وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا له، فزرعها سنته ببذره وبقره ونفسه، على أن ما أخرج الله تعالى منها من شيء أخذ صاحب البذر بذره، فكان له، وكان ما بقي بينهما نصفان، فهذه مزارعة فاسدة. فإن عمل على هذا فأخرجت الأرض زرعًا كثيرًا فهو كله لصاحب البذر، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه، ويأخذ صاحب الزرع بذره ونفقته وما خرج من أجر الأرض، ويتصدق بالفضل. ولو كان البذر من قبل صاحب الأرض، فدفع صاحب الأرض أرضه وبذره إلى رجل، على أن يزرع ذلك بنفسه وبقره، فما أخرج الله تعالى في ذلك من شيء استوفى صاحب الأرض بذره، وكان ما بقي بينهما نصفين، فإن هذا فاسد أيضًا، وما أخرجت الأرض من قليل أو كثير فهو كله لصاحب الأرض والبذر طيب لا يتصدق بشيء منه، وعلى صاحب الأرض أجر مثل الرجل في عمله وعمل بقره؛ لأن المزارع إذا اشترط شيئًا من الطعام معلومًا كان ذلك فاسدًا؛ لأنه لا يدري أتخرج
_________________
(١) ز: يعمله.
(٢) ز: على حصته.
[ ٩ / ٥٤٦ ]
الأرض ذلك أم لا. وكذلك رب الأرض.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا له، على أن يزرعها سنته هذه ببذره (^١) وبقره ونفسه، فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فعشره (^٢) لصاحب البذر، وما بقي فهو بينهما نصفان، فهذا جائز (^٣)، وما أخرجت الأرض من شيء أخذ صاحب البذر عشره، وكان ما بقي بينهما نصفان. ولا يشبه هذا الوجه الأول، الأول اشترط شيئًا بعينه، وهذا اشترط عشرًا في جميعه، فما أخرجت الأرض من قليل أو كثير فإنما له عشره. وكذلك لو كان البذر من قبل صاحب الأرض، فاشترط عشر ما أخرجت الأرض، وما بقي فهو بينهما نصفان، كان هذا جائزًا، وهذا والأول سواء.
وإذا أراد صاحب البذر أن يتفضّل على شريكه بقدر بذره، فلينظر مقدار البذر مما تخرج الأرض، فيشترط فضلًا على صاحبه من جميع (^٤) ما تخرج الأرض، فيشترط عشر ما تخرج الأرض، أو ربع ما تخرج الأرض فضلًا على صاحبه، ولا يشترط طعامًا معلومًا كُرَّا من طعام أو نصف كر، فإن هذا لا يجوز. ولو كان [الذي] اشترط (^٥) عشر ما تخرج الأرض على صاحبه ليس بصاحب (^٦) البذر كان هذا جائزًا، فلا يضرك أيهما اشترط: صاحب الأرض أو صاحب العمل، كان البذر من قبله أو لم يكن.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا له، يزرعها سنته هذه ببذره وبقره ونفسه، على أن ما أخرجت الأرض (^٧) أُخرج (^٨) من ذلك خراج الأرض، وكان ما بقي بينهما نصفين، كان هذا فاسدًا أيضًا؛ لأن خراج الأرض دراهم مسماة أو حنطة مسماة، ولا يدري أتخرج الأرض ذلك أم لا، فهذا فاسد. وما أخرجت الأرض من شيء فهو لصاحب البذر، ولصاحب الأرض مثل أجر أرضه على صاحب البذر، يأخذ صاحب الزرع من الزرع مثل بذره
_________________
(١) م: ببذه؛ ز: بيده.
(٢) م: بعشره.
(٣) ز: جائزًا.
(٤) ز: في جميع.
(٥) م ف ز + على.
(٦) م ف ز: لصاحب.
(٧) م + من.
(٨) ز - أخرج.
[ ٩ / ٥٤٧ ]
الذي بذره ونفقته والأجر الذي غرم، ويتصدق بالفضل، ويكون (^١) الخراج على صاحب الأرض.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا له من أرض العشر، يزرعها سنته هذه ببذره وبقره ونفسه، على أن ما أخرجت الأرض من شيء دفع من ذلك العشر حظ السلطان إن كانت تشرب سَيْحًا (^٢)، أو نصف العشر إن كانت تشرب بدَلْو، وما بقي بينهما نصفان، فهذه مزارعة جائزة. فإن عمل على هذا فأخرجت الأرض طعامًا كثيرًا أخذ السلطان من ذلك حقه، وكان (^٣) ما (^٤) بقي بينهما (^٥) نصفين. ولا يشبه هذا الوجه الأول؛ لأن هذا اشترط شيئًا في جميع ما تخرج الأرض، لم يشترط أَكْرَارًا (^٦) معلومة ولا دراهم (^٧) معلومة. فإن لم يأخذ السلطان منهم شيئًا أو أخذوا بعض طعامهم سرًا من السلطان فإن العشر من ذلك الذي شرط للسلطان يكون لصاحب الأرض؛ لأن العشر عليه في قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المزارعة. وأما في قياس قول من يزعم أن العشر فيما أخرجت الأرض ليس على صاحب الأرض إذا أجرها شيء (^٨) من العشر، وهو قول محمد. فإنه يجعل ما ترك السلطان لهم من ذلك وما أخذوه من طعامهم سرًا (^٩) بينهما نصفين.
وكذلك لو كان البذر من قبل رب الأرض، فدفعها مزارعة على أن البذر من عنده. وهذا والباب الأول سواء. وما أخرجت الأرض أخذ السلطان حقه منه، وكان ما بقي بينهما على ما اشترطا، وما ترك لهما من العشر كان لصاحب الأرض في قياس قول أبي حنيفة. وأما القول الآخر فهو بينهما نصفان.
_________________
(١) م ف ز: أو يكون.
(٢) م ف ز: فيحا.
(٣) م ع: وما كان؛ ز - وكان.
(٤) ع - ما؛ ز: وما.
(٥) ز: منها.
(٦) جمع كُرّ: وهو أربعون قفيزًا، وفيه أقوال أخرى، وقد مر قبل هذا كثيرًا.
(٧) ز: دراهما.
(٨) ز: إذا أخرها شيئًا.
(٩) ز: شرا.
[ ٩ / ٥٤٨ ]
ولو كان قال صاحب الأرض لصاحب العمل: لست أدري ما يأخذ السلطان منا، عشر جميع ما تخرج الأرض أو نصف العشر، فأنا أُعاملك (^١) على أن لي النصف مما تخرج الأرض بعد الذي يأخذ السلطان ولك النصف، فهذا فاسد في قول أبي حنيفة. وجميع ما تخرج الأرض لصاحب البذر أيهما كان. فإن كان البذر من قبل صاحب الأرض فهو كله له، وعليه أجر مثل صاحب العمل لعمله. والعشر على صاحب الأرض. ويطيب الفضل من الزرع لصاحب الأرض. فإن كان البذر من قبل صاحب العمل فالزرع كله له، وعليه أجر مثل الأرض لصاحب الأرض. وعلى صاحب الأرض عشر (^٢) ما أخرجت الأرض للسلطان، ليس على صاحب البذر من ذلك قليل ولا كثير. ويأخذ صاحب الزرع من الزرع مثل بذره ونفقته ومثل ما غرم من أجر الأرض، ويتصدق بالفضل. وأما في قول من يقول: إن العشر فيما أخرجت الأرض - وهو قول محمد - فالمزارعة جائزة وإن لم يبين ما (^٣) يأخذ السلطان، وما أخرجت الأرض فهو بينهما نصفان، وما أخذ السلطان فهو بينهما نصفان قليلًا كان أو كثيرًا.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا من أراضي الخراج، يزرعها سنته هذه ببذره وبقره ونفسه، فما أخرج الله تعالى منها من شيء دفع منه حظ السلطان، وهو النصف مما يخرج، وكان ما بقي بينهما لرب الأرض ثلثه وللمزارع الثلثان (^٤)، فهذا جائز. وما أخرجت الأرض من شيء فهو على ما اشترطا، يأخذ السلطان نصفه، ويكون ما بقي بينهما على ما اشترطا. فإن أخرجت الأرض طعامًا كثيراَ، ثم إن السلطان أخذ من رب الأرض الخراج كما كان يأخذ، وترك المقاسمة (^٥)، فإن النصف الذي شرط للسلطان لرب
_________________
(١) م ف ز: عاملك.
(٢) م ف: عنه.
(٣) م ف ز: مما.
(٤) م ف ز: الثلثين.
(٥) الخراج نوعان: خراج وظيفة وخراج مقاسمة، فخراج الوظيفة مقدار مقطوع من المال، أما خراج المقاسمة فهو جزء شائع مما يخرج كالعشر أو الربع. انظر: المبسوط، ٢٣/ ٣٤.
[ ٩ / ٥٤٩ ]
الأرض، وما بقي فهو بينهما على ما اشترطا. وكذلك لو أن السلطان ترك ذلك، ولم يأخذ منه خراجًا ولا مقاسمة، كان النصف الذي شرط للسلطان لصاحب الأرض. وكذلك لو أخذ من الطعام شيئًا سرًا من السلطان قبل المقاسمة، ثم إن السلطان قاسمهم ما بقي وأخذ نصفه، فإن ما أخذ سرًا يكون لصاحب الأرض ثلثاه وللمزارع ثلثه، وما بقي من الطعام الذي قاسمهم إياه السلطان فأخذ نصفه فإن لصاحب الأرض ثلثه وللمزارع ثلثاه. وكذلك لو كان البذر من قبل صاحب الأرض، والمسألة على حالها، كان الأمر كما وصفت لك في جميع ذلك.
ولو أن صاحب الأرض قال للمزارع: إني لست أدري أيأخذ السلطان في هذه السنة المقاسمة أو الخراج، فأعاملك على أن ندفع (^١) مما تخرج الأرض حظ السلطان مقاسمة كان أو خراجًا، ويكون ما بقي بيننا لي الثلث ولك الثلثان، فرضي المزارع بذلك، فهذه مزارعة فاسدة. وما أخرجت الأرض من شيء فهو لصاحب البذر أيهما كان، والخراج والمقاسمة أيهما كان على رب الأرض. فإن كان البذر من قبل رب الأرض فالزرع كله له طيب، وعليه أجر مثل المزارع في عمله. فإن كان البذر من قبل المزارع فالزرع كله له، وعليه أجر مثل الأرض لصاحب الأرض، ويرفع من الزرع مثل بذره ونفقته والأجر الذي غرم، ويتصدق بالفضل.
…