قلت: أرأيت رجلًا وكل رجلًا يشتري له جارية بعينها بكذا وكذا درهمًا، فلما رآها الوكيل أراد أن يشتريها لنفسه ولا يدخل عليه إثم فيما بينه وبين الله تعالى، فأراد وجهًا يجوز له؟ قال: يشتريها الوكيل لنفسه بدنانير، فتكون له ولا شيء للآمر فيها. قلت: فإن كان اشتراها بما سمى الآمر من الدراهم أو أقل من ذلك غير أن الوكيل نوى أن يكون الشرى لنفسه؟ قال: نيته باطلة، والجارية للآمر. قلت: فإن كان أشهد على ذلك قبل أن يشتريها وقال: إني لست أبتاعها لفلان، وإنما أشتريها لنفسي، فاشهدوا، ثم اشتراها ساعتئذ؟ قال: الجارية للآمر، وما صنع الوكيل باطل. قلت: أرأيت إن كان اشتراها بدراهم أكثر مما سمى له الآمر؟ قال: الجارية للوكيل، ولا شيء للآمر.
قلت: أرأيت إن كان الآمر قال للوكيل: اشتر لي هذه الجارية، ولم يسم له ثمنًا، فاشتراها بحنطة بعينها أو بغير عينها؟ قال: الوكيل مخالف، ولا يلزم (^٢) الآمر، والشرى للوكيل.
قلت: أرأيت إن وكله بشرى هذه الجارية، فأمر الوكيل رجلًا غيره
_________________
(١) م ف - يوم أو؛ والزيادة من ل.
(٢) م: ولا يلومن؛ ف: ولا يكون. والتصحيح من ع ز.
[ ٩ / ٤١٧ ]
ليشتريها للوكيل الأول، فاشتراها الوكيل (^١) الثاني بغير محضر من الوكيل الأول؟ قال: فالشرى للوكيل الأول دون الآمر الأول. قلت: أرأيت إن كان (^٢) الآمر الأول أمر الوكيل الأول (^٣) أن يعمك في ذلك برأيه، فوكل الوكيل الأول هذا الوكيل (^٤) الثاني فاشتراها؟ قال: الشرى للآمر الأول إذا كان على ما وصفت. قلت: أرأيت إن كان الوكيل الأول قد اشترى الجارية وقبضها، ثم وجد بها عيبًا قبل أن يدفعها إلى الآمر، فردها الوكيل على البائع بالعيب بقضاء قاض، ثم أراد الوكيل أن يشتري هذه الجارية بعد ذلك لنفسه؟ قال: لا يكون الشرى الثاني إلا للآمر، إلا أن يشتريها الوكيل بعرض من العروض بعينه أو بغير عينه، سوى الدراهم والدنانير. فإن اشتراها بعرض من العروض كان الشرى للوكيل خاصة ولا يكون للآمر.
قلت: أرأيت الرجل يوكل الرجل ببيع جارية أو عرض من العروض، فأراد الوكيل أن يشتري ذلك لنفسه من نفسه، هل في ذلك وجه يستقيم؟ قال: نعم؛ الوجه في ذلك أن يبيع ذلك الوكيل بما يساوي من رجل يثق به، ثم يدفعه إلى المشتري، ثم يشتريه (^٥) بعد ذلك الوكيل لنفسه. قلت: أرأيت إن كان اشتراها من المشتري قبل أن يقبضها المشتري أو استقاله الوكيل البيع، أو سأله أن يولّيه إياه (^٦)، ففعل ذلك المشتري (^٧)، وذلك كله من قبل أن يقبض المشتري البيع، أيجوز ذلك للوكيل؟ قال: نعم؛ المبيع في ذلك كله للوكيل، ولا يكون للآمر. قلت: أرأيت إن كان المشتري وجد بالمبيع عيبًا قبل أن يقبضه، فرده على الوكيل بغير قضاء قاض، لمن يكون البيع، للآمر أو للوكيل؟ قال: بل يكون للآمر، ولا يكون للوكيل. قلت: فإن كان المشتري قد قبض المبيع ثم رده (^٨) بهذا العيب بغير قضاء قاض؟
_________________
(١) ف: للوكيل.
(٢) ف ع + أمر.
(٣) م ف - أمر الوكيل الأول؛ والزيادة من ل.
(٤) م ف - هذا الوكيل؛ والزيادة من ل.
(٥) ع: يشتري به.
(٦) م ف - إياه، والزيادة من ل.
(٧) ع + قبل أن يقبضها المشتري أو استقاله الوكيل البيع أو سأله أن يوليه ففعل ذلك المشتري.
(٨) م ف: ثم رد؛ والتصحيح من ل.
[ ٩ / ٤١٨ ]
قال: إذًا يكون المبيع للوكيل، ولا يكون للآمر. قلت: أرأيت إن أراد الوكيل أن يعود إلى ملك الآمر ولا يلزمه، وإنما أراد ذلك بعدما قبل الجارية بالعيب بغير قضاء قاض، هل في ذلك وجه يستقيم؟ قال: لا. قلت: أرأيت الوكيل إذا ابتاع المبيع ثم أراد المشتري أن يحط عنه الوكيل، فخاف المشتريَ (^١) أن لا يجيز له ذلك، كيف يصنع؟ قال: يهب الوكيل للمشتري دراهم أو دنانير، فإذا قبضها المشتري قضاها البائع من ثمن المبيع، فيكون ذلك بمنزلة الحط. قلت: أرأيت لو أن الوكيل حط عن المشتري شيئًا من الثمن قبل أن يقبض الثمن أما كان يجوز؟ قال: أما أبو حنيفة فإنه كان يجيز الحط ما لم يقبض الوكيل الثمن، وكان (^٢) يضمن الوكيل ما حط، ويبرئ المشتري منه (^٣)، ولو كان إنما حط عن المشتري بعدما قبض الثمن لم يجزه. وأما أبو يوسف فإنه لا يجيز الحط قبل القبض ولا بعده. والذي وصفت لك حيلة في قول من لم يجز الحط.
قلت: أرأيت الوصي أله (^٤) أن يشتري من متاع الميت شيئًا من نفسه لنفسه؟ قال: لا. وأما الوجه في ذلك (^٥) والثقة أن يصنع في أمره كما يصنع (^٦) الوكيل في أمره. قلت: أرأيت الأب هو بمنزلة الوصي في متاع ابنه الصغير إذا أراد أن يشتريه لنفسه؟ (^٧) قال: لا؛ الأب له أن يشتري لنفسه من نفسه من متاع ابنه الصغير. وكذلك الجد أبو الأب (^٨) له أن يشتري إذا كان الأب ميتًا ولم يكن له وصي. ولا يشبه هذا الوصي ولا الوكيل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. قلت: أرأيت من أراد أن يحتاط حتى لا يدخل عليه شيء في قول أحد من الناس إذا اشترى متاع ابنه الصغير، كيف الثقة له والوجه في ذلك؟ قال: يفعل مثل الذي وصفت لك في أمر الوصي والوكيل، فيكون للوكيل.
_________________
(١) أي: فخاف الوكيل من المشتري.
(٢) م ف ع: وإن كان.
(٣) م ف - منه؛ والزيادة من ل.
(٤) ف: أراد.
(٥) م ف ع + على الوجه في ذلك.
(٦) ف: صنع.
(٧) ف + قال لا الأب له أن يشتري لنفسه.
(٨) م ف: للأب.
[ ٩ / ٤١٩ ]
قلت: أفتكره للوكيل إذا أمر أن يبيع شيئًا مما ذكرت لك، فباعه على ما وصفت، ثم اشتراه لنفسه؟ قال: لا؛ لست أكره ذلك. قلت: فإن كان نوى حين باع المتاع أن يشتريه لنفسه؟ قال: وإن نوى ذلك، ما لم يشترط عند عقده البيع أن يشتريه لنفسه. فإن اشترط (^١) على المشتري أن يشتريه له فذلك لا يجوز، والبيع فاسد مردود.
قلت: أرأيت ما وصفت من أمر الوكيل إذا أمر أن يشتري جارية بعينها، فوكل بذلك، ثم أراد بعد ذلك أن يشتري الجارية لنفسه، فأراد وجه ثقة ببعض ما ذكرت مما وصفت، أيسعه ذلك؟ قال: نعم؛ يسعه ذلك فيما بينه وبين ربه. ولولا أن ذلك واسع لم يكن الذي وصفت وجه ثقة ولا احتياط ولا حيلة؛ لأن كل من احتال (^٢) بأمر يدخل عليه في دينه مكروهًا لم يحتط، ولم يعد ذلك منه نظرًا ولا حيلة. إنما الحيلة فيمن احتاط في الدخول في الحلال (^٣) وترك الحرام، فذلك الاحتياط النافع.
قلت: أرأيت رجلًا وكله رجل ببيع جاريته، ووكله رجل آخر أن يشتري له الجارية، ففعل ذلك كله، هل يجوز أن يبيعها (^٤) من نفسه للذي وكله بالشرى؟ قال: لا يجوز ذلك. قلت: فكيف الوجه في ذلك حتى يجوز؟ قال: يبيعها ممن يثق به بما يساوي، ثم يبتاعها بعدما يدفعها إلى الذي كان وكله أن يشتريها، فيجوز ذلك للموكلين جميعًا وللوكيل.
قلت: أرأيت امرأة وكلت رجلًا أن يزوجها، ووكل (^٥) رجل (^٦) هذا الوكيل أن يزوجه امرأة، للوكيل أن يزوج هذه المرأة من هذا الرجل الذي وكله، ويكون الوكيل هو المتكلم وحده لهما جميعًا؟ قال: نعم؛ ذلك جائز عندنا. قلت: ولم وقد وصفت في البيع ما وصفت؟ قال: لا يشبه النكاح البيع. ألا ترى أن الرجل قد يجوز له أن يزوج ابنه الصغير ابنة أخيه الصغيرة وهو وحده الخاطب المتكلم لهما. أوَلا ترى أن المرأة توكل ابن عمها أن
_________________
(١) ف + ذلك.
(٢) ف - احتال، صح هـ.
(٣) ف - في الحلال.
(٤) م: بأن يبيعها.
(٥) م - أن يزوجها ووكل، صح هـ.
(٦) م - رجل.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
يزوجها (^١) فيتزوجها هو بشهادة الشهود وبمهر (^٢) مسمى، فيكون ذلك جائزًا.
قلت: أرأيت المرأة توكل الرجل بخلعها من زوجها أيجوز (^٣) ذلك؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يكن للوكيل بينة يشهدون له بالوكالة، فأراد الزوج أن يستوثق (^٤) مما أدركه من درك فيما شرط (^٥) له وكيل المرأة، كيف يصنع؟ قال: يضمن الوكيل أو غيره ما أدركه من درك فيما يشترطه له وكيل المرأة (^٦).
قلت: أرأيت إن لم تكن المرأة وكلت أحدًا بخلعها من زوجها، ولكن أبا المرأة أراد أن يخلعها من زوجها، أيجوز ذلك؟ قال: لا يجوز إلا أن يخلعها الأب من زوجها بشيء من مال نفسه. قلت: أرأيت إن خلعها بما على الزوج من صداق الابنة؟ قال: لا يجوز ذلك، ولا تطلق الابنة إلا أن ترضى إذا بلغها ذلك. قلت: فكيف الوجه والثقة حتى يقع الطلاق وتبين المرأة؟ قال: يضمن الأب أو غيره ما أدركه من درك فيما خلعها به من الصداق. قلت: فإذا فعل ذلك جاز الخلع ووقع الطلاق؟ قال: الخلع واقع من الزوج على كل حال. وإنما نظرنا للزوج أن لا تكون امرأته قد (^٧) سألت الخلع (^٨) ولم يصر في يديه من المال شيء، فاحتطنا له بما وصفت لك. قلت: وسواء إن كانت الابنة صغيرة أو كبيرة ضمنت الأب وغيره الدرك؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت الوكيل يوكل بشرى المتاع من بلد إلى بلد، فخاف الوكيل أن يبعث بالمتاع مع غيره فيضمن، أو خاف أن يستودع المتاع
_________________
(١) م: أن يتزوجها.
(٢) ع: وبالمهر.
(٣) م ف: فيجوز.
(٤) ع: أن يستوفي.
(٥) ف: يشترطه.
(٦) ف - كيف يصنع قال يضمن الوكيل أو غيره ما أدركه من درك فيما يشترطه له وكيل المرأة.
(٧) ف - قد.
(٨) م ع: لخلعه.
[ ٩ / ٤٢١ ]
غيره (^١) فيضمن، كيف الوجه في الثقة في ذلك حتى لا يضمن؟ قال: يستأذن رب المال أن يعمل فيه برأيه، فإن أذن له في العمل برأيه جاز له أن يصنع ما ذكرت. قلت: فإن قال له: اعمل برأيك، أيجوز للوكيل أن يوكل بالشراء غيره ويدفع المال إليه؟ قال: نعم؛ ذلك جائز له.
قلت: أرأيت الوكيل إذا وكل بالبيع فخاف أن يرد عليه بعيب، كيف يصنع حتى لا يرد عليه البيع بالعيب؟ قال: الوجه في ذلك أن يكون الذي يتولى البيع غيره وهو حاضر، ويضمن الوكيل ما أدرك المشتري من درك. قلت: فإذا ضمن ما أدرك المشتري من درك لم يكن بخصم في عيب؟ قال: لا؛ لأن الدرك هو الاستحقاق. قلت: فإن رد على البائع (^٢) بالعيب أيرجع (^٣) المشتري على الضمين للدرك بالثمن؟ قال: لا، وليس الرد بالعيب من الدرك.
قلت: أرأيت رجلًا مسلمًا أوصى إليه ذمي وقد ترك الميت خمرًا كيف يصنع المسلم بالخمر وهو يخاف عليها الفساد إن لم تبع؟ قال: يوكل الذميَّ المسلمُ يبيعها من أهل الذمة. قلت: فإذا فعل ذلك جاز ذلك (^٤) للوصي؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان الخمر لنصراني فأسلم وهي عنده كيف يصنع؟ قال: يخللها، ولا يسعه أن يبيعها ولا يهبها لأحد. وقد بلغنا عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يهدى لليهودي (^٥) الميتة. وقد بلغنا عن رسول الله - ﷺ - أن عائشة سألته عن أكل شيء فنهاها، فذهبت لتتصدق به فقال: "يا عائشة، لا تطعميهم مما لا تأكلين" (^٦). قلت: فإن أراد الذمي أن
_________________
(١) م ف - غيره؛ والزيادة من ل.
(٢) م ف: على البيع.
(٣) م ف + على.
(٤) ف - ذلك.
(٥) ع ط: المهدي.
(٦) قد أخرجه المؤلف بإسناده في كتاب الصيد والذبائح. انظر: ٣/ ١٩٣ و. والمسئول عن أكله هو الضب. وقد مر تخريجه هناك. وعن عائشة أنها أرادت أن تتصدق بلحم منتن، فقال لها النبي - ﷺ -: "أتتصدقين بما لا تأكلين". رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خالد القسري، وفيه كلام. انظر: المعجم الأوسط للطبراني، ٢/ ٢٣١؛ ومجمع الزوائد، ٣/ ١١٣.
[ ٩ / ٤٢٢ ]
يسلم وعنده خمر كثير فباعه من رجل من أهل الذمة ثم أسلم أيجوز له ما صنع في ذلك؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو كان عصير فخاف أن يصير خمرًا بعد إسلامه فباعها من رجل من أهل الذمة ثم أسلم جاز ذلك؟ قال: نعم؛ ولا بأس له بذلك، إنما فر من الإثم (^١).
…