وقال محمد بن الحسن في رجل لاعن امرأته بولد، ولزم الولد أمه، فجنى الولد جنايةً: قَتَلَ قتيلًا خطأ، فقضى به القاضي على عاقلة الأم في ثلاث سنين، فأخذ (^٣) أولياء الجناية الدية من عاقلة الأم، ثم إن الأب ادعى الولد، فإنه يكون ابنه، ويضرب الحد، وترجع (^٤) عاقلة الأم على عاقلة الأب بما أدوا (^٥) من الدية، وهذا أيضًا قول أبي حنيفة.
وقال محمد بن الحسن: ترجع عاقلة الأم على عاقلة الأب بالدية (^٦) في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب بذلك، ولا يلتفت إلى ما مضى من السنين منذ ادعى الأب الولد.
وكذلك هذا في مكاتب له امرأة حرة مولاة لبني تميم، والمكاتب (^٧) مكاتب لهمدان، فمات المكاتب وترك وفاء وفضلًا، فلم يؤد (^٨) مكاتبته حتى جنى ابنه جناية: قتل قتيلًا خطأً، فقضى به القاضي على عاقلة الأم بالدية في ثلاث سنين، فأخذت منهم، ثم إن المكاتب أدى ما عليه، فإن ولاء الولد يتحول إلى مولى المكاتب، وترجع (^٩) عاقلة الأم على عاقلة الأب بما أدوا في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي.
ولو أن رجلًا أمر صبيًا أن يقتل رجلًا فقتله، فإن القاضي يقضي على عاقلة الصبي بالدية في ثلاث سنين، وترجع (^١٠) بها (^١١) عاقلة الصبي على
_________________
(١) ز: أن ينتقل.
(٢) م ف - معه.
(٣) ز: فأخذوا.
(٤) ز: ويرجع.
(٥) ز: أودوا.
(٦) ف ز: الدية.
(٧) ف ز: المكاتب.
(٨) ز: يؤدي.
(٩) ز: ويرجع؛ ط: ورجع.
(١٠) ز: ويرجع؛ ط: ورجع.
(١١) ز + على.
[ ٩ / ٣٩١ ]
عاقلة الآمر (^١) في ثلاث سنين (^٢). فإن اجتمعت العاقلتان وأولياء الجناية جميعًا عند القاضي فقضى القاضي لأولياء الجناية على عاقلة الصبي، وقضى لعاقلة الصبي على عاقلة الآمر (^٣)، فكلما (^٤) أخذ أولياء الجناية من عاقلة الصبي شيئًا أخذت عاقلة الصبي من عافلة الآمر (^٥) مثله. فإن قضى القاضي على عاقلة الصبي ولم يخاصموا عاقلة الآمر (^٦) حتى أدوا (^٧) جميع الدية، ثم خاصموا عاقلة الآمر (^٨) بعد الأداء وبعد ما مضى بعد الأداء سنون (^٩)، فإن القاضي يقضي لعاقلة الصبى على عاقلة الآمر (^١٠) بالدية في ثلاث سنين منذ يوم يقضي (^١١) لهم عليهم، ولا يلتفت إلى ما مضى قبل ذلك من السنين. ولو كان الآمر (^١٢) أقر أنه أمر (^١٣) الصبي ولم يعلم ذلك إلا بقوله قضى القاضي على الآمر في ماله لعاقلة (^١٤) الصبي بالدية (^١٥) في ثلاث سنين من يوم يقضي بالدية، ولا يلتفت إلى ما مضى قبل ذلك من السنين.
ولو أن ابن ملاعنة (^١٦) جنى جناية: قتل قتيلًا خطأ، فقضى به القاضي على عاقلة الأم في ثلاث (^١٧) سنين، ثم أدت عاقلة الأم الثلث في أول سنة، ثم إن الأب ادعى الولد، فألزم الولد، وضرب (^١٨) الحد، وحضرت أولياء الجناية والعاقلتان جميعًا، فإن القاضي يقضي لعاقلة الأم بالثلث الذي أدوا على عاقلة الأب في سنة مستقبلة من يوم يقضي (^١٩)، ويبدأ بهم على أولياء الجناية، ويبطل العقل الذي بقي عن عاقلة الأم، ويقضي به القاضي على عاقلة الأب في سنتين مستقبلتين (^٢٠) بعد السنة الأولى التي قضى لعاقلة
_________________
(١) ف: الام.
(٢) ز - سنين.
(٣) ف: الام.
(٤) ز: فكأنما.
(٥) ف: الام.
(٦) ف: الام.
(٧) ز: أدا.
(٨) ط: الأم.
(٩) ز: ستون.
(١٠) ف: الام.
(١١) ز: تقضي.
(١٢) ف: الأب.
(١٣) ف: أم.
(١٤) ز: العالقة.
(١٥) ف: في الدية.
(١٦) ط: ابن الملاعنة.
(١٧) ز: في الثلث.
(١٨) ز: ويضرب.
(١٩) ف: مضى.
(٢٠) ز: مستقبلين.
[ ٩ / ٣٩٢ ]
الأم فيها بثلث الدية على عاقلة الأب، فيقضي بالدية مستقبلة على عاقلة الأب في ثلاث سنين، الثلث الأول لعاقلة الأم، والثلثان لأولياء الجناية. ولا يؤخذ من أولياء الجناية ما أخذوا من عاقلة الأم، ولكنه يبطل عن عاقلة الأم ما بقي، ويقضى به لأولياء الجناية محلى عاقلة الأب كما وصفت.
وكذلك ابن المكاتب من المرأة الحرة إذا مات المكاتب وترك وفاء فجنى ابنه جناية ثم أديت المكاتبة فهو بمنزلة ولد الملاعنة في جميع ما وصفت لك من هذا (^١) الوجه.
وإذا كانت المرأة حرة وهي مولاة لبني تميم تحت عبد لرجل من همدان فولدت له غلامًا فعاقلة الغلام عاقلة أمه بنو (^٢) تميم. فإن جنى جناية فلم يقض (^٣) بها القاضي (^٤) على عاقلة الأم حتى أعتق الأب فإن القاضي يحول ولاء الغلام إلى موالي (^٥) أبيه، ويجعل عاقلته عاقلة أبيه، ويقضي بالجناية التي جناها على عاقلة أمه، ولا يحولها إلى عاقلة أبيه. وكذلك لو كان الغلام حفر بئرأً قبل أن يعتق أبوه ثم عتق أبوه فإن القاضي يقضي بالدية على عاقلة الأم، ولا يجعل على عاقلة الأب من ذلك شيئًا. والخصم في ذلك - حتى تثبت الدية على عاقلة الأم - الجاني إن كان قد بلغ مبلغ الرجال. فإن كان صغيرًا فالخصم في ذلك أبوه المعتق؛ لأنه القيم بأمره. ولا يشبه هذا ابن الملاعنة ولا (^٦) ابن المكاتب الذي وصفت لك؛ لأن هذا ولاء حادث حدث بعد (^٧) الجناية، وابن الملاعنة وابن المكاتب لما ادعى ابن الملاعن أبوه وأديت المكاتبة حكمنا بأن الولد كان ولده يوم جنى، وأن المكاتب كان حرًا يوم مات يورث كما يورث الحر.
ولو أن رجلًا من أهل الحرب أسلم ووالى (^٨) رجلًا من هل الإسلام
_________________
(١) ز + من هذا.
(٢) ز: بني.
(٣) ز: يقضي.
(٤) ف - القاضي.
(٥) ط: إلى مولى.
(٦) ز + ولا.
(٧) ز:. به.
(٨) ز: وإلا.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
في دار الإسلام ثم جنى جناية عقلت (^١) عنه عاقلة الذي والاه. فإن عقلت عنه لم يقدر على أن يتحول بولائه بعد الجناية. فإن عقلت عنه العاقلة أو لم يقض (^٢) به ثم إن أباه أسر من دار الحرب فاشتراه رجل فأعتقه كان ولاؤه له، وجر ولاء ولده من الذي والاه، حتى يصير الولد مولى (^٣) لموالي أبيه. ولا يرجع عاقلة المولى الذي كان والاه على عاقلة مولى الأب بشيء؛ لأن هذا ولاء حدث جر ولاء الولد. وهذا مثل الذي أعتق أبوه وأمه مولاة لقوم آخرين في جميع ما وصفت لك.
ولو كان الابن الذي أسلم على يدي الرجل ووالاه جنى جناية فلم يقض (^٤) بها، أو حفر بئرًا فلم يقع فيها أحد، حتى أسر أبوه فاشتراه رجل فأعتقه، ثم قضي بالجناية أو وقع في البئر التي حفر رجل فمات، فإن القاضي يقضي بذلك على عاقلة الذي أسلم على يديه ووالاه، ولا يقضي بها على عاقلة مولى أبيه، والذي يلي الخصومة في ذلك الجاني وإن كان قد صار مولى لقوم آخرين.
ولو أن رجلًا من أهل الذمة أسلم فلم يوال (^٥) أحدًا حتى قتل قتيلًا خطأ فلم يقض (^٦) القاضي بذلك حتى والى رجلًا من بني تميم وعاقده فجنى جناية أخرى، ثم إن أولياء الجنايتين الأولى والآخرة رفعوا ذلك إلى القاضي، فإن القاضي يقضي بالجنايتين جميعًا (^٧) على بيت المال، ويجعل ولاءه لجماعة المسلمين، ويبطل موالاة الرجل الذي والى؛ لأنه حين جنى أول مرة فقد وجب عقل جنايته على بيت المال، فقد ثبت (^٨) ولاؤه لجماعة المسلمين، فليس له أن يجعله لإنسان واحد بعينه. وإن مات ورثة جماعة المسلمين، وجعل ميراثه في بيت مالهم.
_________________
(١) ز: علقت.
(٢) ز: لم يقضي.
(٣) ز: مالًا.
(٤) ز: يقضي.
(٥) ز: يوالي.
(٦) ز: يقضي.
(٧) ف + ويبطل.
(٨) ف: ويجعل؛ ز: بيت.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
وكذلك لو رمى بسهم أو بحجر خطأ قبل أن يوالي أحدًا فلم تقع (^١) الرمية حتى والى رجلًا وعاقده ثم وقعت الرمية فقتلت رجلًا (^٢) كان هذا والأول سواء، وكانت موالاته باطلًا.
ولو أنه حفر بئرأ في طريق المسلمين فلم يقع فيها أحد حتى والى رجلًا وعاقده، ثم وقع في البئر رجل ومات، فإن عليه في ماله دية القتيل في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي بذلك، ويكون ولاؤه للذي والاه، ولا يعقل عنه بيت المال، ولا تعقل (^٣) عنه عاقلة الرجل الذي والاه. ولا يشبه هذا ما (^٤) مضى قبله من الرمية والجناية؛ لأن البئر ليست بجناية يجب بها (^٥) أرش حتى يقع فيها الرجل فيعطب (^٦). فقد والى الرجل وليس في عنقه (^٧) جناية، فالموالاة جائزة. ولا تعقل (^٨) عنه عاقلة الرجل الذي والى، ولا يعقل عنه بيت المال؛ لأنه إن عقل عنه بيت المال رد ولاؤه إلى جماعة المسلمين ولم يكن وجب عليهم عقل ولا جناية قبل خروجه بولائه إلى هذا الرجل فيجعل جنايته في ماله.
وكذلك الرجل يسلم فيوالي رجلًا ثم يجني أو يرمي أو يحفر بئرًا ثم ينتقل بولائه إلى رجل فهو بمنزلة هذا. فما كان يكون الولاء فيه في الأول لجماعة المسلمين فهو في هذا الرجل الآخر للمولى الأول، فلا ينتقل عنه أبدًا. وأما حفر البئر فالجناية فيها عليه في ماله، وولاؤه للآخر. ألا ترى أن حافر البئر لو لم يقع في البئر أحد حتى يتحول بولائه إلى رجل آخر فوالاه وعاقده ثم جنى جنايات كثيرة كان عقلها على عاقلة المولى الآخر علم بحفر البئر أو لم يعلم؛ لأن الجناية لم تجب، ولم يجب بها عقل. أرأيتم إن عقل عنه عاقلة المولى الآخر جنايات كثيرة وعقل هو عنهم أيضًا ثم وقع في البئر
_________________
(١) ز: يقع.
(٢) ز - وعاقده ثم وقعت الرمية فقتلت رجلًا.
(٣) ز: يعقل.
(٤) ف: مما.
(٥) ط: لها.
(٦) م ف ز ط: فعطب.
(٧) ز: في عتقه.
(٨) ز: يعقل.
[ ٩ / ٣٩٥ ]
رجل أيتحول ولاؤه إلى المولى الأول أو إلى (^١) بيت المال ويبطل. هذا كله. هذا (^٢) لا يستقيم. والأمر فيه على ما وصفت لك.
فإن قال قائل: فكيف لم يشبه الولاءَ الذي (^٣) ينتقل بعتق الأب - يعني الرجلَ الذي والى رجلًا ثم يحفر بئرًا ثم يحوّل بولائه، وهذا ما لم يقض (^٤) القاضي بالجناية على العاقلتين اللتين تكون (^٥) إحداهما عاقلة له ثم يتحول إلى العاقلة الأخرى - وقد قلت (^٦): لو أن رجلًا من أهل الكوفة له عطاء بالكوفة وعاقلته أهل ديوان الكوفة جنى جناية فلم يقض (^٧) بها القاضي حتى حول الإمام ديوانه إلى أهل البصرة فصار معهم، ثم رفعه أولياء الجناية إلى القاضي، إنه يقضي بذلك على عاقلته بالبصرة؟ فكيف لم يكن الولاء المنتقل مثل هذا؟
قيل لهم: لا يشبه هذا الولاء؛ لأن الرجل انتقل من ولاء إلى ولاء، فصارت حاله (^٨) الثانية غير حالته الأولى، فصارت (^٩) حاله حالتين. فما كان في الحال الأولى من الجناية فعلى العاقلة الأولى، وما كان في الحال الثانية من الجناية (^١٠) فعلى العاقلة الثانية. وإن صاحب العاقلتين لم يتحول حاله، إنما حاله حالة واحدة، وإنما تحولت عاقلته. وإنما مثل الولاء المنتقل مثل امرأة مسلمة مولاة لبني تميم جنت جناية أو حفرت بئرًا فلم يقض (^١١) القاضي بالجناية حتى ارتدت عن الإسلام ولحقت بدار الحرب مرتدة،
_________________
(١) ف: وإلى.
(٢) ف - هذا.
(٣) ف ز ط: للذي. والتصحيح مستفاد من المبسوط، ٢٧/ ١٣٩.
(٤) ز: لم يقضي.
(٥) ز: يكون.
(٦) وفي ب جار: فكيف لا يشبه الولاء الذي ينتقل بعتق الأب وينتقل بموالاة المولى آخر بعدما حفر بئرًا لمن جنى وله عاقلة فلم يقض بالجناية حتى تحول إلى عاقلة أخرى وقد قلت …
(٧) ز: يقضي.
(٨) ز: حالت.
(٩) ز: فضارت.
(١٠) ز - من الجناية.
(١١) ز: يقضي.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
فسبيت فصارت أمة، ثم اشتراها رجل من همدان فأعتقها، ثم وقع في البئر رجل فمات، فرفع ذلك إلى القاضي، فقضى بذلك وبالجناية التي كان لم يقض (^١) بها، فإنه يقضي بذلك على بني تميم، ولا يتحول العقل عنهم بتحول ولاء المرأة إلى همدان، فصارت حال المرأة حالين (^٢) في الولاء الأول والولاء الثاني، فكذلك الولاء هو بمنزلة هذا إذا انتقل، والخصم في الجناية حتى تثبت على بني تميم المرأة أنها هي الجانية (^٣).
قالوا: فلم لا تجعل العاقلتين هكذا؟ فنقول (^٤): إذا جنى وعاقلته أهل عطاء الكوفة ثم حول إلى عطاء البصرة قبل أن يقضى فالجناية لم تتحول عن أهل الكوفة؛ لأنه جنى وهو من أهل الكوفة.
قيل لهم: لا يشبه هذا الولاء؛ لأن الرجل إذا قتل القتيل وجبت عليه نفس القتيل، فصارت عليه النفس، ولم يجب على العاقلة حتى يقضى بها ببينة (^٥). ولو كانت وجبت على العاقلة قبل أن يقضى بها عليهم ببينة لكان الرجل إذا أقر بقتل خطأ لم يجب عليه بذلك شيء؛ لأنه إنما أقر على العاقلة إلا أن يكون له معهم ديوان، فيكون عليه بالحصة. فهذا (^٦) ليس بشيء؛ لأن العقل إنما يجب على العاقلة بالبينة. أرأيتم لو أقر أنه قتل ولي هذا الرجل خطأ وأنه خاصم هذا الرجل إلى قاضي كُورَة (^٧) كذا وكذا فقامت بذلك البينة فقضى به القاضي على عاقلته من أهل ديوان الكوفة فقال ولي الجناية: صدقت قد كان هذا، وكذب بذلك العاقلة أكان يجب على الرجل في ماله شيء. ليس يجب عليه في ماله قليل ولا كثير إلا أن يكون له عطاء معهم، فيكون عليه بحصته. أفلا ترون أن الدية إنما تجب
_________________
(١) ز: لم يقضي.
(٢) ز: حالتين.
(٣) ز: الجناية.
(٤) ز: فيقول.
(٥) ز: بينة.
(٦) م ز: فلهذا.
(٧) الكُورَة: المدينة والصُّقْع، والجمع كُوَر، وقيل: الكُورَة من البلاد المِخْلاف وهي القرية من قرى اليمن. انظر: لسان العرب، "كور". والصُّقْع: الناحية من البلاد والجهة والمحلة. انظر: المصباح المنير، "صقع".
[ ٩ / ٣٩٧ ]
على العاقلة بقضاء القاضي بالبينة، وأن الإقرار منه يختلف قبل قضاء القاضي وبعده (^١).
وقد كان أبو حنيفة يقول: لو أن رجلًا قتل رجلًا خطأ فلم يقض (^٢) عليه القاضي بالدية حتى صالحه على عشرين ألف درهم، أو على مائتي بعير، أو على ألفي دينار، أو ثلاثة آلاف شاة، أو ثلاثمائة بقرة، لم يجز ذلك، ورد ذلك إلى الدية.
وكان يقول: لو قضى القاضي بألف دينار فصالح على عشرين ألف درهم كان جائزًا. وكذلك لو صالح على مائتي بعير بأعيانها كان جائزًا؛ لأنه يقول: النفس لم تصر مالًا من هذه الأموال حتى يقضي بها القاضي. أولا (^٣) ترون أيضًا لو أن رجلًا أقر عند القاضي بقتل رجل خطأ وأقام ولي الجناية عليه البينة بالدية قضينا بالدية على العاقلة، ولم نلتفت (^٤) إلى إقرار الجاني. فإن قال ولي الجناية (^٥): إني لا أعلم أن لي بينة فاقض لي عليه في ماله، فقضيت عليه بالدية في ماله مال الجاني بإقراره ثم أصاب ولي الجناية بينة وأراد أن يحول (^٦) ذلك إلى العاقلة عاقلة الجاني لم يكن له ذلك؛ لأني قضيت به في ماله فلا أحوله إلى غيره. ولو أنه أقر فقال ولي الجناية للقاضي: لا تعجل بالقضاء لي في ماله لعلي أجد بينة، فأخره (^٧) القاضي ثم وجد بينة قضى له القاضي على العاقلة. ولا يشبه قضاء القاضي على العاقلة غير قضائه؛ لأن الحق لا يلزم العاقلة إلا بالقضاء.
قالوا: هذا كما تقول (^٨)، لا يلزم العاقلة العقل إلا بالقضاء (^٩). والولاء المنتقل لا يلزم العاقلة (^١٠) العقل فيه إلا بالقضاء. ولكنك تقضي به على
_________________
(١) ف: أو بعده.
(٢) ز: يقضي.
(٣) ز: ألا.
(٤) ز: يلتفت.
(٥) ز + عليه البينة بالدية على العاقلة ولم نلتفت إلى إقرار الجاني فإن قال ولي الجناية.
(٦) ف: أن يتحول.
(٧) ز: فأجزه.
(٨) ز: يقول.
(٩) ف - قالوا هذا كما تقول لا يلزم العاقلة العقل إلا بالقضاء.
(١٠) ز - العاقلة.
[ ٩ / ٣٩٨ ]
الأولين، فكيف لم تقض (^١) بهذا على الأولين وتجعله مثل الولاء المنتقل؟ فأما الولاء المنتقل فقد وضح بالمرأة المرتدة، فاجعل هذا بمنزلة ذلك.
قيل لهم: هذا لا يشبه ذلك. أرأيتم رجلًا من أهل البادية حفر بئرًا في البادية ثم إن الإمام أمر بأهل البادية فنقلوا إلى الأمصار، فتفرقوا فيها، فصاروا أصحاب أَعْطِيَة، وعقلوا زمانًا طويلًا، ثم إن رجلًا وقع في تلك البئر، أيعود العقل إلى أن يكون على أهل البادية كما كان على الأنساب في الأموال، وتكون عليهم الإبل إن كانوا من أهل الإبل أو من أهل الغنم أو من أهل البقر دون الأَعْطِيَات وهي الدراهم والدنانير. أرأيتم إن كان (^٢) رجل من أهل العطاء في مصر من الأمصار فحفر بئرًا ثم إن الإمام أبطل عطاء ذلك المصر وردهم إلى أنسابهم، فتعاقلوا عليها (^٣) زمانأ طويلًا، ثم وقع في البئر رجل فمات، أيبطل دمه لأن تلك العاقلة قط بطلت حين ذهب الديوان. إن العاقلة إنما جعلوا عونًا للرجل على جنايته، ولم تجن (^٤) العاقلة شيئًا. فإنما يكون ذلك عليهم يوم يجب المال الذي ينبغي لهم أن يعينوا فيه. والرجل لم يخرج من نسبه ولم يتحول إلى غير ذلك، إنما جعلت عاقلته قومًا، ثم صرفت تلك العاقلة بعينها إلى عاقلة أخرى.
وأنا (^٥) أقول أيضًا أشد من هذا (^٦): لو أن أهل عطاء الكوفة جنى رجل منهم جناية فقضي بها على عاقلته، ثم أُلحق قومٌ (^٧) من قومه من أهل البادية ومن أهل المصر لم يكن لهم عطاء في الديوان، وجعلوا مع قومهم، عقلوا معهم، ودخلوا معهم فيما لم يقض (^٨) به من الجناية وفيما قضي به، فإن كان الذي قضي به قد أدى بعضه دخلوا فيما بقي.
قالوا: وكيف أفترق هذا والعاقلتان المختلفتان (^٩) في قضاء القاضي؟
_________________
(١) ز: لم يقضي.
(٢) ف: لو كان.
(٣) م ط: عليهم.
(٤) ز: تجني.
(٥) ز: وإنما.
(٦) ف: من ذلك.
(٧) ط: قوما.
(٨) ز: لم يقضي.
(٩) ز: المختلقتان.
[ ٩ / ٣٩٩ ]
قيل لهم: لا يشبه قضاء القاضي في العاقلتين (^١) العاقلة الواحدة. ألا ترى أن القاضي لو قضى بالعقل على قومه من أهل العطاء، فأدوا ثلثي الدية، ثم ماتوا أو قتلوا (^٢)، فأجحف [بهم] (^٣) أخذ ما بقي منهم، ضم (^٤) إليهم أقرب القبائل منهم في النسب ممن في العطاء حتى يعقلوا معهم، وقد كانوا قبل ذلك ليسوا معهم. وكذلك الذين ألحقوا في الديوان وجعلوا معهم يدخلون معهم فيما قضي به وفيما (^٥) لم يقض (^٦) به؛ لأنها عاقلة واحدة.
وأصل هذا (^٧): إذا كانت عاقلتان مختلفتان (^٨) لا تعقل (^٩) إحداهما عن صاحبتها فانتقل (^١٠) من عاقلة إلى عاقلة قبل القضاء، فرفع إلى القاضي وهو من أهل هذه العاقلة الآخرة، قضى على عاقلته الذين هم عاقلته يوم يقضي. فإن كان قد قضى على الأولين لم يحول قضاؤه على الآخرين وقد لزم الأولين. وهذا بمنزلة إقرار الرجل إذا قضي عليه في ماله لم يتحول على العاقلة ببينة (^١١) تقوم على ذلك. وما لم يقض (^١٢) به القاضي في مال المقر فإن ولي الجناية إن أقام البينة قضى بذلك القاضي على العاقلة. وإذا كانت عاقلة واحدة فالقضاء فيها وغير القضاء سواء، يقضي بذلك عليهم في أعطياتهم الذين ألحقوا وغيرهم.
ومما يُبَيِّن (^١٣) لك أيضًا أمر (^١٤) العاقلتين أن رجلًا لو جنى جناية وهو وقومه من أهل البادية من أهل الإبل فلم يقض بالجناية حتى نقل الإمام الرجل وقومه نجعلوا أهل عطاء وجعل (^١٥) عطاءهم
_________________
(١) ز - العاقلتين.
(٢) ز: وقلوا.
(٣) الزيادة من ب جار.
(٤) ز: ضمن.
(٥) ف: ومما.
(٦) ز: لم يقضى.
(٧) ز: ذلك.
(٨) ز: عاقلتين مختلفتين.
(٩) ز: لا يعقل.
(١٠) م ف ز ط: أتعقل. والتصحيح من ب جار.
(١١) ف ز: بينة.
(١٢) ز: لم يقضى.
(١٣) ط: تبين.
(١٤) م ف ز ط: من. وفي ب جار: يوضح ذلك أن رجلًا لو جنى …
(١٥) ز: وجعلوا.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
الدنانير، ثم رفع ذلك إلى القاضي، فقضى عليهم بالدية ألف دينار، ولم يقض عليهم بالإبل ولا بقيمة الإبل. ولو كان قضى عليهم بالإبل بمائة في ثلاث سنين ثم إن الإمام نقل الرجل وقومه ففرض لهم وجعلوا أهل عطاء وجعلت أعطياتهم الدنانير قضى القاضي عليهم بالإبل أو بقيمتها على حالها التي كانت عليه. فإن لم يكن لهم مال (^١) غير العطاء أخذ منهم قيمة الإبل من أعطياتهم إن قلت قيمة الإبل أو كثرت ولم يحولهم إلى الدنانير.
وكذلك الدراهم والغنم والبقر والحلل إذا لم يقض (^٢) القاضي بذلك حتى يتحولوا من مال إلى مال آخر قضي عليهم بالدية من المال الذي تحولوا إليه.
وإذا قضى عليهم بالدية من مال ثم تحولوا قبل أن يؤدوها حتى يصيروا أهل مال آخر لم يتحولوا (^٣) إلى غير ما قضى به عليهم. أفلا ترى (^٤) أن النفس إنما هي على الجاني، ولم تصر على العاقلة حتى يقضي بها عليهم على حالهم يوم يقضي، فكذلك الأول. وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه في قياس (^٥) قول أبي حنيفة وقول محمد بن الحسن.
[هذا آخر كتاب أبي نصر زكريا بن يحيى [في] (^٦) المعاقل (^٧). وهذا الباقي زيادة في كتاب ابن سنان:] (^٨).
قال محمد بن الحسن: ولو أن رجلًا من أهل الذمة أسلم فوالى رجلًا وعاقده كان مولاه. فإن جنى المولى الذي أسلم جناية (^٩) خطأ ببينة (^١٠) فلم
_________________
(١) ط - مال.
(٢) ز: لم يقضي.
(٣) ف ز: لم يحولوا.
(٤) ز: ترون.
(٥) ف - قياس.
(٦) الزيادة من ط.
(٧) ف: المعاقلي.
(٨) لعل هذا من كلام الرواة أو الناسخين للكتاب. وقد بحثنا عن ترجمة للراويين المذكورين، فلم نستطع تعيينهما تماما. وانظر المقدمة.
(٩) ز: الجناية.
(١٠) ز: بينه.
[ ٩ / ٤٠١ ]
يقض (^١) بها القاضي على (^٢) العاقلة (^٣) حتى أبرأ (^٤) أولياء المجني عليه الجاني من الجناية فللجاني أن يتحول بولائه عن الذي والى. [وإن] (^٥) كان القاضي قضى على العاقلة بالدية فلم يؤدوها حتى أبرأ (^٦) الأولياء العاقلة من الدية لم يكن للمولى أن يتحول بولائه عن الذي والى؛ لأن المال لما صار على العاقلة كان أخذه منهم وهبته لهم سواء، ولذلك (^٧) لم يكن له أن يتحول بولائه عن الذي والى.
ولو أقر الجاني بالجناية إقرارًا (^٨) ولم يقم بينة بها فقضى بها القاضي على الجاني في ماله في ثلاث سنين فأداها ثم أراد أن يتحول بولائه عن الذي والاه فله أن يتحول؛ لأن العاقلة لم تعقل عنه شيئًا ولم يجب عليها بجنايته شيء. ولو لم يجن (^٩) ولكنه التحق معهم في ديوانهم، فصار العاقلة معهم، فجنى بعضهم جناية، فعقل عنهم معهم، ثم أراد أن يتحول بولائه عنهبم فليس له أن يتحول بولائه عنهم. ألا ترى أن مولاه الذي والاه ليس يحوله (^١٠) إذا عقل عنهم، فكذلك ليس له أن يتحول. ألا ترى أن المولى لو عقل عنه (^١١) لم يكن له أن يحوله عنه (^١٢) بولائه كما ليس له أن يتحول، وقد كان لكل واحد منهما قبل العقل أن يحول الولاء عن صاحبه. فإذا لم يكن لأحدهما أن يحول الولاء لم يكن للآخر أن يحوله، وإذا كان لأحدهما أن يحول الولاء كان للآخر أن يحوله.
وقد قال (^١٣) أبو حنيفة: إذا والى الرجل رجلًا وعاقده فلكل (^١٤) واحد
_________________
(١) ز: يقضي؛ ز + عليه.
(٢) ز - القاضي على.
(٣) ز: القاقلة.
(٤) ز: أبري.
(٥) من ط. وفي ب جار: ولو.
(٦) ز: أبري.
(٧) ط: وكذلك.
(٨) ز: إقرار.
(٩) ز: يجني.
(١٠) ز: تحوله.
(١١) ز: عنهم.
(١٢) ف - فكذلك ليس له أن يتحول ألا ترى أن المولى لو عقل عنه لم يكن له أن يحوله عنه.
(١٣) ف: وقال.
(١٤) ز: فكل.
[ ٩ / ٤٠٢ ]
منهما أن يحول الولاء عن نفسه ما لم يعقل المولى الأسفل. وكذلك قال أبو يوسف ومحمد. وقالا: ليس لواحد منهما أن يخرج من ولاء صاحبه إلا بمحضر منه إلا في خصلة واحدة: المولى (^١) الأسفل إن والى غير مولاه الأعلى كان خارجًا من ولاء الأول وإن لم يحضر ذلك الأول. وهذا ما لم يعقل عن المولى الأسفل أو يعقل الأسفل عن مولاه الأعلى. فإذا عقل أحدهما عن صاحبه أو معه لم يكن لواحد منهما أن يحول الولاء عن صاحبه. ولكن المولى الأسفل لو اكتتب مع عاقلة الأعلى في الديوان وأخذ معهم العطاء، إلا أنه لم يعقل عن أحد منهم ولا هم أيضًا عقلوا عنه، فلكل (^٢) واحد من الموليين أن يحول الولاء؛ لأن العقل لم يجب على واحد منهما (^٣).
_________________
(١) م ف ط: للمولى؛ ز: فللمولى. وانظر: المبسوط، ٨/ ٩٧. وقد ذكر الإمام محمد هذه المسألة في كتاب الولاء أيضًا. انظر: ٤/ ١٥٢ ظ.
(٢) ز: فكل.
(٣) م + آخر كتاب العقل والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله كتبه أبو بكر بن محمد بن أحمد الطلحي الأصفهاني في صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ ف + آخر كتاب العقل والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين؛ ز + آخر كتاب العقل والحمد لله وحده تم.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)