وإذا اشترى الرجل دارًا بعبد بعينه فهو جائز. فإن مات العبد قبل أن يقبضه انتقض البيع، وتكون للشفيع (^١) فيها الشفعة بقيمة العبد. وكذلك لو عمي العبد أو أصابه عيب ينقصه من ثمنه فإن للبائع أن يبطل البيع، والشفعة على حالها. ولو لم يصب العبد شيء (^٢) من ذلك وكان (^٣) قائمًا بعينه كان للشفيع شفعته قبل قبض البائع العبد أو بعده، وإنما وجبت الشفعة للشفيع حين وقع الشراء بقيمة العبد. فإن أخذ الشفيع الدار من البائع وأعطاه قيمة الدار (^٤) فله ذلك، وتلك القيمة للبائع، والعبد لصاحب العبد على حاله. وإن أخذ الدار من المشتري دفع إليه قيمة العبد، وأيهما أخذ ماله فعهدته عليه. وإن مات العبد أو دخله عيب (^٥) قبل أن يقبضه البائع فتركه بعينه وقد أخذ الشفيع الدار من المشتري بقيمة العبد فإن تلك القيمة للبائع ليس له غيرها؛ مِن قِبَل أن الدار قد خرجت من ملك المشتري ولا يضمن المشتري قيمة الدار، ولأن هذا ليس ببيع منه. ألا ترى أن الشفيع لو قدمه إلى القاضي أخذها بالشفعة. وكذلك إذا دفعها المشتري بغير قضاء قاض (^٦). ولو كان العبد استحق بطلت الشفعة وأخذ البائع الدار من الشفيع؛ لأن أصل البيع كان باطلًا. وليس هذا كالعيب إذا كان المشتري قد دفع الدار إلى
_________________
(١) ز: الشفعة.
(٢) ز: شيئًا.
(٣) ف: أو كان.
(٤) ف ز: العبد.
(٥) ز: مال.
(٦) ز: قاضي.
[ ٩ / ٢٤٤ ]
الشفيع بقضاء قاض (^١). فأما إذا كان دفعها بغير قضاء قاض (^٢) بقيمة العبد وسمى القيمة وقبضها الشفيع فهذا بمنزلة البيع، وهي جائزة للشفيع بالقيمة، وعلى المشتري للبائع قيمة الدار. وأما قيمة العبد الذي أخذه المشتري فهو للمشتري؛ لأن البيع كان فاسدًا لا شفعة فيه. فلما أعطى المشتري الشفيع الدار بغير قضاء قاض (^٣) بقيمة العبد كان هذا بيعًا منه، فليس للبائع على الدار سبيل. وإن كان المشتري باع الدار أو وهبها (^٤) أو تصدق بها وقبضها الموهوبة له أو (^٥) المتصدق بها عليه أو تزوج عليها، ثم استحق العبد، ضمن المشتري قيمة الدار؛ لأنه أحدث فيها ما ذكرت، وليس هذا كالشفعة.
وإذا اشترى الرجل دارًا بعرض بعينه لا يكال ولا يوزن ودفع العرض وقبض الدار فللشفيع فيها شفعة بقيمة العرض. فإن اختلفا في قيمة العرض فالقول في ذلك قول المشتري إلا أن يكون ذلك العرض فيما بينهم قائمًا بعينه فيقوّم. فإن كان مستهلكًا كان القول قول المشتري مع يمينه، ولا يصدق البائع على شيء من ذلك. فإن أقام الشفيع البينة على ما ادعى أجزتُ شهادة شهوده، وأَخَذَها بذلك. فإن أقام المشتري البينة على أكثر مما أقام عليه الشفيع لم يقبل ذلك منه؛ لأن الشفيع هو المدعي في قياس قول أبي حنيقة الذي قاسه أبو يوسف عليه. وفيها قول آخر وهو قول أبي يوسف ومحمد أن البينة بينة المشتري؛ لأنه مدعي الفضل. وإن كان (^٦) اشترى الدار بحنطة بعينها أو بشعير بعينه أو بزيت بعينه أو بسمن بعينه أو بشيء مما يكال أو يوزن فهو جائز، وللشفيع أن يأخذها بمثل ذلك الكيل والوزن، وليس هذا كالعبد والثوب وشبههما مما لا يكال ولا يوزن. ولو هلك ذلك العرض الذي اشترى به الدار قبل أن يقبضه البائع وقبل أن يأخذها الشفيع بالشفعة كانت الشفعة على حالها للشفيع بقيمة ذلك العرض إن كان مما لا يكال ولا يوزن. وكذلك لو دخله عيب. ولو كان اشتراها بكُرّ
_________________
(١) ز: قاضي.
(٢) ز: قاضي.
(٣) ز: قاضي.
(٤) ف: ووهبها.
(٥) ز - أو.
(٦) ف: فإن كان.
[ ٩ / ٢٤٥ ]
حنطة جيدة أو بمائة رطل زيت جيد بغير عينه فأوفاه ذلك، ثم استحق، كان له أن يعطيه مثل ذلك، ويأخذ الدار، ويأخذها الشفيع بالشفعة بمثل ذلك؛ لأن هذا بمنزلة الدراهم لأنه كان بغير عينه.
وإذا اشترى الرجل دارًا بعبد وقبض كل واحد منهما ثم وجد بالعبد عيبًا فرده وأخذ الدار، فإن للشفيع (^١) أن يأخذها بالشفعة بقيمة العبد صحيحًا؛ لأن البيع قد وقع ولزم. ولو استحق العبد بطلت الشفعة والبيع. ولو كان الشفيع سلم الشفعة ثم رد عليه العبد بعيب فقبله بغير قضاء قاض (^٢) أو استقاله البيع فأقاله كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة إن قبض الدار أو لم يقبض؛ لأن هذا بمنزلة البيع المستقبل. ولو رده بعيب بقضاء قاض لم يكن للشفيع أن يأخذها بالشفعة (^٣). وكذلك لو كان العيب في الدار وكان المشتري هو ردها كان هذا والأول سواء.
وإذا اشترى الرجل دارًا بعبد ولم يقبضها حتى تتاركا (^٤) البيع فللشفيع أن يأخذها من البائع بقيمة العبد، وهو بمنزلة البيع المستقبل.
وإذا اشترى الرجل عبدًا بدار وكانت الدار هي الثمن كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة. وكذلك لو زاد معها دراهم، غير أن العبد يقسم قيمته على قيمة الدار والدراهم، فيأخذها الشفيع بما أصابها من ذلك. وإن كانت الدراهم مع العبد أخذها الشفيع بقيمة العبد والدراهم. وكذلك كل عرض يشتري به دارًا أو يشترى بدار.
وإذا اشترى الرجل بناء دار على أن يقلعه فلا شفعة فيه من قبل أنه لم يشتر الأرض معه. ألا ترى أن رجلًا لو اشترى خشبًا أو أبوابًا أو جصًا أو آجرًا لم يكن للشفيع فيه شفعة، فكذلك البناء. وكذلك لو اشترى نصيب
_________________
(١) م: الشفيع.
(٢) ز: قاضي.
(٣) ز - إن قبض الدار أو لم يقبض لأن هذا بمنزلة البيع المستقبل ولو رده بعيب بقضاء قاض لم يكن للشفيع أن يأخذها بالشفعة.
(٤) ز: تتارك.
[ ٩ / ٢٤٦ ]
البائع من البناء وهو النصف لم يكن فيه شفعة، وكان البيع فاسدًا؛ مِن قِبَل أنه يريد أن ينقضه فيضر ذلك بالشريك.
وإذا اشترى الرجل دارًا بنصف خادم أو بنصف سفينة جاز ذلك وللشفيع الشفعة بقيمة ذلك، ولا شفعة للشريك في السفينة ولا في الجارية. وكذلك الحيوان والعروض كلها ما خلا الدور والأرضين. وكذلك قال أبو حنيفة: إنه لا شفعة إلا في دار أو أرض (^١).
وإذا أراد الرجل أن يشتري دارًا بخادم فخاف (^٢) عليها الشفيع وقيمة الخادم ألف درهم فباع الخادم بألفين من رب الدار، ثم اشترى الدار بالألفين، كان ذلك جائزًا، ولا يأخذها الشفيع إلا بالألفين. ولو أنه اشتراها بألف ثم أعطاه بذلك خمسين دينارًا كان مثل ذلك. ولو أعطاه من ذلك (^٣) ألف درهم وأعطاه أثوابًا لا تساوي ألف درهم بألف أخرى كان مثل ذلك، ولا يأخذها الشفيع إلا بالألفين.
ولو كان لرجل دار فأراد أن يتصدق على رجل بقطعة منها صغيرة وبطريقها إلى باب الدار ويقبض ذلك ويحوز القطعة للمتصدق بها عليه، ثم يشتري ما بقي من الدار، لم تكن للشفيع فيها شفعة، فإن ذلك جائز. إنْ يَتصدَّقْ بالقطعة عليه وقبضها بطريقها، ثم اشترى بقية الدار لم يكن للشفيع فيها شفعة؛ لأنه قد صار شريكًا في الدار، والشريك أحق بالشفعة من الجار. ألا ترى أنه لو اجتمع شريك وجار يطلبان الشفعة قضمت بها للشريك. بلغنا نحو من ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس (^٤).
_________________
(١) ز: أو أض.
(٢) م ز: يخاف.
(٣) م + من ذلك.
(٤) لعله يقصد ما رواه في أول كتاب الشفعة بإسناده عن علي وابن عباس - ﵄ - أنهما قالا: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم. انظر: ٦/ ٢٠٣ ظ. لكنه ليس بظاهر في هذا المعنى. وقدر روى المؤلف بإسناده عن شريح ما يفيد ذلك. انظر الموضع السابق. كما روي عن إبراهيم النخعي قال: الشريك أحق بالشفعة، فإن لم يكن له شريك فالجار. انظر: المصنف لابن أبي شيبة، ٤/ ٥١٩.
[ ٩ / ٢٤٧ ]
وإذا اشترى الرجل دارًا بعبد ولها شفيعان فطلباها جميعًا بالشفعة كان لكل واحد منهما أن يأخذ نصفها بنصف قيمة العبد. ولو شهد أحدهما ورجل أجنبي على صاحبه بالتسليم لم تجز شهادتهما؛ لأنهما يجران إلى نفسه (^١). وكذلك شهادة ابن أحدهما وأبيه (^٢) وجده (^٣) أو ابنته (^٤) وزوجته وأجنبي. ولو كان الذي شهد ابناه غائبًا لم يطلب الشفعة لم تجز شهادة ابنيه. ولو شهد ابنا (^٥) أحدهما على تسليم أبيهما الشفعة جازت شهادتهما إذا كان الأب حاضرًا. وكذلك لو شهد أبوه وجده أو أبوه وأجنبي، لأنه يطلب الدار كلها.
وإذا اشترى الرجل دارًا بعبده فاستحق العبد قبل أن يقبض الدار فلا شفعة له فيها. وكذلك لو قبض المشتري الدار وقبض الآخر العبد (^٦) فاستحق العبد وقضى بالدار كلها لصاحبها فلا شفعة له (^٧) في الدار؛ لأن البيع فاسد، وليس هذا كالعيب. ولو اختصموا جميعًا قبل أن يرد الدار أبطلت الشفعة وقضيت بها لرب الدار؛ لأن البيع وقع على الفساد. ولو قضيت بالدار للشفيع فأخذها بالشفعة ثم إن العبد استحق بعد ذلك رددت الدار إلى رب الدار ولم يكن للشفيع فيها حق.
وإذا اشترى الرجل دارًا بثوب أو بعبد أو بدابة أو بدار فقد وجب (^٨) للشفيع أن يأخذها بقيمة ذلك، وله أن يأخذها من يدي أيهما وجدها في يديه (^٩). فإن أخذها من البائع كانت عهدته عليه، ولا سبيل للبائع على العبد. وإن أخذها من المشتري كانت عهدته عليه، لأن الدار لم تجب للشفيع إلا ببيع البائع، فصار أحق بها بالقيمة.
وإذا اشترى الرجل دارًا بعبد ثم وجد العبد حرًا فلا شفعة للشفيع
_________________
(١) ز: إلى أنفسهما.
(٢) ز: وأبوه.
(٣) ف - وجده.
(٤) م ف ز: أو ابنه.
(٥) ز: ابني.
(٦) ز - العبد.
(٧) ز - له.
(٨) ز: وجبت.
(٩) ف: في يده.
[ ٩ / ٢٤٨ ]
فيها؛ لأن البيع فاسد (^١). ولو اشتراها بعبد غيره فأجاز رب العبد الشراء كانت الدار له، وكان فيها الشفعة للشفيع. وكذلك لو اشتراها بحنطة أو بشيء مما يكال أو يوزن أو بشيء من العروض.
وإذا اشترى الرجل دارًا بدار ولكل (^٢) واحد (^٣) منهما شفيع فلكل واحد منهما شفعة، ويأخذ كل واحد منهما الدار بقيمة الدار الأخرى، وتكون عهدته على من أعطاه الدار وأخذ منه المال. وإن كان أحد الرجلين شفيعًا (^٤) أيضًا أخذ الشفيع نصف الدار بنصف القيمة.
وإذا اشترى الرجل بيتًا من دار علوه لآخر (^٥) وسفله لآخر وطريق البيت الذي (^٦) اشترى في دار أخرى فإنما الشفعة للذي في داره الطريق. وصاحب العلو إنما له الشفعة بالجوار، وليس له شفعة بالشركة. فصاحب الدار التي فيها طريق البيت أولى بالشفعة؛ لأنه شريك.
…