونها "أصول الفقه" أيضًا. انظر: مناقب أبي حنيفة للمكي، ٥٠٨؛ وفقه أهل العراق وحديثهم، ٥٥، ٥٦.
[ مقدمة / ٤٤ ]
وموضوع الزكاة أصل، وموضوع البيوع أصل، أي أنه موضوع أساسي تدور حوله مسائل ذلك الكتاب. ثم آلت تلك الأصول إلى تلاميذ الإمام أبي حنيفة، ومن بينهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن. قد وسعا هذه الأصول بمسائل وآراء جديدة. فكانت هذه الآراء مجتمعة هي امتدادًا لذلك "الأصل" الذي دون في عهد الإمام أبي حنيفة، وكونت هذه المجموعة "الأصل" والأساس للمذهب الحنفي، حيث بنى على هذا الأصل جميع من أتى بعدهم من الفقهاء الأحناف وحتى غير الأحناف مثل الإمام الشافعي الذي حمل عن الإمام محمد بن الحسن وقر بعير كتبًا (^١)، وأسد بن الفرات الذي أخذ هذه الكتب ثم بنى عليها الفقهاء المالكية مذهبهم (^٢). ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقاق؟ أجاب بأنها من كتب محمد بن الحسن (^٣). فحُقَّ لهذا الكتاب بأن يسمى بالأصل. فكان اسم الأصل أو الأصول يطلق على هذه المجموعة التي حوت كتب الفقه الشاملة لمسائل وقواعد العبادات والمعاملات المعروفة.
وهناك احتمال آخر، وهو أن اسم الأصل لم يكن في البداية اسمًا لكتاب معين، وإنما هو بمعنى الكتاب أو المرجع الأساسي أو المصدر الذي يتحاكم إليه للضبط والتثبت. كما كان المحدثون يستعملون هذه اللفظة بكثرة في هذه المعاني أو قريبًا منها. لكن لكثرة استعمال هذه اللفظة للتعبير عن تلك الكتب صارت عَلَمًا لهذا الكتاب عند الفقهاء الأحناف.
ويتحدث الفقهاء الأحناف المتقدمون عن هذا الكتاب تارةً بلفظ الأصل، وتارةً يجمعون ذلك فيقولون: الأصول. وهذا يدل على أنه لم يكن لديهم اسم معين عَلَم على هذا الكتاب. ومن ناحية أخرى كان كل كتاب من كتب الفقه مفردًا عن الآخر، فكتاب الصلاة على حدة، والبيوع على حدة،
_________________
(١) الانتقاء لابن عبد البر، ٦٩، ١٧٤؛ وطبقات الفقهاء للشيرازي، ١٤٢؛ وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٧.
(٢) طبقات الفقهاء للشيرازي، ١٦٠؛ وتاريخ الإسلام للذهبي، ١٥/ ٦٧، ومقدمة ابن خلدون، ٤٥٠.
(٣) المنتظم لابن الجوزي، ٩/ ١٧٥؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٦.
[ مقدمة / ٤٥ ]
والحدود على حدة، وهكذا؛ فكان كل كتاب من هذه الكتب الفقهية يسمى "الأصل"، ومجموعها يسمى "الأصول،. فمثلًا كان أبو بكر الرازي يكره أن تقرأ عليه "الأصول" من رواية هشام لما فيها من الاضطراب، ويرجح روايتي أبي سليمان ومحمد بن سماعة (^١). ويذكر القرشي نفس الرواية بلفظ "الأصل" (^٢). وهما يتحدثان عن نفس الكتاب.
والمقصود من قول ابن النديم: ولأبي يوسف من الكتب في "الأصول" والأمالي كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام … (^٣) وكذلك من كتاب "أصول الفقه" الذي ينسبه ابن النديم إلى محمد بن الحسن (^٤)، هو مواضيع الفقه الرئيسية، وليس المقصود بذلك أصول الفقه بالمعنى الحادث بعد ذلك علمًا على العلم المعروف.
ويظهر أن سبب تسميته بالمبسوط أنه مبسوط واسع كبير مسترسل في العبارة وشامل لجميع أبواب الفقه، وهو مخالف في ذلك مثلًا للجامع الصغير وأمثاله من كتب محمد التي هي أصغر حجمًا. ولا نستطيع أن نجزم إن كان الإمام محمد سمى كتابه هذا بهذا الاسم أيضًا. ومع ذلك فإن تسمية الكتب بالمبسوط كانت شائعة في العصور الأولى، فترى العديد من الكتب المسماة بهذا الاسم في مختلف علوم المسلمين (^٥).