وقال أبو حنيفة: إذا كان لرجل على رجل دين فضمنه له رجل أو كفل له به فللطالب أن يأخذ أيهما شاء بجميع المال. وقد قال بعض الفقهاء: الكفالة والضمان بمنزلة الحوالة، ليس للطالب على صاحب الأصل سبيل بعد رضى الطالب (^١) بضمان الضمين وكفالة الكفيل، إلا أن يكون الطالب (^٢) اشترط في أصل الكفالة والضمان أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه. فإن اشترط ذلك فله شرطه وهو جائز في قول كل واحد.
قلت: أرأيت رجلًا له على رجل دين (^٣) فصالحه من الدين وهو حال (^٤) على أن ينجّمه عليه (^٥) نجومًا وأخذ منه بالمال كفيلًا على أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه على أنهما إن أخرا نجمًا عن محله فالمال حالّ، أيجوز ذلك عليهم؟ قال: نعم. قلت أرأيت إن كان الطالب إنما أخذ من المطلوب كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به عند كل نجم فالكفيل ضامن لجميع المال على النجوم التي سميا؟ قال: ذلك جائز في قولنا. وبعض الفقهاء يبطل ذلك. قلت: فكيف وجه الثقة في ذلك حتى يجوز في قول كل أحد؟ قال: يضمن الكفيل المال على أنه بريء من كل نجم بدفع المطلوب عند محله إلى الطالب، فيجوز ذلك في قول كل أحد.
قلت: أرأيت رجلًا يصالح غريمًا له على أن يؤخره بما عليه، على أن يضمن له رجل آخر المال إلى ذلك الأجل، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما والمال حال، أيجوز ذلك؟ قال: نعم، ولست آمن أن يبطل ذلك بعض الفقهاء. قلت: فكيف الثقة في ذلك حتى يجوز في قول كل أحد؟ قال: يكون الكفيل حاضرًا فيضمن ويؤخر (^٦) الطالب فيجوز ذلك. قلت: فإن لم
_________________
(١) م: للطالب.
(٢) م ع: للطالب.
(٣) م ف: دينارًا.
(٤) م ف: حلاله.
(٥) ف - عليه.
(٦) م ف: ولا يؤخر؛ والتصحيح من ل.
[ ٩ / ٤٣٣ ]
يكن الكفيل حاضرًا فكيف وجه الثقة في ذلك؟ قال: وجه الثقة أن يصالحه على ما ذكرت على إن ضمن فلان هذا المال ما بينه وبين كذا من شهر كذا، وإلاّ فلا صلح بينهما. قلت (^١): فلما فعل ذلك أيجوز؟ قال: نعم. قلت: أرأيت الكفيل إذا أراد أن يكفل بنفس المطلوب على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فالمال عليه فأراد أن يتوثق من المطلوب برهن يأخذه منه أيجوز الرهن في ذلك؟ قال: لا. قلت: فكيف وجه الثقة في ذلك؟ قال: ليس في ذلك وجه ثقة إلا أن يبدأ الكفيل بضمان المال فيقول: أنا ضامن لما على فلان، فإن وافيتك به إلى كذا وكذا من الأجل فأنا بريء. قلت: فإذا فعل ذلك وارتهن بما ضمن رهنًا جاز ذلك؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت رجلًا ضمن لرجل ما أدركه من درك في دار اشتراها من رجل فأراد الضمين أن يأخذ من البائع رهنًا بالذي ضمن أيجوز ذلك؟ قال: لا. قلت: أفيجوز أن يأخذ منه بذلك (^٢) كفيلًا؟ قال: نعم. قلت: فإن أراد الكفيل الذي ضمن عن البائع الدرك أن يستوثق من البائع برهن يأخذه يكون عنده كيف وجه الثقة في ذلك؟ قال: يقر البائع أنه باع الدار وليست له أو لإنسان فيها حق وأنه أمر هذا الضمين أن يضمن عنه ما أدرك المشتري من درك فقضي عليه برد الثمن في الدار وأنه قد رهن الضمين بضمانه الرهن وقد دفعه إلى الضمين وقبضه منه. قلت: ويجوز ذلك؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت رجلًا كفل بنفس رجل وأخذ الكفيل من المطلوب بما كفل عنه رهنًا أيجوز ذلك؟ قال: لا، ولا يكون هذا رهنًا. قلت: فكيف وجه الثقة للكفيل من المطلوب؟ قال: يأخذ منه كفيلًا بنفسه، فمتى أخذ الكفيل الأول بنفس المطلوب أخذ الكفيل الأول الكفيل الثاني حتى يدفع إليه صاحبه.
قلت: أرأيت رجلًا حلف لا يكفل عن فلان بشيء أبدًا فكفل بنفسه؟ قال: لا يحنث. قلت: أرأيت إن لم يكفل بنفسه ولكن الحالف اشترى له
_________________
(١) م ف - قلت؛ والزيادة من ل.
(٢) ف - بذلك.
[ ٩ / ٤٣٤ ]
متاعًا بأمره ولم يكن الآمر أعطاه الثمن أيكون (^١) حانثًا لأنه مأخوذ عنه بثمن ما اشترى؟ قال: لا.
قلت: أرأيت رجلًا أخذ من رجل كفيلًا بنفسه وعليه دين على أن الكفيل إن لم يواف بالمطلوب يوم كذا فالكفيل ضامن لنفس فلان غريم آخر للطالب أيجوز ذلك؟ قال: نعم، ذلك عندنا جائز. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقول محمد: لا يجوز. ولست آمن أن يبطل ذلك بعض الفقهاء. قلت: فكيف وجه الثقة للطالب حتى يجوز ذلك في قولكم وقول غيركم؟ قال: يأخذ الطالب (^٢) الكفيل كفيلًا بنفس فلان وفلان على أنه إن وافاه بنفس فلان لأحدهما ما بينه وبين يوم كذا فهو بريء من كفالة فلان للآخر. قلت: ويجوز هذا؟ قال: نعم. قلت: في قولكم وقول غيركم؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت إن كان الطالب أخذ من المطلوب كفيلًا بنفس المطلوب، على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فما على المطلوب هو على كفيله، فلم يواف به الكفيل، أيضمن المال والنفس؟ قال: نعم؛ ولست آمن أن بعض الفقهاء يبرئه من النفس ويجعل عليه المال. قلت: فكيف وجه الثقة في ذلك؟ قال (^٣): أن يضمنه المال والنفس على أنه إن وافاه بنفسه ما بينه وبين كذا من الأجل فهو بريء من النفس والمال، وإن لم يوافه به إلى ذلك الأجل فالنفس والمال عليه جميعًا، فيكون قد استوثق.
قلت: أرأيت إن كان المطلوب ينكر ما عليه فأخذ منه الطالب كفيلًا بنفسه ووكيلًا (^٤) في خصومته إن غاب كان ذلك جائزًا؟ (^٥) [قال: نعم]. قلت: أرأيت إن كان أخذ منه كفيلًا بنفسه وكيلًا (^٦) في جميع ما بينهما من
_________________
(١) ف: أيجوز أن يكون.
(٢) م ف: للطالب.
(٣) م ف - قال؛ والزيادة من ل.
(٤) م: وكفيلا، وفي هامشه: في نسخة ووكيلًا.
(٥) م ف - إن غاب كان ذلك جائزًا؛ والزيادة من ل ونسخة ملا جلبي.
(٦) م ف - قلت أرأيت إن كان أخذ منه كفيلًا بنفسه وكيلًا؛ والزيادة من ل ونسخة ملا جلبي.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
الخصومة على أنه إن غاب المطلوب فالكفيل ضامن لجميع ما كان عليه أيجوز ذلك؟ قال: نعم؛ وغير هذا أوثق للطالب من هذا وأحرى أن لا يرده أحد من القضاة. قلت: وما هو، وما وجه الثقة في ذلك؟ قال: يأخذ منه الطالب كفيلًا بنفسه ضامنًا لما وجب عليه من حق الطالب على أنه إن وافاه إلى كذا (^١) وكذا من الأجل فهو بريء من ذلك كله، وإن لم يوافه به فذلك كله عليه، وعلى أن الكفيل إن لم يواف به إلى ما سمينا من الأجل فهو وكيل المطلوب في جميع ما يطالبه به الطالب، ويقر بذلك كله الكفيل بالمال. قلت: فإذا فعل ما وصفت فقد استوثق الطالب في قول كل أحد؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان المطلوب ينكر المال (^٢)، فأخذ الطالب من المطلوب كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به في مكان كذا وكذا فعلى الكفيل ألف درهم، والمدعي يدعي أكثر من ذلك؟ قال: هذا جائز في قول أبي حنيفة، ولا يجوز في قول أبي يوسف. قلت: فكيف الثقة في ذلك حتى يجوز في قول أبي حنيفة وغيره؟ قال: ليس الثقة في هذا إلا أن يقر الكفيل أن دعوى الطالب حق، ثم يضمن له النفس والمال على أنه إن وافاه بنفسه إلى كذا وكذا من الأجل فهو بريء من ذلك (^٣) كله. قلت: فإن كان المطلوب يجحد والكفيل مقر بما وصفت لك جاز ذلك على الكفيل؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت رجلًا ادعى رقبة عبد لرجل فأخذ الطالب من المولى كفيلًا بنفسه وبنفس العبد أيكون ذلك للطالب؟ قال: نعم إن ثبت له حق وبعده (^٤). قلت: أفله أن يأخذ منه وكيلًا بالخصومة؟ قال: نعم. قلت: وله مع هذا أن يأخذ (^٥) كفيلًا بنفسه ونفس العبد ووكيلًا في خصومته إن غاب ضامنًا لما وجب عليه؟ قال: ليس له أن يأخذ ضمينًا لما وجب عليه، وله أن يأخذ سائر ذلك فيما وصفت.
_________________
(١) م ف: على كذا.
(٢) م ف: لما.
(٣) ف: في ذلك.
(٤) كذا في الأصول، ولعل الصواب: وجحده.
(٥) ف - وكيلًا بالخصومة قال نعم قلت وله مع هذا أن يأخذ.
[ ٩ / ٤٣٦ ]
قلت: أرأيت إن أخذه كفيل بنفس المولى وبنفس العبد وكيلًا في خصومته عن المولى إن غاب، ولم يأخذه ضمينًا لما ذاب عليه، فغاب المولى، فجعل القاضي وكيلًا، فقامت البينة للطالب أن العبد عبده، وقد مات العبد، فقضى القاضي على المطلوب الغائب بالقيمة، أيكون الكفيل بنفسى هذا العبد ضامنًا لهذه لقيمة التي قضى (^١) القاضي بها؟ قال: نعم؛ هو في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ضامن لقيمة العبد. قلت: ولم وإنما كفل بالنفس وقد مات العبد، فلو كان كفل بنفس حر ثم مات برئ، فلم لا تكون كفالته بنفس العبد بمنزلة كفالته بنفس الحر؟ قال: لأن العبد مال ادعاه الطالب فضمنه الكفيل، فلما قامت البينة وقد مات العبد على أنه عبد للطالب علمنا أن الكفيل قد ضمن مالًا للطالب، ولا بد من أن يؤديه إليه أو يؤدي قيمته. قلت: فهل يجعل غيركم الكفيل بريئًا إذا مات العبد؟ قال: لست آمن أن يكون بعض الفقهاء يشبه كفالة الكفيل بنفس الحر والعبد، ويجعل الكفيل في ذلك بريئًا بموتهما. قلت: فكيف الحيلة والثقة للطالب حتى يكون الكفيل ضامنًا لقيمة العبد إن هو مات إذا قامت بينته وقضي له؟ قال: ليست الثقة في هذا إلا ما وصفت لك: أن الطالب يأخذ كفيلًا بنفس المطلوب وبنفس العبد، ويكون وكيلًا للمطلوب في الخصومة، ويكون ضامنًا لما قضي به على المطلوب. قلت: فإذا أخذ كفيلًا ووكيلًا ضمينًا لما ذكرت فقد استوثق الطالب؟ قال: نعم.
قلت: أرأيت رجلًا كفل بنفس رجل اليوم إلى الليل أو قال (^٢): إلى رأس الشهر، فمضى هذا الأجل، أيبرأ الكفيل؟ قال: لا؛ ليس. ولست آمن غيرنا أن يبرئه. قلت: فكيف وجه الثقة للكفيل حتى يبرأ إذا جاء الأجل؟ قال: يبين فيقول: أنا كفيل لك بنفس فلان إلى كذا كذا من الأجل، ثم لا كفاله لك به علي، وأنا بريء. قلت: أرأيت الكفيل إذا دفع المكفول به إلى الطالب في موطنين مختلفين، فأنكر أن يكون دفع إليه، فأقام المطلوب البينة شاهدين، فشهد أحدهما أن الكفيل دفعه إليه في يوم
_________________
(١) ع: قضاها.
(٢) ف ع: وقال.
[ ٩ / ٤٣٧ ]
كذا في مكان كذا، وشهد الآخر أنه دفعه في موطن (^١) آخر في يوم آخر؟ قال: أما أبو حنيفة وأصحابه لا يجيزون هذه الشهادة، وغيرهم يجيزها. قلت: أرأيت إن سكت الشاهدان عن تسمية الموطنين واليومين اللذين دفع الكفيل فيهما (^٢) المطلوب إلى الطالب أيجوز ذلك؟ قال: نعم؛ إذا سكتا عن تسمية الموطنين واليومين جاز ذلك وبرئ الكفيل.
…