وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ وَيَكُونَ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ،
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] عَمَلُ الْقَلْبِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، وَذِكْرُهَا بِاللِّسَانِ سُنَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ ; وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلشُّرُوعِ: أَيْ مُخَالِطًا لِلتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي جَمَاعَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى نِيَّتِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا نَوَى، ثُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ يَكْفِيهِ نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعَيِّنُ الْفَرْضَ، وَفِي الْوَقْتِيَّةِ يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ ظَهْرَ الْوَقْتِ. (وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ) أَوْ يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ. [بَابُ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ] ِ قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْشَعَ فِي صَلَاتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] «وَكَانَ - ﷺ - إِذَا صَلَّى كَانَ لِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ» . (وَيَكُونُ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - ﵊ - كَانَ لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ فِي صَلَاتِهِ مَوْضِعَ سُجُودِهِ تَخَشُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى»، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ مِنْ إِرْسَالِ الطَّرْفِ يَمِينًا وَشِمَالًا. قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَقَالَ - ﵊ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ»، وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِنِ افْتَتَحَ بِلَفْظٍ آخَرَ يَشْتَمِلُ عَلَى الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ أَوْ بِاسْمٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ الْأَكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، اللَّهُ كَبِيرٌ، إِلَّا أَنْ لَا يُحْسِنُهُ ; لِأَنَّ الْمُتَوَارَثَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَفْعَلُ وَفَعِيلٌ سَوَاءٌ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى. وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] نَزَلَتْ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَقَدِ اعْتَبَرَ مُطْلَقَ الذِّكْرِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ. وَلَوِ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَوِ الرَّحْمَنُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوُجُودِ الذِّكْرِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ الصِّفَةَ كَقَوْلِهِ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَمَعْنَاهُ: يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ خَلَفٌ عَنِ النِّدَاءِ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْظِيمٍ خَالِصٍ، وَلَوِ افْتَتَحَ الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ بِالنِّيَّةِ جَازَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ
[ ١ / ٤٨ ]
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحَاذِيَ إِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ (ف) أُذُنَيْهِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا (ف) فِي تَكْبِيرَةٍ سِوَاهَا، ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ (ف) وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ (سف) اللَّهُمَّ إِلَى آخِرِهِ، وَيَتَعَوَّذُ
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] الْمَأْمُومُ مُقَارِنًا لِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ، وَفِي السَّلَامِ بَعْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَالْمُسَارَعَةُ إِلَيْهِ أَفْضَلُ، وَالسَّلَامُ خُرُوجٌ مِنْهَا، فَالْإِبْطَاءُ أَفْضَلُ، وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ وَهُوَ السُّنَّةُ، وَلِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ كُفْرٌ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ. قَالَ: (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِيُحَاذِي إِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ فَارْفَعْ يَدَيْكَ حِذَاءَ أُذُنَيْكَ»، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَهُمَا مَنْصُوبَتَيْنِ حَتَّى تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَعَ الْكَفِّ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَلَا يُفَرِّجُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَهَكَذَا تَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ. (وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي تَكْبِيرَةٍ سِوَاهَا) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ»، وَذَكَرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ، وَأَرْبَعًا فِي الْحَجِّ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» وَالْمَرْأَةُ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَيَقْبِضُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى كُلَّمَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ، وَهَكَذَا فِي تَكْبِيرَةِ الْقُنُوتِ وَالْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ قِيَامٌ مُمْتَدٌّ كَالْقِرَاءَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - الْإِرْسَالَ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِنَا - ﵏ -، لِأَنَّهَا قَوْمَةٌ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا كَمَا بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ يُرْسِلُهُمَا لِأَنَّ الْوَضْعَ لَا يُفِيدُ لِتَتَابُعِ التَّكْبِيرَاتِ. قَالَ: (وَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَى آخِرِهِ) وَزَادَ مُحَمَّدٌ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - إِلَى آخِرِهِ ; لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِهِمَا فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَلَهُمَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَبَّرَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قَرَأَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ» إِلَى آخِرِهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄ -. وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ التَّوَجُّهِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا شُرِعَ التَّسْبِيحُ نُسِخَ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ: «رَكَعَ لَكَ ظَهْرِي»، وَفِي السُّجُودِ: «سَجَدَ لَكَ وَجْهِي»، فَلَمَّا نَزَلَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] " جَعَلُوهُ فِي الرُّكُوعِ وَنَزَلَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فَجَعَلُوهُ فِي السُّجُودِ وَنُسِخَ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. قَالَ: (وَيَتَعَوَّذُ) إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أَيْ إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَتَعَوَّذُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَعَوَّذُ ; لِأَنَّ التَّعَوُّذَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَهُوَ لِلصَّلَاةُ عِنْدَهُ فَإِنَّ التَّعَوُّذَ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ عَنِ الْخَلَلِ
[ ١ / ٤٩ ]
وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُخْفِيهَا (ف)، ثُمَّ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَقْرَأُ (ف)، وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ وَيُخْفِيهَا (ف)،
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] الْوَاقِعِ فِيهَا بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَالصَّلَاةُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَفْعَالِ فَكَانَتْ أَوْلَى. وَعِنْدَهُمَا الِافْتِتَاحُ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصِّ وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ لِلْقَضَاءِ يَتَعَوَّذُ عِنْدَهُمَا لِحَاجَتِهِ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَعِنْدَهُ لَا لِأَنَّهُ تَعَّوَذَ بَعْدَ الثَّنَاءِ. وَفِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَتَعَوَّذُ الْإِمَامُ عِنْدَهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ، وَيُخْفِي التَّعَوُّذَ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -: «خَمْسٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ: التَّعَوُّذُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالتَّأْمِينُ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَالتَّشَهُّدُ» . قَالَ (وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَؤُهَا. قَالَ: (وَيُخْفِيهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانُوا يُخْفُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ -: «أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَجْهَرُ بِهَا فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ، صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]» . قَالَ: (ثُمَّ إِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْأَوَّلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالْمُتَوَارَثُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَيُخْفِي فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ»، وَلِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ. (وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إِنْ شَاءَ جَهَرَ) لِأَنَّهُ إِمَامُ نَفْسِهِ. (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّى خَلْفَهُ صُفُوفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» . قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا لَا يَقْرَأُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - ﵄ - وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً حِينِ كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَهُ - ﵊ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، وَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَأْمُومًا فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا قِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ» . (وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: آمِينَ، وَيَقُولُهَا الْمَأْمُومُ وَيُخْفِيهَا) قَالَ - ﷺ -: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ - فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا» . وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْإِخْفَاءَ، وَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ
[ ١ / ٥٠ ]
فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ وَرَكَعَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ، وَلَا يَرْفَعُ رَأَسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (سم ف)، ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ.
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -. قَالَ: (فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ) «لِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» . قَالَ: (وَرَكَعَ) «لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ»، وَالرُّكُوعُ يَتَحَقَّقُ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْحِنَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ إِلَى حَالِ الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ إِلَى حَالِ الرُّكُوعُ أَقْرَبَ جَازَ. قَالَ: (وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ) لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِأَنَسٍ - ﵁ -: «إِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَفَرِّقْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ»، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي أَخْذِ الرُّكْبَةِ. (وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ) لِأَنَّهُ - ﷺ -: «كَانَ إِذَا رَكَعَ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحُ مَاءٍ لَاسْتَقَرَّ» . (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) كَمَا فَعَلَ - ﷺ -، وَلِنَهْيِهِ عَنْ تَدْبِيحٍ كَتَدْبِيحِ الْحِمَارِ ". (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ وَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ»، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ التَّطْوِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْفِيرِ الْجَمَاعَةِ. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أَوِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَبِهِمَا وَرَدَ الْأَثَرُ، وَلَا يَجْمَعُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَا: يَجْمَعُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَارِكًا مَا خَصَّ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لَنَا ذِكْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمَأْمُومُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، قَسَّمَ الذِّكْرَيْنِ بَيْنَهُمَا فَيُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَتَى بِالتَّحْمِيدِ يَتَأَخَّرُ عَنْ قَوْلِ الْمَأْمُومِ فَيَصِيرُ الْإِمَامُ تَبَعًا وَلَا يَجُوزُ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لَا غَيْرَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ: بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ. (ثُمَّ يُكَبِّرُ) كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَنْفِ جَازَ وَقَدْ أَسَاءَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إِسَاءَةَ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ
[ ١ / ٥١ ]
وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ (زف)، وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ، وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَجْلِسُ، فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَنْهَضُ (ف) قَائِمًا وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا الِاسْتِفْتَاحَ وَالتَّعَوُّذَ،
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْوَجْهِ، وَالْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ»، وَلَهُمَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَكِّنْ جَبْهَتَكَ وَأَنْفَكَ مِنَ الْأَرْضِ»، وَلَهُ أَنَّ الْأَنْفَ مَحَلُّ السُّجُودِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ السُّجُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُذْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَمَا جَازَ كَالْخَدِّ وَالذَّقَنِ، فَإِذَا سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ يَكُونُ سَاجِدًا، فَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ السُّجُودِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَلِأَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عَظْمٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ السُّجُودُ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ يَجُوزُ فَكَذَا الْآخَرُ. قَالَ: (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) هَكَذَا نُقِلَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. (وَيُبْدِي ضَبُعَيْهِ، وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُجَافِي فِي سُجُودِهِ حَتَّى إِنَّ بَهْمَةً لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ لَمَرَّتْ» . (وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ) «لِنَهْيِهِ - ﷺ - عَنِ افْتِرَاشِ الثَّعْلَبِ» . (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ «لَمَّا نَزَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ - ﷺ -: " اجْعَلُوهُ فِي سُجُودِكُمْ» . (وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهُ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «إِنَّهُ - ﵊ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا»، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَالْعِرْزَالِ، جَازَ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْحَشِيشِ وَالْقُطْنِ إِنْ وُجِدَ حَجْمُهُ بِجَبْهَتِهِ كَالطَّنْفَسَةِ وَاللِّبَدِ وَالْحَصِيرِ جَازَ. (ثُمَّ يُكَبِّرُ) لِمَا بَيَّنَّا. (وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَجْلِسُ) وَالْوَاجِبُ مِنَ الرَّفْعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْفَصْلُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقُعُودِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. (فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَسْتَوِيَ جَالِسًا» . (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَنْهَضُ قَائِمًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» . قَالَ: (وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) «لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِرِفَاعَةَ: " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» . قَالَ: (إِلَّا الِاسْتِفْتَاحَ) لِأَنَّ مَحَلَّهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ. (وَالتَّعَوُّذَ) لِأَنَّهُ لِابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُشْرَعَا إِلَّا مَرَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ لَيْسَ بِفَرْضٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَرْضٌ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِتْمَامُ الْقِيَامِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
[ ١ / ٥٢ ]
فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ.
وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ (ف) وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (ف)، وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] لَهُ «قَوْلُهُ - ﷺ - لِأَعْرَابِيٍّ حِينَ أَخَفَّ صَلَاتَهُ: " أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] . وَالطُّمَأْنِينَةُ دَوَامٌ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ عَلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا حَتَّى يَجِبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهَيًا; وَقِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ. قَالَ: (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) هَكَذَا حَكَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَعَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي التَّشَهُّدِ. (وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)، وَهُوَ تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، لِمَا رُوِيَ: " أَنَّ حَمَّادًا أَخَذَ بِيَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَقَالَ: أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَّمَهُ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِ عَلْقَمَةَ وَعَلَّمَهُ، «وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، فَقَالَ: قُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ»، إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ أَخْذَهُ بِيَدِهِ وَأَمْرَهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ. وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي التَّشَهُّدِ أَحْسَنُ مِنْ إِسْنَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ; وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ وَاوِ الْعَطْفِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الثَّنَاءِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَتَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - ثَنَاءٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ صِفَةٌ لِبَعْضٍ، وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ، وَقِيلَ: هِيَ وَاجِبَةٌ حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِهَا سَاهِيًا سُجُودُ السَّهْوِ، وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِيهَا سُنَّةٌ; وَقِيلَ: وَاجِبٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَوْجَبَ سُجُودَ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ، وَلَا يَجِبُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ. قَالَ: (وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» . (ثُمَّ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ
[ ١ / ٥٣ ]