وإذا اشترى الذمي دارًا أو أرضًا من ذمي أو من مسلم فللشفيع فيها شفعة. بلغنا عن شريح أنه قضى بالشفعة لنصراني على مسلم (^١). وبلغنا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "الجار أحق بشفعته ما كان" (^٢). وكذلك لو كان المشتري مسلمًا وكان الشفيع ذميًا كانت له الشفعة. وأهل الكتاب وأهل الشرك وجميع أهل الكفر والنساء والرجال والمكاتب والعبد التاجر هم في الشفعة سواء كالمسلم.
وإذا اشترى النصراني دارًا بميتة أو بدم فإن الشراء باطل لا يجوز، وليس فيها الشفعة. وإذا اشترى دارًا بخمر أو بخنزير أجزت الشراء وجعلت فيها الشفعة. وهذا لا يشبه الأول؛ لأن الخمر والخنزير من أموال أهل الذمة له ثمن، وأما الميتة والدم فليس له ثمن. وإذا وجبت الشفعة لكافر في ذلك أخذها بقيمة الخنازير وأخذها بخمر مثل تلك الخمر في كيلها؛ لأن الخمر مخالف للخنازير، الخمر يكال ويستقرض فيما بينهم ويسلمون فيها ويجوز ذلك، والخنازير ليس كذلك.
وإذا كان للدار شفيعان مسلم وكافر والثمن خمر أخذ الكافر نصف الدار بمثل نصف تلك (^٣) الخمر، وأخذ المسلم نصفًا بمثل قيمة نصف الخمر. ولو كان الثمن خنازير أخذ كل واحد منهما نصف الدار بنصف قيمة الخنازير.
وإذا اشترى نصراني دارًا بخمر بعينها من نصراني فلم يتقابضا حتى أسلما جميعًا أو أسلم أحدهما فإن البيع منتقض باطل لا يجوز. وكذلك لو كان أحدهما قبض الدار ولم يقبض الخمر. فإن كان الذي له الخمر قد قبض
_________________
(١) تقدم بإسناد المؤلف في أوائل كتاب الشفعة. انظر: ٦/ ٢٠٣ ظ.
(٢) تقدم بإسناد المؤلف في أوائل كتاب الشفعة. انظر الموضع السابق.
(٣) ف - تلك.
[ ٩ / ٢٩٤ ]
الخمر ولم يقبض الذي له الدار فالبيع لازم له جائز عليه (^١)؛ لأن صاحب الخمر قد قبض الخمر قبل أن يسلم وصارت من ماله، فصارت الدار للآخر. وللشفيع في جميع هذه الخصال الشفعة قبض أو لم يقبض؛ لأن إسلامهما انتقاض للبيع بعدما كان صحيحًا، كالمسلم يشتري الدار بعبد بعينه فيموت العبد قبل أن يقبض. ألا ترى أن في هذه الشفعة إن كان الشفيع مسلمًا أخذها بقيمة الخمر. وإن كان كافرًا أخذها بمثل ذلك الخمر إن كان الذي يؤخذ منه الدار لم يسلم. فإن كان الذي يؤخذ منه الدار قد أسلم أخذها الشفيع منه بقيمة الخمر للكافر (^٢). وإن كان المشتري والبائع كافرين وقد قبض الدار والشفيع كافر أخذها من المشتري بخمر مثلها.
وإذا اشترى نصراني دارًا فجعلها بِيعة فللشفيع أن يهدم البِيعة ويأخذها بالشفعة. وإن كان الشفيع نصرانيًا (^٣) أو غير نصراني فهو سواء. وإذا اشترى يهودي دارًا فجعلها كنيسة أو مجوسي اشترى دارًا فجعلها بيت نار فللشفيع أن يأخذها بالشفعة ويهدم ذلك كله؛ لأن هذا كله (^٤) معصية فلا يبطل حق الشفيع.
وإذا اشترى الرجل دارًا ولها شفيع ثم مات المشتري فبيعت في دين الميت فللشفيع أن يأخذها بالبيع الأول ويبطل ذلك كله.
وإذا اشترى الدار رجل نصراني بخمر ودفعها وقبض الدار والبائع ذمي ثم مات المشتري فأسلم وارثه ثم جاء الشفيع وهو ذمي كان له أن يأخذ الدار من الوارث بقيمة الخمر. وإسلام الوارث في هذا بمنزلة إسلام المشتري. وكذلك لو أسلم المشتري وأسلم الشفيع أو كان الشفيع مسلمًا يوم وقع البيع إن (^٥) كان مما يكال أو يوزن؛ لأن الإسلام لا يبطل حق رجل ولا يزيده الإسلام إلا شدة، فيأخذ الدار بقيمة الخمر. وهو بمنزلة رجل
_________________
(١) م ز: له.
(٢) ف: الكافر.
(٣) ز: نصراني.
(٤) ف - كله.
(٥) م ف ز: فإن.
[ ٩ / ٢٩٥ ]
اشترى دارًا بِكُرّ رطب، ألا ترى أنه يأخذها برطب مثله، فإن ذهب الرطب أخذها بقيمته، فكذلك الأول.
وإذا اشترى الذمي دارًا (١) بخمر وتقابضا، ثم صارت الخمر خلًّا، ثم أسلم البائع والمشتري، ثم استحق نصف الدار، وجاء الشفيع يطلب النصف الباقي، كان له أن يأخذ النصف الباقي (^٢) بنصف قيمة الخمر، وكان للمشتري أن يرجع بنصف الخل على البائع. فإن كان البائع قد استهلكها رجع عليه بخل مثله. فإن لم لقدر على خل مثله رجع عليه بالقيمة. وإنما كان له أن يرجع بنصف الخل على البائع مِن قِبَل أن له عند البائع الدار، فلا يصير لبائع (^٣) الدار قيمة ذلك، وهو غير ثمن. ألا ترى أن الدار لو استحقت كلها أخذ الخل كله.
وإذا اشترى الذمي دارًا بميتة أو بدم أو بشيء مما ليس له ثمن سوى الخمر والخنازير فإن ذلك لا يجوز، ولا شفعة فيه؛ لأن البيع فاسد.
وإذا اشترى الذمي كنيسة أو بِيعة فللشفيع فيها شفعة، وهي بمنزلة الدار، والبيع فيهما جائز؛ لأن صلاتهم فيها معصية، وليست البِيعة والكنيسة كالمسجد. ولو أن رجلًا باع مسجد جماعة أو أهل خطة باعوا مسجدهم أبطلت ذلك ولم أجزه (^٤)؛ لأنهم لا يملكون ذلك. ولو أن قومًا من المجوس باعوا بيت نار لهم أو قومًا من اليهود باعوا كنيسة لهم أو قومًا من النصارى باعوا بِيعة لهم أجزت البيع، وجعلت للشفيع فيها الشفعة وإن كان الشفيع مسلمًا؛ لأنه يجعلها منزلًا يسكنه (^٥).
وإذا اشترى الذمي من الذمي أو من مسلم أرضًا أو دارًا، ورجل جار لها، ورجل آخر له فيها طريق، كان صاحب (^٦) الطريق أولى بالشفعة من
_________________
(١) ١١) ز: شيئًا.
(٢) م ز: الثاني.
(٣) ز: للبائع.
(٤) ز: أجيزه.
(٥) ف - وإن كان الشفيع مسلمًا لأنه يجعلها منزلًا يسكنه.
(٦) ز: لصاحب.
[ ٩ / ٢٩٦ ]
صاحب المسيل (^١)، وهو بمنزلة الجار. وكذلك لو كان له بيت في علو أو جذع في حائط من حيطان الدار أو حَرَادِيّ (^٢) أو جذوع كان بمنزلة الجار. وكذلك لو كان له بيت في علو الدار أو سفلها غير أن طريقه في دار أخرى كان له (^٣) الشفعة بالجوار، وهو (^٤) بمنزلة الجار الملازق، وليس بمنزلة الشريك.
وإذا اشترى المسلم أرضًا من ذمي فإن عليه الخراج على حالها. وكذلك لو اشتراها ذمي فأخذها مسلم بالشفعة. وكذلك لو كانت الأرض لمسلم فاشتراها مسلم كان كذلك. فإن كانت الأرض من أرض العشر فاشتراها مسلم من مسلم فعليها العشر، ولا يوضع عليها الخراج. فإن أخذها ذمي بالشفعة وضع عليها الخراج (^٥). فإن أخذها نصراني تغلبي ضوعف عليه العشر، فيكون بمنزلة الخراج. وكذلك لو كان التغلبي هو الذي اشتراها كان مثل أخذه بالشفعة.
وإذا اشترى ذمي (^٦) أرضًا من أرض العشر وضع عليها (^٧) الخراج. فإن أخذها (^٨) مسلم بالشفعة وضع (^٩) عليها العشر.
وإذا اشترى مسلم من مسلم أرضًا ولها ثلاثة شفعاء مسلم وذمي وتغلبي نصراني فأخذوها جميعًا بالشفعة فإنه (^١٠) يكون على المسلم العشر ويضاعف على التغلبي العشر، فيكون عليه الخمس، ويؤخذ من الذمي
_________________
(١) لم يذكر صاحب المسيل في تصوير المسألة، ولعل المقصود بالجار صاحب المسيل، أو سقط ذلك سهوًا. وعبارة الحاكم: وصاحب الطريق الأولى بالشفعة من صاحب مسيل الماء، وصاحب المسيل بمنزلة الجار. انظر: الكافي، ١/ ١٢٩ و.
(٢) الحَرَادِيّ ما يلقى على خشب السقف من أطنان القصب، الواحد: حُرْدِيّ. انظر: المغرب، حرد.
(٣) ز - له.
(٤) ف: هو.
(٥) ف ز - فإن أخذها ذمي بالشفعة وضع عليها الخراج.
(٦) ف - ذمي.
(٧) ز + عليها.
(٨) ز - أخذها.
(٩) ز: بماضع.
(١٠) ز: فا.
[ ٩ / ٢٩٧ ]
الخراج في حصته. وإذا اشترى الذمي من المسلم أرضًا من أرض العشر فوضع عليها الخراج ثم وجد بها عيبًا يرد (^١) منه لم يره (^٢) لم يكن له أن يردها، إن كانت قد وضع عليها الخراج أو لم يوضع، ولكنه يرجع بنقصان ما بينهما. فإن كان البيع فاسدًا كان له أن يردها وتعود إلى العشر كما كانت، وليس هذا كالعيب.
وإذا اشترى الرجل دارًا فوجد فيها حائطًا واهيًا أو ساقطًا أو جذعًا منكسرًا أو شيئًا (^٣) ينقص الثمن فله أن يردها بالعيب، وللشفيع فيها الشفعة.
وإذا اشترى الرجل أرضًا فوجد فيها نخلًا من نخلها متكسرًا أو صاويًا (^٤)، أو وجد فيها سبخة لا ينبت فيها شيء ولم يكن رآها، أو وجد فيها شيئًا ينقص الثمن بعد أن يكون عيبًا، فله أن يردها من ذلك وللشفيع فيها الشفعة.
وقال أبو يوسف: إذا اشترى الذمي أرضًا من أرض العشر جعل عليها العشر مضاعفًا، وإن وجد بها عيبًا ردها وعاد (^٥) عليها العشر كما كان. ألا ترى أنة في قوله: ولو باعها من مسلم رددتُها إلى العشر (^٦)، وهذا ليس بعيب. وقال محمد: إذا اشترى النصراني الأرض من أرض العشر (^٧) فعليها العشر كما كان، ولا يلتفت في هذا إلى النصراني. ألا ترى أني آخذ العشر من أرض المكاتب والصبي، فإنما العشر على الأرض لمن كانت (^٨)، ولا يلتفت إلى مالكها.
_________________
(١) ز: ترد.
(٢) ز: لم يرده.
(٣) ز: أو جذع منكسر أو شيء.
(٤) الصاوي من النخل اليابس، يقال: صَوِيَت النخلة إذا عطشت وضَمِرت ويبست. انظر: لسان العرب، "صوي".
(٥) م - عاد.
(٦) وعبارة الحاكم: ألا ترى أنه في قوله لو باعها من مسلم ردها إلى عشر واحد. انظر: الكافي، ١/ ١٩٢ ظ.
(٧) م + وهذا ليس بعيب وقال محمد إذا اشترى النصراني الأرض من أرض العشر.
(٨) ز: كاتب.
[ ٩ / ٢٩٨ ]