وإذا اشترى الرجل دارًا بألف درهم ونقدها وقبض الدار (^٢) ثم جاء الشفيع فقال المشتري: أحدثت فيها هذا البناء، وكذبه الشفيع وقال: كان هذا البناء فيها، فإن القول في ذلك قول المشتري، ويقلع بناءه، ويأخذ الشفيع ما بقي بالشفعة. فإن أقام الشفيع البينة أنه اشترى هذا البناء مع الدار فأقام المشتري البينة أنه أحدث هذا البناء بعد الشراء فإني آخذ ببينة الشفيع؛ لأنه هو المدعي، ولأن المشتري قد أقر بأنه قد اشتراه مع الدار، فإقراره يبطل شهادة شهوده. وكذلك لو اشترى أرضًا بثمن مسمى وقبضها ونقد الثمن فجاء الشفيع فقال المشتري: أحدثت (^٣) هذا النخل فيها والشجر والكرم والزرع، وقال الشفيع: بل اشتريتها وهذا فيها، فالقول في ذلك قول المشتري مع يمينه، وعلى الشفيع البينة، ولا يصدق البائع على شيء من ذلك، ولا يقبل قوله في ذلك. فإن أقام الشفيع والمشتري بينة أخذت (^٤) ببينة الشفيع، وهذا والبناء سواء. وإن أقر المشتري أنه اشتراها قبل ذلك بيوم وقال (^٥): قد (^٦) أحدثت هذا النخل والشجر فيها، لم يصدق على ذلك؛ لأن مثل هذا لا يحدث في يوم. وكذلك (^٧) كل ما أشبه هذا من البناء وغيره. وإن قال المشتري: اشتريتها منذ عشر سنين وأحدثت (^٨) فيها هذا البناء، وقال الشفيع: بل اشتريتها وهذا فيها، فإن القول قول المشتري مع يمينه، وعلى الشفيع البينة.
وإذا اشترى الرجل دارًا ونقد الثمن فجاء الشفيع يطلب الشفعة وقد قبض المشتري الدار فقال المشتري: اشتريت البناء بخمسمائة درهم،
_________________
(١) ز - باب الشفعة في البناء وغيره.
(٢) ز: وقبضها لدار.
(٣) ز: أحدث.
(٤) ز: أخذ.
(٥) ز: قال.
(٦) ز - قد.
(٧) م ز: فكذلك.
(٨) ف: عشرين سنة أو أحدثت؛ ز: وأحدث.
[ ٩ / ٣٠٨ ]
واشتريت الأرض بغير بناء بخمسمائة درهم، ثم اشتريت البناء بعد ذلك، فلا شفعة لك في البناء، وقال الشفيع: بل اشتريتهما جميعًا معًا، فإن القول في ذلك قول الشفيع، ويأخذها جميعًا بألف درهم، ولا يصدق البائع على شيء من ذلك. وهذا استحسان. وأما القياس فإن القول قول المشتري، ولكني استحسنت ذلك. ولو قال المشتري: وهب لي البناء (^١) هبة، ثم باع الأرض بعد ذلك مني بألف درهم، أو قال: باعني الأرض بألف درهم بغير بناء، ثم وهب لي (^٢) البناء بعد ذلك، وقال الشفيع: بل اشتريتهما جميعًا بألف درهم، فمان القول قول المشتري مع يمينه، ويأخذ الشفيع الأرض بغير بناء بألف درهم إن شاء أو يتركء ولا يصدق المشتري على رب الدار البائع. إن قال البائع: لم أهب لك البناء، فإن القول قوله مع يمينه، ويأخذ البناء. ولو قال البائع: قد وهبته لك، كانت الهبة جائزة. وكذلك الأرض والنخل والزرع والشجر. وإن قال المشتري: وهب لي هذا البيت بطريقه إلى باب الدار، وباعني ما بقي من الدار بألف درهم، وقال الشفيع: بل اشتريت الدار كلها بألف درهم، فإن القول قول المشتري مع يمينه، ويأخذ الشفيع الدار كلها غير البيت وطريقه. وإن جحد الواهب هبة البيت فالقول قوله مع يمينه، ويأخذ البيت وطريقه. فإن أقر (^٣) بالهبة كان البيت للموهوب له، ولا يصدقان على الشفيع، ولا يبطل بقولهما؛ لأن الموهوب له يقول: أنا شريك وأنت جار فلا شفعة لك معي، فإنهما لا يصدقان على إبطال الشفعة، ولكنهما يصدقان في الهبة على أنفسهما في البيت وطريقه. ولو قامت البينة على الهبة قبل الشراء كان صاحبهما أولى بالشفعة من الجار. ولو ادعى الشفيع أن المشتري قد هدم طائفة من بناء الدار وكذبه (^٤) المشتري فإن القول قول المشتري مع يمينه. فإن أقاما (^٥) جميعًا البينة أخذت ببينة الشفيع وألقيت عنه من الثمن بحساب ذلك.
_________________
(١) ز: ذلك.
(٢) ز - لي.
(٣) ف - أقر.
(٤) ز: أو كذبه.
(٥) ف: فإن أقا.
[ ٩ / ٣٠٩ ]
وإذا اشترى الرجل أرضًا فيها نخل وشجر وزرع وقبضها ونقد الثمن فجاء الشفيع يطلب بالشفعة (^١) فقال المشتري: اشتريت النخل والزرع والشجر (^٢) بخمسمائة درهم على أن أقلعه، ثم اشتريت الأرض بعد ذلك بخمسمائة درهم (^٣)، وقال الشفيع: بل اشتريتهما جميعًا بألف درهم، فإن القول قول المشتري مع يمينه في القياس. ولكني أدع القياس وأستحسن أن يأخذها الشفيع بألف درهم كلها. ولو قال الشفيع: اشتريت النخل والشجر والزرع بخمسمائة درهم على أن تقلعه، واشتريت الأرض بعد ذلك بخمسمائة درهم، وقال المشتري: اشتريتهما جميعًا بألف درهم، فإن القول قول المشتري مع يمينه، ويأخذها الشفيع بألف درهم أو يدع. ولو كان المشتري هو الذي (^٤) ادعى هذا وكذبه الشفيع فطلب المشتري يمين الشفيع كان له أن يستحلفه على علمه. فإن حلف أخذهما (^٥) جميعًا. وإن نكل عن اليمين أخذ الآخر بخمسمائة درهم.
وإذا اختصم رجلان فأقام أحدهما البينة أنه اشترى هذه الدار من فلان بألف درهم ونقده الثمن، وأقام الآخر البينة أنه اشترى منها هذا البيت بطريقه من فلان بمائة (^٦) درهم ونقده الثمن منذ شهر، فإني أقضي بالبيت لصاحب الشهر، وأجعله أولى، وأقضي له بالشفعة فيما بقي من الدار؛ لأنه وقت، ولم يوقت الآجر. ولو لم يوقت واحد منهما قضيت بالبيت بينهما نصفين، وبقية الدار للذي أقام البينة على الدار كلها، ولا شفعة لواحد منهما قِبَلَ صاحبه.
وإذا كانت داران ملتزقتين فأقام رجل البينة أنه اشترى إحداهما منذ شهر من فلان بألف درهم، وأقام الآخر البينة أنه اشترى الدار الأخرى من فلان بألف درهم منذ شهرين، قضيت للأول (^٧) بالدار (^٨)، وقضيت
_________________
(١) ف: الشفعة.
(٢) ز: والشجر والزرع.
(٣) ف - على أن أقلعه ثم اشتريت الأرض بعد ذلك بخمسمائة درهم.
(٤) م - الذي.
(٥) ز: أخذها.
(٦) ف: بألف.
(٧) ز: بالأول.
(٨) ز: بالداز.
[ ٩ / ٣١٠ ]
له بالشفعة بالدار (^١) الأخرى. ولو لم توقت واحدة منهما قضيت لكل (^٢) واحد منهما بداره (^٣)، ولم أقض له بالشفعة. وكذلك لو كان أحدهما قد قبض ولم يقبض الآخر فإني لا أقضي (^٤) لواحد منهما بالشفعة. ولو وقت أحدهما شهرًا ولم يوقت الآخر شيئًا قضيت لصاحب الشهر بالشفعة. وكذلك لو كان أقام البينة على هبة أو صدقة وعلى القبض منذ شهر وأقام الآخر البينة أنه اشترى الدار الأخرى ولم يوقتوا (^٥) وقتًا فإني أقضي بالشفعة لصاحب الوقت.
وإذا كان الدرب غير نافذ وفيه دور لقوم فباع رجل من أرباب تلك الدور بيتًا شارعًا في السكة العظمى ولا طريق له في الدرب فإن لأصحاب الدرب أن يأخذوا ذلك البيت بالشفعة. فإن سلموا الشفعة فهو جائز. وإن باع المشتري البيت بعد ذلك فلا شفعة لأهل الدرب؛ لأنه لا طريق للبيت في الدرب. ولا شفعة لأهل الدرب؛ لأن الشرك (^٦) قد انقطع. ولصاحب الدار أن يأخذ البيت بالشفعة بالجوار. وكذلك لو باع قطعة من الدار بغير طريق لها فلهم الشفعة. وإن سلموا ثم باع المشتري القطعة فلا شفعة لأهل الدرب، ولصاحب الدار الشفعة بالجوار. وهذا بمنزلة البيت حيث لم يكن له طريق في الدار ولا في الدرب، فقد انقطع شرك ما بينه وبين أهل الدرب.
وإذا كان درب غير نافذ في أقصاه مسجد خطة وباب المسجد في الدرب وظهر المسجد وجانبه الآخر في الطريق الأعظم فباع رجل من أهل الدرب داره فلا شفعة لأهل الدرب فيها إلا للجار الملازق؛ لأن المسجد بمنزلة الطريق الأعظم النافذ. ألا ترى أن المسجد لا يملكه أحد وأنه بمنزلة فناء في موضعه نافذ إلى السكة العظمى. ولو كان حول المسجد دور تحول بينه وبين الطريق الأعظم كان لأهل الدرب شفعة بالشرك؛ لأن المسجد الآن ليس بطريق نافذ. ألا ترى أن المسجد لو لم يكن في موضعه كان فناء غير
_________________
(١) ف: في الدار؛ ز: بالداز.
(٢) م: لكيل.
(٣) ز: بدازه.
(٤) ز: لم أقض.
(٥) م: ولم يوقتول.
(٦) ف: الشريك.
[ ٩ / ٣١١ ]
نافذ. ولو كان موضع المسجد دار (^١) فيها طريق إلى الدرب يخرج من باب آخر فيها إلى الطريق الأعظم، فإن كان طريقًا للناس ليس لأهل الدرب أن يمنعوه فلا شفعة لأهل الدرب إلا بالجوار. وإن كان طريقًا لأهل الدرب خاصة ليس (^٢) للعامة فإن أهل الدرب شفعاء في الشرك بالطريق.
وإذا كان الدرب غير نافذ ليس فيه مسجد، فاشترى أهل الدرب من رجل داره وهو من أهل الدرب، وظهر الدار إلى الطريق الأعظم، فاتخذوها مسجدًا وجعلوا بابه في الدرب، ولم يجعلوا له في الطريق الأعظم بابًا، أو جعلوا له بابًا في الطريق الأعظم ثم باع رجل من أهل الدرب داره، فإن أهل الدرب أولى بها بالشفعة بالشرك (^٣) في الطريق؛ لأنهم كانوا شركاء قبل المسجد، ولا ينقص المسجد شركهم وحقهم. وليس هذا كالمسجد الخطة الذي كان في الأصل، إذا كان بينهم خطة فلم يكن بينهم شرك قط. وإذا كان محدثًا فقد كان شركهم في الدرب تامًا قبل المسجد؛ لأن الطريق قد كان لهم، وهو غير نافذ. وقال أبو حنيفة: لو أن رجلًا اشترى دارًا واتخذها مقبرة أو خانًا ينزلها الناس أو جعلها كلها طريقًا فهذا كله باطل، وهو كله ميراث ما خلا المسجد.
وإذا اشترى الرجل دارًا وهو شفيعها ولها شفيع غائب ثم إن هذا المشتري تصدق ببيت منها وطريقه على رجل وقبضه، ثم باعه ما بقي منها، ثم قدم الشفيع الأول فطلب الشفعة الأولى، فإنه ينقض الصدقة وينقض البيع الآخر، ويأخذ نصف الدار جميعًا بالبيع الأول، ويكون النصف الباقي للمشتري (^٤) الأول. ولا تجوز الصدقة؛ لأن الشفيع قد استحق نصف الدار
_________________
(١) ز: دارا.
(٢) ز - يخرج من باب آخر فيها إلى الطريق الأعظم فإن كان طريقا للناس ليس لأهل الدرب أن يمنعوه فلا شفعة لأهل الدرب إلا بالجوار وإن كان طريقا لأهل الدرب خاصة ليس.
(٣) ف - بالشرك، صح هـ.
(٤) م: المشتري.
[ ٩ / ٣١٢ ]
ونصف البيت بالشفعة، فلا يجوز البيع الثاني، لأن الشفيع الأول قد استحق نصف الدار. ولو أن دارًا بين رجلين باع أحدهما موضعا فيها (^١) محوزًا لم يجز ذلك، فكذلك هذه المسألة. فإن باع ما بقي من الدار كلها جاز جميع نصيبه إن كان باع ذلك من المشتري الأول. وإن كان من غيره فبيع الأول والثانى (^٢) باطل. ألا ترى أنه لو باع جذعًا في حائط على أن يقلعه ويسلمه له أن البيع باطل. فإن سلمه هو للمشتري جاز البيع، وإلا فهو باطل. وإذا كان لرجل إلى جنبها دار فتصدق أحدهما بالحائط الذي يلي دار جاره على رجل وقبضه ثم اشترى منه ما بقي من الدار فليس للجار (^٣) شفعة؛ لأن صاحب الحائط أقرب جوارًا (^٤) منه. ولو اشترى رجل حائطًا بأرضه كانت فيه شفعة لجاره. (^٥) وكذلك رجل اشترى نخله بأصلها فإن فيها الشفعة.
[قلت:] وإذا كان منزل لرجل في دار إلى جنبه في تلك الدار منزل آخر (^٦) لرجل آخر، وحائط بين المنزلين بين الرجلين نصفين، وفي الدار منازل سوى هذين المنزلين، وللمنازل كلها طريق في الدار إلى باب الدار (^٧) الأعظم، والدار في درب غير نافذ، وفي الدرب دور أخرى (^٨) غير هذه الدار، فباع رب أحد المنزلين منزله، أيهم أحق بالشفعة؟ قال: الشريك في الحائط أحق بالشفعة في جميع المنزل؛ لأنه أقرب شركة. فإن سلم الشفعة فالشركاء في الطريق الذي في الدار أحق بالشفعة (^٩). فإن سلم الشركاء في الطريق الذي في الدار الشفعة فالشركاء في الطريق الذي في الدرب أحق بالشفعة. فإن سلم الشركاء في الدرب فالجيران الملازقون (^١٠) للدار التي (^١١)
_________________
(١) ف: منها.
(٢) ف: فبيع الثاني والأول.
(٣) ز: للجاز.
(٤) ز: جوازا.
(٥) ز: لجازه.
(٦) ف - آخر.
(٧) م ف ز: دار.
(٨) ز: أخر.
(٩) ف هـ + في جميع المنزل لأنه أقرب شركة؛ ف + فإن سلم الشفعة فالشركاء في الطريق الذي في الدار أحق بالشفعة.
(١٠) ف: الملاصقين؛ ز: الملازقين.
(١١) ز: الذي.
[ ٩ / ٣١٣ ]
هذا المنزل فيها أحق بالشفعة، وهم (^١) شركاء فيه، الملازق للمنزل (^٢) منهم والملازق لأقصى الدار سواء، إذا كانوا ملازقين (^٣) للدار التي فيها هذا المنزل فهم شركاء في الشفعة ولو كان بعضهم أقرب إلى المنزل من بعض.
وقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة في سكة ليس لها منفذ، باع رجل منهم دارًا منها، قال: هي بينهم بالشفعة، هم فيها سواء. وإن كان زقاق فيه عَطْف (^٤) مُدَوَّر فكذلك أيضًا هو بينهم جميعًا بالشفعة. وإن كان العِطْف مُرَبَّعًا فباع رجل منهم داره كان لأصحاب العِطْف دون أصحاب السكة. وإن بيع في السكة دار (^٥) كانوا هم فيه شركاء.
[قلت:] رجل ذكر أنه باع داره من فلان بألف درهم ولم يأخذ الثمن، فقال فلان: ما اشتريتها منك بشيء، هل للشفيع أن يأخذها بالشفعة؟ قال: نعم، للشفيع أن يأخذها بالشفعة من البائع، ويدفع إليه الثمن، ويكتب عليه العهدة. [قلت:] أرأيت إن قال البائع: قد بعتها منه وقد قبضت الثمن فجحد المشتري الشراء، أو قال البائع: بعتها منه (^٦) وقبضها ثم أودعنيها، وجحد المشتري ذلك، ما القضاء (^٧) فيه؟ قال: للشفيع أن يأخذها بالشفعة من البائع وينقده الثمن. [قلت:] أرأيت إن قال البائع: بعتها من رجل غائب بألف درهم، ما عليه وما القول فيه؟ قال: لا خصومة بين الشفيع وبين البائع حتى يحضر المشتري.
[قلت:] رجل ادعى أنه باع من هذه الأرض خمسين جريبًا من رجل فلم يدع الشفيع شفعة (^٨)، ثم خاصم إلى القاضي فأبطل شفعته، فاختلف المشتري والبائع فيها، فقال البائع: بعتك خمسين
_________________
(١) ز: وهو.
(٢) م ف: المنزل.
(٣) ف: ملاصقين.
(٤) زقاق فيه عطف أي: اعوجاج، وقد روي بالفتح والكسر تسمية بالمصدر أو فَعْلًا بمعنى مفعول. انظر: المغرب، "عطف".
(٥) ف - دار؛ ز:، وإن.
(٦) ز - منه.
(٧) م ز: للقضا.
(٨) ف - فلم يدع الشفيع شفعة.
[ ٩ / ٣١٤ ]
جريبًا، وقال المشتري: بعتني ستين جريبًا، فاختصما إلى القاضي، فقضى للمشتري أو للبائع ببينتهما أو ببينة أحدهما، ثم ادعى الشفيع الذي أبطل القاضي شفعته، هل له شفعة وقد وقعت القصة على ما كان بلغ الشفيع أو غير ذلك بزيادة أو بنقصان؟ قال: إن وقعت القصة على ما بلغ الشفيع أو لا فلا شفعة له. وإن كانت القصة وقعت على أكثر كان الشفيع على شفعته، وكان له أن يأخذها بالشفعة في قول أبي يوسف ومحمد.
وقال في أرض اشتراها قوم فاقتسموها وتركوا من أرضهم سكة ممشى لهم، وتركوا سكة غير نافذة ممدودة، فبيعت دار في أقصى السكة، هل لأعلاها دارًا (^١) أن يأخذها بالشفعة؟ قال: إذا كانت السكة رفعوها (^٢) جميعًا بينهم فلأقصاهم دارًا (^٣) ولأدناهم دارًا (^٤) في الدار التي بيعت الشفعة بالسوية، ليس أحدهم أحق بها من أحد. قلت: أرأيت إن كانت (^٥) دار إلى جنبها فادعى صاحبها الشفيع مع صاحب العليا أيهما أحق بها، أو هما جميعًا سواء، ومن أين جعلت للعليا شفعة مِن قِبَل أن مدخلهم من السكة واحد أو غيره، بَيِّنْ لنا الحجة فيها؟ فقال: صاحب الدار الملازق والذي في أعلى السكة (^٦) إن كانوا جميعًا رفعوا السكة بينهم فالشفعة بينهم سواءثمِن قِبَل أنهم شركاء في الطريق في أقصاه وأدناه. فهو وإن بعدت داره شريك بمنزلة الملازق (^٧). والشريك أحق بالشفعة من الجار. [قلت:] أرأيت إن كان (^٨) هؤلاء ورثوا الدور عن أبيهم لا يعلمون كيف كان أصلها فكانت هذه حالهم أهو سواء؟ قال: نعم، وهو والأول سواء؛ لأنهم شركاء في الفناء وفي الشفعة وفي الطريق الذي غير نافذ.
قلت: أرأيت إن كانت الدار فيها حُجَر (^٩)، وحجرة منها بين رجلين،
_________________
(١) ز: دار.
(٢) ز: ذفعوها.
(٣) ز: دار.
(٤) ز: دار.
(٥) ز: إن كان.
(٦) ف - بين لنا الحجة فيها فقال صاحب الدار الملازق والذي في أعلى السكة.
(٧) ف: الملاصق.
(٨) م ز: إن كانوا.
(٩) ز: حجرة.
[ ٩ / ٣١٥ ]
باع أحدهما نصيبه، فادعى شريكه الشفعة أو بعض أهل الدار، مَن أحق بها ونصيب الذي باع بَيِّن من نصيب صاحبه والحجرة بينهما غير مقسومة؟ فإن كان شريكه أحق فلم هذا ومدخلهم من باب الدار واحد؟ ولم لا يكونون شركاء كلهم وممشاهم واحد؟ ولم يكون (^١) صاحبه في حجرته أولى؟ فبَيِّنْ لنا الأمر فيه؟ قال: إذا كان حقهما في الحجرة متباينًا (^٢) ليسوا بشركاء في شيء من الحجرة في (^٣) طريق ولا غيره. إنما شركة ما بينهما مع عامة أهل الدار في طريق أهل الدار. فجميع أهل الدار شفعاء فيما باع هذا. وإذا كانت الحجرة غير مقسومة فباع أحدهما نصيبه منها خاصة فشريكه أحق بالشفعة من بقية أهل الدار؛ لأنا نزعم أن أقرب الشركاء شِرْكًا أحق بالشفعة. الشريك في الحجرة أحق من الشريك في الطريق في الدار. والشريك بالطريق في الدار أحق من الشريك بالطريق في الفناء. والشريك بالطريق في الفناء (^٤) أحق من الجار الذي لا طريق له في الفناء.
قلت: أرأيت رجلًا اشترى دارًا من رجلين غير مقسومة فادعى الشفيع نصيب أحدهما هل له ذلك؟ قال: لا، ليس له ذلك، إنما له أن يأخذ جميعها أو يترك، ليس له أن يأخذ بعضه دون بعض. [قلت:] أرأيت إن لم يكن له ذلك هل تبطل شفعته إن كانمت مقسومة؟ قال: لا يُبطل شفعته ما صنع، له أن يأخذ بالشفعة. وإن كانت الدار مقسومة لم يكن له أن يأخذ نصيب أحدهما ويدع نصيب الآخر إذا كان البيع صفقة.
[قلت:] أرأيت لو اشترى رجلان من رجل دارًا فأراد أن يأخذ نصيب أحدهما هل له ذلك، فإن لم يكن له ذلك هل تبطل شفعته حين ادعى نصيب أحدهما دون الآخر؟ قال: له أن يأخذ نصيب أحدهما ويسلم نصيب الآخر، ولا يبطل ذلك شفعته في النصيب الذي أراد أخذه.
قلت: أرأيت رجلًا باع دارًا فرضي الشفيع ثم جاء يدعي أنه لم يعلم
_________________
(١) م: ولم يكن.
(٢) ز: متباين.
(٣) ف - الحجرة في، صح هـ.
(٤) ف - في الدار أحق من الشريك بالطريق في الفناء والشريك بالطريق في الفناء.
[ ٩ / ٣١٦ ]
أن حدها إلى موضع كذا وكذا فظن أنها أقرب أو أبعد ويدعي شفعته حين علم؟ قال: لا شفعة له علم أو لم يعلم، ولا ألتفت إلى قوله هذا.
[قلت:] رجل أقام البينة أنه اشترى من رجل كل حق هو له في هذه الدار، ولا يدري أعلما جميعًا ما في الدار للبائع أو علم المشتري ولم يعلم الآخر؟ قال: إذا علم المشتري كم هو فالبيع جائز وإن لم يعرفه البائع (^١)، بعد أن يقر البائع أنه كما قال المشتري. فإن لم يعرفه المشتري فإن البيع فاسد في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: البيع جائز، والمشتري بالخيار إذا علم، وللشفيع الشفعة.
وإذا اشترى الرجل من الرجل دارًا قد رآها المشتري قبل المثراء فلا خيار له فيها. فإن كان له فيها شفيع ولم يرها فأخذها من البائع قبل أن يقبضها المشتري فقد انتقض البيع فيما بين المشتري والبائع، وصار البيع للشفيع، فيأخذها الشفيع من البائع، وتكون العهدة على البائع، والشفيع بالخيار إذا رآها، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها. وكذلك لو كان المشتري قبضها أخذها منه الشفيع بالشفعة، وكانتا عهدة الشفيع على المشتري، وكان للشفيع الخيار إذا رآها، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها.
ولو أن رجلًا اشترى من رجل دارًا على أن برئ (^٢) البائع إلى المشتري من كل عيب في عقدة البيع فالشراء جائز. فإن أخذها الشفيع من البائع أو من المشتري كانت عهدته على الذي يأخذها منه. فإن وجد بها عيبًا ردها على الذي أخذها منه، ولا يبطل ذلك إبراء المشتري البائع من العيوب، وكذلك لو كان المشتري رأى بالدار عيبًا قبل أن يشتريها ثم اشتراها وهو يعلم بذلك، فأخذها الشفيع من المشتري أو من البائع بالشفعة فرأى بها بعض تلك العيوب، فله أن يردها بتلك العيوب إن شاء، ولا يبطل حقه رؤية المشتري تلك العيوب (^٣).
_________________
(١) ز: فالبائع.
(٢) . ز: أن يبرئ.
(٣) ف - إن شاء ولا يبطل حقه رؤية المشتري تلك العيوب.
[ ٩ / ٣١٧ ]
ولو أن رجلًا اشترى من رجل دارًا فقبضها أو لم يقبضها حتى حضر الشفيع فأخذها بالشفعة من البائع أو من المشتري (^١) فعهدته على الذي يأخذها منه. فإن بنى فيها بناء ثم استحقت من يده أخذها المستحق ورجع الشفيع بالثمن على الذي (^٢) كانت عهدته عليه، ولا يرجع بقيمة بنائه على البائع ولا على المشتري؛ لأنهما لم يغراه من شيء ولم يدخلاه فيها بغرور، ولكنه يهدم بناءه فينقله حيث أحب. ولو أن رجلًا له جارية أسرها العدو فأخذها المسلمون فوقعت في سهم رجل منهم فأخذها مولاها الأول بالقيمة فوطئها فولدت منه أولادًا، ثم أقام رجل البينة أنها جاريته دبرها قبل أن يأسرها العدو، ردت (^٣) عليه وضمن الذي وطئها للمستحق عقرها وقيمة أولادها، ورجع على الذي وقعت في سهمه بالقيمة التي أعطاها، ولم يرجع عليه بعقرها ولا بقيمة ولدها مِن قِبَل أنه لم يغره، ويعوض الذي وقعت في سهمه قيمتها من بيت المال. ولو أقام رجل البينة أنها كانت جاريته قبل أن يأسرها العدو وقد ولدت من الذي أخذها بالقيمة ولم يقم (^٤) بينة على تدبير لم يكن عليها سبيل؛ مِن قِبَل أن أسر العدو أخرجها من ملكه وقد ولدت من هذا الذي أخذها بالقيمة.
وقال محمد بن الحسن: لا شفعة في دار ولا عقار يخلع عليه امرأته، أو ينكح عليه امرأة، أو يصالح من دم عمد عليه، أو يستأجر به شيئًا فيكون العقار أجر (^٥) ذلك الشيء، فلا شفعة في شيء من هذا. وهذا قولهم جميعًا (^٦).
_________________
(١) ز: من المشتري أو من البائع.
(٢) ز - يأخذها منه فإن بنى فيها بناء ثم استحقت من يده أخذها المستحق ورجع الشفيع بالثمن على الذي.
(٣) م ز: وردت.
(٤) ز: تقم.
(٥) م ز: اخر.
(٦) م + آخر كتاب الشفعة عن محمد بن الحسن والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين؛ ف + آخر كتاب الشفعة عن محمد بن الحسن والحمد لله رب العالمين.
[ ٩ / ٣١٨ ]
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ