وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا مزارعة، على أن يزرعها المدفوعة إليه هذه السنة ببذره وبقره، فما أخرج الله منها من شيء فهو بينهما نصفان، فلما تراضيا على هذا قال الذي أخذ الأرض مزارعة: لست أريد أن أزرع هذه الأرض، وقد بدا لي في ترك الزرع هذه السنة، وقال رب الأرض: ليس لك ذلك، فإن الأمر في ذلك إلى المدفوعة إليه الأرض مزارعة: إن شاء زرع، وإن شاء لم يزرع.
وكذلك لو قال: لست أريد ترك الزرع سنتي هذه، ولكني أريد أن أزرع في هذه الأرض الأخرى، وأترك هذه الأرض فلا أزرع فيها، وقال رب الأرض: ليس لك ذلك (^٣)، أما إذا أردت أن تزرع فازرع أرضي التي أخذتها مزارعة، فإن الذي أخذ الأرض مزارعة لا يجبر على شيء من ذلك، ويقال له: ازرع أي أرض شئت.
ولا يشبه هذا استئجار الأرض ليزرعها بالدراهم والدنانير وغير ذلك مما ليس يخرج منها. إذا استأجر الرجل أرضًا بشيء مما ليس يخرج منها بدراهم أو دنانير أو غير ذلك سنة كاملة، ثم بدا له أن يدع (^٤) الزرع فلا يزرع الأرض في تلك السنة ولا غيرها، فهذا عذر، وله أن يترك الأرض، ولا يجب عليه من أجرها شيء. ولو قال: أريد أن أزرع هذه الأرض الأخرى، ولا أزرع الأرض التي استأجرت، فليس له أن يتركها، ولكنها
_________________
(١) ز: منه.
(٢) ز: منه.
(٣) ز: ليس ذلك إليك؛ ف - فإن الأمر في ذلك إلى المدفوعة إليه الأرض مزارعة إن شاء زرع وإن شاء لم يزرع وكذلك لو قال لست أريد ترك الزرع سنتي هذه ولكني أريد أن أزرع في هذه الأرض الأخرى وأترك هذه الأرض فلا أزرع فيها وقال رب الأرض ليس لك ذلك.
(٤) م ف ز: أن يزرع. والتصحيح من الكافي، ٢/ ٣٠٨ ظ.
[ ٩ / ٥٣٦ ]
تدفع إليه، ويقال له: لا نجبرك على زرعها، ولكنها في يديك (^١)، فإن شئت فازرع، وإن شئت فدع، فإذا انقضت الإجارة وهي في يدك وجب عليك أجر ما زرعت أو تركت.
وهذا لا يشبه المزارعة التي وصفت لك؛ لأن في المزارعة إذا لم يزرعها لم تجب لصاحب الأرض، وليس يجبر الذي أخذها ليزرعها بنصف ما يخرج على أن يزرعها، وليس يكون عليه إن لم يزرعها شيء. فإذا لم يكن عليه بكينونتها في يديه شيء حتى يزرعها ولم يجبر على زرعها كان له أن يتركها في أول السنة، إن أراد أن يزرع غيرها أو لم يرد.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا وبذرًا، على أن يزرعها هذه السنة ببذره وبقره، فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو بينهما نصفان، فلما وقعت عُقْدَة المزارعة قال الذي أخذ الأرض مزارعة ليزرعها: لا أريد أن أزرع هذا الأرض ولا غيرها، وأنا (^٢) أريد ترك الزرع سنتي هذه، فليس له ذلك، ويجبر على أن يزرع؛ لأن البذر في هذا الوجه من قبل رب الأرض، وإنما العامل في هذا أجير، وليس للأجير أن يأبى (^٣) العمل، أبل، يجبر على أن يعمل. ولا يكون قوله: أريد ترك الزرع سنتي هذه، بعذر في هذه المزارعة.
ولو كان رب الأرض والبذر هو الذي قال: لست أريد أن أعمل أرضي (^٤) هذه السنة، ولكني أريد أن أعمل هذه الأرض الأخرى، أو قال: لست أريد أن أعمل هذه الأرض في سنتي هذه ولا غيرها، وأراد العامل أن يعمل، فإن رب الأرض والبذر لا يجبر على زرع هذه الأرض إن أراد عمل أرض أخرى أو لم يرد؛ لأنه لا يجبر على أن يبذر (^٥) بذره في هذه الأرض وهو لا يريد ذلك.
ولو أن رجلًا دفع أرضه إلى رجل ليزرعها سنته ببذره وبقره ونفسه،
_________________
(١) ز: في يدك.
(٢) ز: ولا.
(٣) ز: أن يأتي.
(٤) م ف ز: أرض.
(٥) ز: أن يبذره.
[ ٩ / ٥٣٧ ]
فما أخرج الله تعالى منها من شيء فهو بينهما نصفان، فلما وقعت عُقْدَة المزارعة قال: قد بدا لي أن لا أزرع (^١) في أرضي هذه في هذه السنة شيئًا، وقال الذي أخذها مزارعة: أنا أعمل فيها، فليس (^٢) لرب الأرض أن يمنع المزارع من زرعها إلا من عذر. والعذر هاهنا الدين الفادح (^٣) يكون على رب الأرض ولا يقدر على قضائه إلا من ثمن هذه الأرض، فيبيعها فيه، فهذا العذر الذي لرب الأرض أن يمنع الزارع من زرعها من أجله. ولا يشبه هذا الوجه الأول؛ لأن الأرض هاهنا هي التي استؤجرت بنصف ما يخرج. وليس لصاحبها أن يمنع الزارع من زرعها إلا على ما وصفت لك.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل نخلًا له معاملة، على أن يقوم عليه ويسقيه ويلقّحه (^٤) بنفسه وأجرائه وأعوانه، فما أخرج الله تعالى منها من شيء فهو بينهما نصفان، فهذا جائز في قول أبي يوسف ومحمد.
فإن (^٥) وقعت عُقْدَة المعاملة بتراضي منهما (^٦)، ثم قال الذي أخذ النخل معاملة: لا أعمل في هذا النخل ولا في غيره، أريد ترك هذا العمل وأعمل عملًا غيره، أو قال: أريد ترك كل عمل وأسافر، وأبى صاحب النخل أن يدعه، فإنه يجبر على العمل، وليس شيء مما ذكرت بعذر.
وكذلك إن قال صاحب النخل: أريد أن أعمل في نخلي وأخرجك منه فأكون أنا القيّم (^٧) على النخل وعلى تلقيحه وعلى علاجه، وقال الذي أخذ النخل معاملة: أنا أعمله، فله أن يعمله، وليس لصاحب النخل أن يخرجه منه؛ لأنه أجيره في هذا النخل. وليس له أن يمنعه من العمل إلا أن يبيع صاحب النخل النخلَ في دين فادح ولا وفاء عنده به، فيكون
_________________
(١) م: لا ان زرع.
(٢) م ف ز: وليس.
(٣) أي: الثقيل، من فَدَحَه الأمرُ إذا عاله وأثقله، ويقال: خطب فادح ودين فادح. انظر: المغرب، "فدح".
(٤) م ز: ويلحقه.
(٥) م ف: قال؛ ز: وإذا.
(٦) ز: منها.
(٧) ف: المقيم.
[ ٩ / ٥٣٨ ]
هذا عذرًا (^١)، وتنقض المعاملة. وهذا قياس قول أبي يوسف، وهو (^٢) قول (^٣) محمد.
…