وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا على أن يزرعها سنته هذه المدفوعة إليه ببذره وعمله، على أن ما أخرج الله تعالى منها من شيء فللمزارع منه ما أخرجت هذه الناحية لناحية من الأرض محدودة معروفة، ولرب الأرض ما أخرجت هذه الناحية الأخرى لناحية من الأرض محدودة، فإن هذه مزارعة فاسدة. فإن عمل على هذا فأخرجت الأرض زرعًا كثيرًا فهو كله للمزارع؛ لأنه صاحب البذر. ويكون لصاحب الأرض أجر مثل أرضه، ويتصدق الزارع بما فضل من الزرع بعدما يستوفي بذره ونفقته وما غرم من الأجر.
وكذلك لو كان البذر من قبل رب الأرض كانت المزارعة على هذا فاسدة. فإن عمل على هذا فأخرجت الأرض زرعًا كثيرًا فهو كله لصاحب الأرض. وللعامل (^٢) أجر مثله فيما عمل. ولا يتصدق صاحب الأرض بشيء من الزرع.
وكذلك لو دفع إليه أرضًا وبذرًا على أن يعمل في هذه الأرض، على أن ما أخرج الله تعالى من الزرع على السواقي (^٣) فهو (^٤) للزارع، وما خرج في الأبواب (^٥) أو الأواعر (^٦) فهو لرب الأرض، أو كان البذر من قبل
_________________
(١) ز: ما لا يجوز.
(٢) ز: وللعاقل.
(٣) الساقية واحدة السواقي، وهي فوق الجدول ودون النهر. انظر: المغرب، "سقي".
(٤) ف ز: فهذا.
(٥) قال المطرزي: الأبواب في المزارعة: مَفاتِح الماء، جمع باب على الاستعارة انظر: المغرب، "بوب".
(٦) كذا في م ز. وفي ف: والافاعر (مهملة). وفي المبسوط، ٢٣/ ٦٠: والأواعي. والكلمة غير موجودة في الكافي. ولعله جمع وعر أو واعر بمعنى المكان الصعب بخلاف السهل. وهو مناسب من حيث المعنى، لكن لم أجده في المصادر. وإنما ذُكر جمع وعر على أَوْعُر ووُعُور وأوعار. انظر: لسان العرب، "وعر".
[ ٩ / ٥٧٨ ]
الزارع، فهو سواء (^١) وهو فاسد كله. وهو مثل ما وصفت لك في الوجه الأول.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا وبذرًا، على أن يزرعها سنته هذه، فما أخرج الله تعالى منها من شيء فالتبن للعامل، والحب لصاحب الأرض، فهذا فاسد، وما أخرجت الأرض من تبن أو حب فهو كله لصاحب الأرض؛ لأنه صاحب البذر. وللعامل أجر مثل (^٢) ما عمل. ويطيب الزرع كله حبه وتبنه لرب الأرض.
ولو كان البذر من قبل المزارع والمسألة على حالها كان هذا فاسدًا، والحب والتبن كله للعامل، وعليه أجر مثل صاحب النخل والأرض، يدفع (^٣) من الزرع بذره ونفقته وما غرم من الأجر، ويتصدق بالفضل.
وأخبرنا عبدالحميد بن جعفر (^٤) الأنصاري قال: أخبرني أبي عن رافع بن أُسَيْد بن ظُهَيْر (^٥) أنه رجع يومًا إلى قومه من عند رسول الله - ﷺ -، فقال: يا بني حارثة قد دخلت عليكم اليوم مصيبة. قالوا: ماذا؟ قال: نهى (^٦) رسول الله - ﷺ - عن كراء الأرض. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا كنا نكريها بشيء من الحب. فقال: "لا". قالوا (^٧): كنا نكريها بالتبن. قال: "لا". قالوا (^٨): كنا نكريها بما يكون على الرَّبيع الساقي من الزرع. قال: "لا. ازرعها أو امنحها أخاك" (^٩).
وتفسير هذا الحديث ما وصفت لك في صدر هذا الباب. لا خير في أن يشترط أحدهما التبن والآخر الحب. ولا خير في أن يشترط أحدهما ما يكون على السواقي من الزرع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قد نهى في هذا الحديث أن يكري الأرض بما يكون على الربيع الساقي من الزرع. والربيع الساقي هو
_________________
(١) ف: فاسد.
(٢) م ف ز: مثله.
(٣) ع + إليه.
(٤) ز: عن جعفر.
(٥) ز: عن ظهير.
(٦) ف ز: نهانا.
(٧) م - قالوا؛ ف ز: قال.
(٨) م ز: قال.
(٩) تقدم في أوائل كتاب المزارعة بنفس الإسناد. انظر: ٧/ ٤١ و.
[ ٩ / ٥٧٩ ]
الجدول الذي يسقي الأرض. ونهى أن تكرى بشيء من الحب. وإنما تفسير هذا إذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا على أن يزرعها سنته هذه ببذره ونفقته وعمله، على أن ما أخرج الله تعالى منها من شيء فلصاحب الأرض منه عشرة أقفزة حنطة مما يخرج (^١)، فهذا فاسد؛ لأنه لا يدري أيخرج (^٢) ذلك أو لا يخرج (^٣). وهذا تفسير هذا الحديث. وكذلك لو كان البذر من قبل صاحب الأرض فاشترط أحدهما أقفزة مسماة مما تخرج الأرض كان ذلك فاسدًا كله، ويكون الزرع كله لصاحب البذر، أيهما كان.
وكل شيء أفسدنا فيه المزارعة في هذا الباب كان البذر من قبل رب الأرض فجعلنا (^٤) الزرع لصاحب الأرض؛ لأنا لا نجعل (^٥) عليه أجر مثل صاحب العمل في عمله. وإن كان لم يعمل ببذره ولكنه استأجر من يعمل له أو عمل له غلمانه أو استعان من يعمل له بغير أجر فإنا نجعل أجر مثل ذلك للعامل، ويكون ذلك له، فلا نبالي عمل هو بنفسه أو استعان من يعمل له.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا عشرين سنة على أن يزرعها ما بدا له من غلة الشتاء والصيف، ويغرسها ما بدا له من نخل أو شجر أو كرم أو رِطَاب (^٦)، على أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو بينهما نصفان، ثمرته (^٧) وشجره وحنطته وشعيره وجميع حبوبه وتبنه ورَطْبَتُه وأصول الرَّطْبَة وعنبه (^٨) وكرمه وأصول الكرم وحطبه وعيدانه، فهذا جائز.
ولو كان قال: على أن تغرس (^٩) فيها ما بدا لك (^١٠) من نخل أو شجر أو كرم، على أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فثمرته بيني وبينك
_________________
(١) ز: تخرج.
(٢) ز: أتخرج.
(٣) ز: أم لا تخرج.
(٤) م: فجعلت.
(٥) م ز: لأنا نجعل.
(٦) جمع رَطْبَة: وهي نوع من العلف، كما تقدم.
(٧) ز: تمره.
(٨) م: وعينه.
(٩) ز: أن يغرس.
(١٠) م ف ز: له.
[ ٩ / ٥٨٠ ]
نصفان، كان هذا جائزًا، وكانت الثمرة بينهما نصفان، وما كان من نخل أو شجر أو كرم أو أصول الرَّطْبَة فهو للغارس، إذا انقضت المعاملة قلعه فكان له.
وكذلك لو كان بيّن (^١) في المزارعة فقال: على أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فثمرته بيني وبينك نصفان (^٢)، والنخل (^٣) والشجر والكرم وأصول الرَّطْبَة للمزارع خاصة، كان هذا جائزًا، وكان هذا على ما وصفت لك.
ولو قال له في المزارعة: فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فثمرته بيني وبينك نصفان، وما كان من نخل أو شجر أو كرم أو أصول رَطْبَة فهو لرب الأرض، كانت هذه المزارعة فاسدة، وما خرج من ذلك من شيء ثمرة أو غيرها فهو كله للمزارع العامل (^٤)، ولرب الأرض أجر مثل أرضه.
ولا يشبه اشتراط صاحب الأرض والنخل والشجر والكرم وأصول الرَّطْبَة لنفسه اشتراط (^٥) المزارع ذلك لنفسه (^٦)؛ لأن المزارع هو صاحب الغرس، فلذلك طاب له اشتراط ذلك، ولم يطب لصاحب الأرض.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضاَ له وغَرْسًا (^٧) له وبذرًا له، على أن يزرع ويغرس في أرضه (^٨) هذه عشرين سنة، على أن يكون البذر والغَرْس من قبل صاحب الأرض، على أن ما أخرج الله تعالى في ذلك من شيء من ثمرة فهو بينهما نصفان، فهو جائز أيضًا، وما أخرج الله تعالى في ذلك من ثمرة فهو بينهما نصفان، والنخل والشجر والكرم وأصول الرَّطْبَة لرب الأرض، فهو جائز؛ لأن البذر والغَرْس والنخل من قبله.
_________________
(١) ز: تبن.
(٢) ع + وما كان من نخل أو شجر أو كرم.
(٣) ع: فالنخل.
(٤) ز: المعامل.
(٥) م: فاشتراط؛ ز: فاشترط.
(٦) ف - اشتراط المزارع ذلك لنفسه.
(٧) أي: ما يغرس. انظر: المغرب، "غرس".
(٨) ز - أرضه؛ صح هـ.
[ ٩ / ٥٨١ ]
وكذلك لو سمى ذلك في المعاملة، فقال: على أن ما أخرج الله تعالى في ذلك من ثمرة فهو بينهما نصفان، وما كان في ذلك من نخل أو شجر أو كرم أو أصول رَطْبَة فهو لصاحب الأرض، فهذا جائز أيضًا؛ لأنه صاحب الغَرْس.
ولو شرطا أن الثمرة بينهما نصفان، وما كان في ذلك من نخل أو شجر أو كرم أو أصول رطبة فهو للغارس، كان (^١) هذا معاملة فاسدة؛ لأن الذي اشترط النخل والشجر والكرم وأصول الرطبة (^٢) ليس بصاحب (^٣) الغرس. ويكون ذلك كله وثمرته لصاحب الأرض طيبًا (^٤) لا يتصدق منه بشيء. ويكون للعامل أجر مثله فيما عمل.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا على أن يزرعها سنته هذه ببذره وعمله، على أن يكون عليه سقيه وحفظه، على أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فالحب بينهما نصفان، والتبن للمزارع، فهذا جائز، وهو على ما اشترطا. ولو شرط على أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فالحب بينهما نصفان، والتبن لرب الأرض، كانت هذه مزارعة فاسدة. فإن عمل على هذا فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو للمزارع (^٥)، ولصاحب الأرض مثل أجر أرضه. ولو كان البذر من قبل صاحب الأرض، اشترطا على أن ما أخرج الله تعالى فيها من شيء فالحب بينهما نصفان، والتبن لصاحب الأرض، كان هذا جائزًا على ما اشترطا. وإن اشترطا أن الحب بينهما نصفان والتبن (^٦) للمزارع كانت هذه مزارعة فاسدة، وكل شيء أخرجت الأرض من حب أو تبن فهو لرب الأرض طيب، وللزارع أجر مثله فيما عمل.
_________________
(١) م ف ز: وكان.
(٢) ز + فهو للغارس وكان هذا معاملة فاسدة لأن الذي اشترط النخل والشجر والكرم وأصول الرطبة.
(٣) ز: لصاحب.
(٤) ز: طيب.
(٥) ف ز: للزارع.
(٦) م - التبن، صح هـ.
[ ٩ / ٥٨٢ ]
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا يزرعها سنته هذه، على أن البذر من أحدهما، ويزرعها حنطة، على أن ما أخرج الله تعالى منها من حنطة فحبها وتبنها بينهما نصفان، وما خرج من ذلك من شعير فهو لصاحب الأرض يُشَرِّقُه (^١) فيأخذه، فهذه مزارعة فاسدة، وما خرج من ذلك فهو لصاحب البذر كله. وكذلك لو شرط الشعير الذي شُرِّقَ (^٢) منها للذي (^٣) ليس له من قبله البذر كان ذلك فاسدًا، وكانت المزارعة مردودة فاسدة. فإن عمل على هذا فالزرع كله لصاحب البذر أيهما كان.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا وزرعًا قد بذره وصار بقلًا، على أن يقوم عليه ويسقيه حتى يستحصد، فما أخرج الله تعالى منه من شيء فهو بينهما نصفان، فهذا جائز. وما أخرج الله تعالى من حب أو تبن فهو بينهما نصفان فهذا جائز (^٤) أيضًا على ما اشترطا، والتبن لصاحب الأرض. وكذلك لو كان اشترطا أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من حب فهو بينهما نصفان، والتبن لرب الأرض، كان هذا جائزًا على ما اشترطا. ولو كانا اشترطا أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء من حب فهو بينهما نصفان، والتبن كله للعامل، كان هذا فاسدًا، والزرع والتبن كله لرب الأرض، وللعامل أجر مثله فيما عمل.
وإذا (^٥) دفع الرجل إلى الرجل أرضًا وبذرًا، على أن يزرعها سنته هذه، فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فالتبن بينهما نصفان، والحب لصاحب الأرض، كانت هذه مزارعة فاسدة، وما أخرجت الأرض من شيء
_________________
(١) م ف ز: يسرف وهي مهملة في الكافي، ٢/ ٣١٧ ظ. وفي المبسوط، ٢٣/ ٦٢: يستوفيه. وذكر المطرزي أن تشريق الشعير هو إلقاؤه في المَشْرُقَة أي الشمس ليجف. انظر: المغرب، "شرق". وقد قال السرخسي: والمراد من هذا أنه قد يكون في الحنطة حبات شعير فتقلع، وذلك إذا اشتد حبه قبل أن تدرك الحنطة وتجف. فإذا شرطا ذلك لأحدهما بعينه فسد العقد. انظر: المبسوط، الموضع السابق.
(٢) م ف ز: سرق. وهو كذلك في المبسوط، الموضع السابق. وانظر الحاشية السابقة.
(٣) ز: الذي.
(٤) ز: جائزًا.
(٥) ز: ولو.
[ ٩ / ٥٨٣ ]
من تبن أو غيره فهو لرب الأرض، وللعامل أجر مثله فيما عمل. وكذلك لو كان الذي اشترط الحب العامل (^١) كان بمنزلة هذا. وكذلك لو كان البذر من العامل فاشترط التبن نصفين والحب لأحدهما وسماه (^٢) فهذه مزارعة فاسدة، والزرع كله لصاحب البذر، ولصاحب الأرض أجر مثل أرضه على صاحب الأرض.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضًا له عشرين سنة، على أن يغرسها نخلًا وشجرًا وكرمًا، على أن ما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فثمرته للغارس، والنخل والشجر والكرم بينهما نصفان، فهذا فاسد كله. وكذلك لو اشترط الثمرة لرب الأرض كان هذا أيضًا فاسدًا، وما أخرجت الأرض من شيء فهو للغارس الذي عمل، ولرب الأرض أجر مثل أرضه. وكذلك لو كان الغَرْس (^٣) من (^٤) قبل رب الأرض، والمسألة على حالها، فاشترط الثمر لرب الأرض أو العامل أن يكون له خاصة، كان هذا فاسدًا كله، وجميع ما أخرجت الأرض من غَرْس أو ثمرة لصاحب الغَرْس رب الأرض، وللعامل أجر مثله فيما عمل. ولا يشبه هذا اشتراط الثمرة بينهما نصفين (^٥)؛ لأن الغرس إذا كان بينهما نصفين (^٦) قبل أن يخرج الثمرة لم يستقم (^٧) أن تكون الثمرة لأحدهما. ولا بأس بأن يكون الغرس لصاحبه والثمرة بينهما نصفين (^٨)؛ لأن الثمرة إنما تخرج بعد خروج الغرس.
_________________
(١) م ت ز: للعامل.
(٢) م: ومسماه؛ ز: وسمياه.
(٣) أي: المغروس كما تقدم.
(٤) ز: نبل.
(٥) ز: نصفان.
(٦) ز: نصفان.
(٧) ز: لم يستقيم.
(٨) ز: نصفان.
[ ٩ / ٥٨٤ ]