قلت: أرأيت الرجل إذا أراد أن يشتري دارًا وخاف أن يأخذها جارها بالشفعة، فكره أن يمنعه من ذلك فيظلمه، وكره أن يعطيه الدار فيدخل عليه ما يكره، كيف يصنع حتى لا يأثم في ذلك؟ قال: يتصدق البائع على المشتري ببيت في الدار (^١) بطريقه، ثم يشتري منه بعد ذلك ما بقي من الدار، فلا يكون للشفيع فيها شفعة. قلت: أرأيت إن استحلفه القاضي ما دالست ولا والست؟ (^٢) قال: يحلف وهو صادق. قلت: فكيف يصدق وإنما يصدق (^٣) على المشتري؟ قال: لأنه إنما (^٤) فرّ من أن يظلم الشفيع حقه فصنع ما وصفت لك.
قال: وسألت أبا يوسف عن رجل يريد شرى دار بألف وخاف أن ياخذها جارها بالشفعة فاشتراها بألف دينار من صاحبها وأعطاه بالألف دينار ألف درهم. قال: ذلك (^٥) جائز. قلت: فإن حلفه القاضي ما دالست ولا والست؟ قال: يحلف صادقًا. قلت: فهل في الشفعة ثقه غير
_________________
(١) ف: بثلث الدار.
(٢) والس أي: خان. انظر: لسان العرب، "ولس".
(٣) م هـ + عليه بشرى.
(٤) م - إنما.
(٥) ف: هذا.
[ ٩ / ٤٩٠ ]
هذا؟ قال: نعم؛ يهب البائع الدار للمشتري بحدودها ويعوضه المشتري ألف درهم فلا تكون للشفيع فيها شفعة. قلت: أرأيت إن جاء الشفيع وقد اشترى المشتري (^١) الدار ولم يلتمس المخرج في الشفعة شيئًا فأراد الشفيع أخذها، فقال المشتري للشفيع: إن أحببت أن أوليك هذه الدار فعلت (^٢)، فقال الشفيع: فإني أحب ذلك، فقال المشتري: لست أفعل، فقد سلمت الدار بطلبك إلي أن أوليك؟ قال: هو كما قال، قد سلم الشفعة بما طلب من التولية. قلت: أرأيت إن لم يفعل ذلك الطالب (^٣) ولكن أرسل إليه بذلك فقال ما وصفت؟ قال: هو إبطال لحقه في الشفعة. قلت: أرأيت إن كره المشتري الخصومة وأحب أن لا يخاصم جاره هل في ذلك وجه؟ قال: نعم؛ يأمر رجلًا أن يتولى الصفقة والشراء على ما وصفت لك من الأمر، ويوكله الآمر بقبض ما تصدق به عليه، فيعامله، ويظهر ذلك (^٤) الوكيل، ويتغيب الآمر، ويشهد الوكيل أن الدار للآمر وأنه لا حق له فيها. قلت: فإن جاء الشفيع يطلب من الذي في يديه الدار حقه من الشفعة؟ قال: ليس له ذلك. قلت: أرأيت إن كان الشرى صحيحًا ليس فيه صدقة وسلم الشفيع، غير أن المشتري خاف أن يبدو له فيطلب بالشفعة ويجحد التسليم، هل في ذلك وجه؟ قال: نعم؛ يبيع الدار من رجل غريب لا يعرف، ويتغيب المشتري ويوكل البائع بالاحتفاظ بها، ويشهد من يثق به أن الدار للبائع (^٥) وأن الشراء كان باطلًا. قلت: أرأيت إن كان (^٦) إنما باع الدار بعد ما خاصمه الشفيع في الشفعة؟ قال: لا يجوز ذلك (^٧).
وقال أبو يوسف في رجل اشترى دارًا وقبضها، ثم باعها هذا المشتري من رجل وقبضها (^٨) هذا المشتري الثاني، ثم دفعها إلى البائع الذي باعها منه بوكالة أو بإجارة وأشهد له على ذلك شهودًا وغاب، ثم جاء رجل
_________________
(١) م ف - المشتري؛ والزيادة من ل.
(٢) ف: ففعلت.
(٣) م ف: للطالب.
(٤) ف + من.
(٥) م ف: للشافع.
(٦) م ف - إن كان؛ والزيادة من ل.
(٧) م: ذلك لا يجوز.
(٨) ف - ثم باعها هذا المشتري من رجل وقبضها.
[ ٩ / ٤٩١ ]
يخاصم هذا البائع الذي الدار في يديه في شفعة الدار بالبيع الأول واستحق الدار ببينة؛ قال: أجعله خصمًا، ولا يدفع عنه الخصومة إقامة البينة أنه قد باع ودفع ووكله المشتري بعد ذلك أو أجره؛ لأني لو (^١) قضيت بأن الغائب اشترى وقبض ودفعها بوكالة أو بإجارة كنت (^٢) قد قضيت على الغائب بالشرى وألزمته ذلك وهو غائب، فهذا قبيح لا يستقيم.
وقال أبو يوسف: إذا اشترى هذه الدار ثم باعها من رجل وقبضها المشتري ثم وكل بها (^٣) غير البائع ببينة لم يكن الوكيل خصمًا لأحد في شفعة ولا استحقاق ولا غير ذلك. قلت: أرأيت الرجل يشتري الدار ولا يحب أن تؤخذ منه بالشفعة فوصفت له ما وصفت من الصدقة بالبيت والطريق ثم يشتري بعد ذلك ما بقي من الدار فخاف أن يستحلف ما دالست ولا والست؟ قال: يحلف ولا يضره؛ لأنه صادق وإنما فر من الظلم إذا صنع ما صنع. قلت: فهل تجد في هذا (^٤) وجهًا أوثق من هذا حتى لا يكون عليه يمين وحتى لا تؤخذ منه بالشفعة؟ قال: نعم (^٥)؛ يشتريها لولد (^٦) له صغير، ويجعل ثمن الدار دراهم، ويبيع بالثمن دنانير يعطي له البائع فيها، فلا يكون عليه يمين (^٧)، لأنه لو أبى (^٨) اليمين وقد قامت البينة على
_________________
(١) م - لو؛ ف: لأني قد.
(٢) ف: كيف.
(٣) م ف: بهما.
(٤) م: من هذا.
(٥) ف ع + قال لا يحنث وهو صادق قلت فإن قال والله ما أبصر إلا ما سددني غيري يعني إلا ما بصرني ربي قال هو صادق لا يحنث قلت أرأيت رجلًا قال لأمته لا ذقت طعاما ولا شرابا حتى أضربك فلما سمعت ذلك الأمة أبقت كيف يصنع حتى لا يحنث قال يهب الرجل الجارية لابن له صغير أو ابنة له صغيرة ولا يحنث قلت فإن وهبها لابن له كبير أو باعها منه ثم أكل قال لا يحنث قلت أرأيت الرجل يشتري الدار ولا يحب أن تؤخذ منه بالشفعة فوصفت له ما وصفت من الصدقة بالبيت والطريق ثم يشتري بعد ذلك ما بقي من الدار فخاف أن يستحلف ما دالست ولا والست فقلت إنه يحلف ولا يضره لأنه إنما فر من الظلم فيصنع ما صنع قلت فهل تجد له حيلة حتى لا يكون عليه يمين ولا يؤخذ بالشفعة قال نعم.
(٦) م: لوان.
(٧) م ف - يمين؛ والزيادة من ل.
(٨) م: لو الى.
[ ٩ / ٤٩٢ ]
الثمن الذي (^١) به اشترى الدار لم أصدقه على إبطال حق ابنه الصغير وقد قامت البينة على أصل الثمن. قلت: أرأيت إن لم يكن له ولد صغير هل في ذلك حيلة؟ قال: نعم؛ يوكل رجلًا بشراء هذه الدار (^٢) بثمن مسمى، ثم يشتريها الوكيل (^٣) بذلك الثمن وهو ضعف ما تساوي، ويبيعه بالثمن عروضًا، ويعطي بها دنانير، ويغلي له البائع. قلت: فإذا فعل هذا لم يلزمه يمين؟ قال: لا يلزمه اليمين إذا قامت البينة على أن الغائب وكله وأنه (^٤) اشتراها بهذا الثمن المسمى.
قلت: أرأيت رجلًا ادعى قبل رجل في دار في يديه دعوى وهو يعلم أن المدعي مبطل، غير أن المدعي أحب أن يستحلفه متعنتًا، وليس للمدعي بينة على دعواه، فأحب الذي في يديه الدار أن لا يكون عليه يمين، هل في هذا حيلة؟ قال: نعم؛ يقر أن هذه الدار لابن له صغير، فإن كانت للمدعي بينة على دعواه قضي له، وإلا فلا يمين على الأب؛ لأنه لو أقر أنها للمدعي بعد إقراره لابنه لم يصدق، ولا تؤخذ منه الدار بإقراره.
قلت: أرأيت رجلًا أراد أن يشتري دارًا من رجل بعشرة آلاف درهم، فإن أخذ الشفيع الدار أخذها (^٥) بعشرين ألف درهم، وإن استحقت لم يرجع المشتري على البائع إلا بعشرة آلاف، هل عندك في هذا حيلة؟ قال: نعم؛ يشتري الدار بعشرين ألف درهم، وينقده تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعين درهمًا (^٦)، وينقده دينارًا (^٧) بما بقي (^٨) من العشرين الألف درهم، فإن جاء الشفيع يطلب في الدار شفعة أخذها بعشرين ألفًا، وإلا فلا سبيل له على الدار. وإن استحق رجل هذه الدار رجع المشتري على البائع بما دفع
_________________
(١) م ف - الذي؛ والزيادة من ل.
(٢) م ف ع + ببينة.
(٣) م: للوكيل.
(٤) م ف: فان.
(٥) م ف - بعشرة آلاف درهم فإن أخذ الشفيع الدار أخذها؛ والزيادة من ل.
(٦) ف + ودرهمًا.
(٧) م ف - وينقده دينارًا؛ والزيادة مستفادة من ل. وعبارة ل: وينقد دينار. وهي على الصواب في المطبوعة.
(٨) م ف: ما بقي؛ والتصحيح من ل.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
إليه، وهو تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون درهمًا ودينارًا. قلت: لم لا يرجع عليه بعشرين ألف درهم؟ قال: لأن البيع حيث استحق ونقض انتقض الصرف في الدينار. قلت: أرأيت لو لم يستحق هذه الدار ولكن المشتري وجد بهذه الدار عيبًا فأراد ردها على البائع بكم يردها عليه؟ قال: يردها عليه بعشرين ألف درهم.
قلت: أرأيت الرجل (^١) يشتري الدار لغيره ويكتب في الشراء: وقد نقد فلان فلانًا الثمن كله وافيًا من مال فلان الآمر، هل يضر هذا البائع؟ قال: نعم؛ أخاف عليه أن يجيء الآمر فيقول: أخذت مالي ولم آمر فلانًا أن يشتري شيئًا منها لي، فيأخذ منه المال الذي أقر بقبضه من المشتري. قلت: فإن ترك المشتري هذا الموضع في كتاب الشراء فكتب: وقد نقد فلان فلانًا الثمن كله وافيًا، ولم يذكر أنه من مال فلان الغائب؟ قال: هذا ليس فيه ثقة (^٢) للغائب. قلت: فإن خاف أن يأخذه المشتري بما نقد فيقول: نقدت عنك من مالي، فأنا أرجع عليك بذلك؟ قال: إذًا (^٣) يكون للوكيل. قلت: فكيف الحيلة في هذا حتى لا يكون فيه ضرر على البائع ولا على الآمر بشراء الغائب؟ قال: يكتب: قد نقد فلان فلانًا الثمن كله وافيًا، ولا يكتب من مال من هو، فإذا ختم الشهود وشهدوا على الشرى وقبض الثمن (^٤) أقر المشتري بعد ذلك أن ما نقد من الثمن إنما هو من مال الآمر، فهذا عدل بينهم، وهو ثقة للغائب الآمر بالشرى والبائع الحاضر إذا شهدت على ذلك الشهود (^٥). قلت: أرأيت لو كان مكان الدينار ثوب أو دار أو عبد
_________________
(١) م ع: الرجلين.
(٢) م ف: منه نقد.
(٣) م ف ع: أولًا.
(٤) م ف - كله وافيا ولا يكتب من مال من هو فماذا ختم الشهود وشهدوا على الشرى وقبض الثمن؛ والزيادة من ل.
(٥) م ف + وإذا أراد رجل شرى دار من رجل بعشرين ألف درهم وأراد إن استحقت الدار من المشتري أن لا يرجع المشتري على البائع إلا بعشرة آلاف درهم وإذا أراد الشفيع أخذ هذه الدار بالشفعة من المشتري أخذها منه بعشرين ألف درهم قال يشتريها المشتري بعشرين ألف درهم ويعطيه جميع الثمن تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين=
[ ٩ / ٤٩٤ ]
أو عرض من العروض أكان يكون صحيحًا مستقيمًا على ما يستقيم فيه الدينار؟ قال: لا؛ لو كان مكان الدينار عرض من العروض فاستحق رجع المشتري على البائع بعشرين ألف درهم. ألا ترى أن رجلًا لو ادعى أن له على رجل مائة درهم فباعه بذلك دينارًا، ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه شيء، رد الطالب على المطلوب دينارًا. ولو كان المطلوب باع الطالب بالمائة الدرهم عرضًا من العروض ثم تصادقا على أنه لم يكن له شيء رجع المطلوب (^١) على الطالب (^٢) بمائة درهم.
…