كان الإمام محمد بن الحسن سمينًا، لكنه كان مع ذلك ذكيًا خفيف
_________________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٦؛ والجواهر المضية، ٢/ ٤٣؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) تهذيب الكمال، ٢٥/ ٣١٧ - ٣١٩؛ والجواهر المضية، ٢/ ٨٥؛ وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال، ٣٣٩.
(٣) الجواهر المضية، ١/ ٤٠٥.
(٤) الإرشاد للخليلي، ٢/ ٧٠٢ - ٧٠٤؛ والجواهر المضية، ١/ ١٤٧.
[ مقدمة / ٢٣ ]
الروح. قال الشافعي: "ما رأيت سمينًا أخف روحًا من محمد بن الحسن" (^١).
وكان الشافعي يقول: "ما ناظرت سمينًا أذكى منه" (^٢). قال الذهبي: "وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل" (^٣). وقال الشافعي: "ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن" (^٤).
وكان الإمام يحب المناظرة وكان واسع الصدر أمام الأسئلة التي توجه إليه، لا يغضب ولا يتغير. قال الشافعي: "ما ناظرت أحدًا إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن" (^٥). وقال الشافعي: "ما رأيت أحدأ يُسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت في وجهه الكراهة إلا محمد بن الحسن" (^٦).
وكان قد وكل أموره المالية إلى وكيل له حتى يتفرغ للعلم. قال محمد بن سماعة: "قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي" (^٧).
وكان محافظًا على وقار العلماء وجريئًا في وجه الملوك لا يتنازل عن الحق. قال أبو عبيد: "كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل هارون الرشيد، فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم. ثم أُذن بالدخول على الرشيد، فدخل محمد بن الحسن فجزع أصحابه له، ثم خرج طيب النفس مسرورًا، فقال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهتُ أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهّلتني للعلم، فكرهتُ أن أخرج منه إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه، وإن ابن عمك - ﷺ - قال: "مَن أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" (^٨)، وإنه إنما أراد بذلك
_________________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) سير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥.
(٣) سير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥.
(٤) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥.
(٥) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٧.
(٦) طبقات الفقهاء، ١/ ١٤٢.
(٧) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦ - ١٧٧؛ والجواهر المضية، ١/ ٥٢٨.
(٨) رواه الترمذي بلفظ: "مَن سره أن يتمثل … ". انظر: سنن الترمذي، الأدب، ٢٣.
[ مقدمة / ٢٤ ]
العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنَّة التي عنكم أُخذت، فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد. ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصّروا أبناءهم، وقد نصّروا أبناءهم وحلّت بذلك دماؤهم، فما ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصّروا أبناءهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك (^١)، وكان من العلم ما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنَّة، فهذا صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفتُ لك العلم، ورأيك أعلى. قال: لَكِنّا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة، فكان يشاور في أمره ثم يأتيه جبريل -﵇- بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاّه الله أمرك، ومُرْ أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرّقه على أصحابك. فخرج له مال كثير ففرّقه" (^٢).
وفي سنة ١٧٦ ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (^٣) بالديلم واشتدت شوكته، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفًا، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطه يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجِلّة بني هاشم ومشايخهم، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف. فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأنزله منزلًا سَرِيًا. ثم إن الرشيد حبسه فمات في الحبس. وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن وعلى أبي البَخْتَرِي القاضي (ت. ٢٠٠) (^٤)، فقال محمد: "الأمان صحيح". فحاجّه
_________________
(١) أي علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٢) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) هو من الطالبيين الذين خرجوا على العباسيين، وقد رباه جعفر الصادق، وتفقه عنده. دعا إلى نفسه في بلاد الديلم، ثم صالح الرشيد بأمان، وقدم بغداد، ثم حبسه الرشيد إلى أن مات. انظر: الأعلام للزركلي، ٨/ ١٥٤.
(٤) هو وهب بن وهب القرشي المدني، ولاه هارون الرشيد قضاء عسكر المهدي أي شرقي بغداد، ثم قضاء المدينة، ثم عزل ورجع إلى بغداد وتوفي بها. وهو ضعيف عند المحدثين. انظر: الأعلام للزركلي، ٨/ ١٢٦.
[ مقدمة / ٢٥ ]
الرشيد وأغلظ له الكلام، لكن لم يرجع محمد عن فتواه. وقال أبو البَخْتَرِي: "هذا أمان منتقض من وجه كذا". فمزقه الرشيد (^١).
وكان محمد بن الحسن يتفقد طلاب العلم ويواسيهم بالنفقة مثل أستاذه أبي حنيفة. قال أبو عبيد: "رأيت الشافعي عند محمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين دينارًا وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهمًا وقال: إن اشتهيت العلم فالزم" (^٢). وقد نفدت نفقة أسد بن الفرات وهو عند محمد فكلم فيه مسؤولي الدولة فنفذوا إليه عشرة آلاف درهم (^٣).
وكان الإمام محمد متواضعًا لأهل العلم حتى لطلابه، وحريصًا على العلم، فيستفيد من طلبته ولا يرى في ذلك غضاضة على نفسه. قال أبو سليمان الجوزجاني: "سمعت ابن المبارك يقول: سألت أبا حنيفة - ﵁ - عن الرجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر لذي قرابته، فحدثت بهذا محمد بن الحسن، فقال: هذا حسن، وهذا قول أبي حنيفة، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة. قال أبو سليمان: فكتبه عني محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة" (^٤).