وَهُوَ وَاجِبٌ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي جَمَاعَاتِ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ (سم) مِنْ عَقِيبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَقِيبِ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ.
بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ - ﵇ - أَنَّ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، لَمَّا أَخَذَ فِي مُقَدَّمَاتِ الذَّبْحِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ - ﵇ - بِالْفِدَاءِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا خَافَ عَلَيْهِ الْعَجَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَهُ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْفِدَاءِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَ الذَّبِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَصَارَتْ سُّنَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: (وَهُوَ وَاجِبٌ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فِي جَمَاعَاتِ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ بِالْأَمْصَارِ) أَمَّا الْوُجُوبُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . قِيلَ: الْمُرَادُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ. وَقَوْلُهُ - ﵊ -: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا فِطْرَ، وَلَا أَضْحَى إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» . وَالتَّشْرِيقُ: هُوَ التَّكْبِيرُ نَقْلًا عَنِ الْخَلِيلِ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ; وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - نَفَاهُ ثُمَّ أَوْجَبَهُ، وَمِثْلُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الشَّرَائِطِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُؤَدِّيهَا ; وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ خِلَافُ الْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ الْإِخْفَاءُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وَقَالَ - ﵊ -: «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، وَالسُّنَّةُ وَرَدَتْ بِالْجَهْرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهَا عَلَى الْأَصْلِ وَيَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ إِذَا اقْتَدَيْنَ بِالرَّجُلِ، وَالْمُسَافِرِ إِذَا اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ تَبَعًا. قَالَ: (مِنْ عَقِيبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوَّلَ أَيَّامِ النَّحْرِ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ) وَقَالَا: إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَمَذْهَبُهُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِخْفَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْأَقَلِّ جَهْرًا أَوْلَى. وَلَهُمَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا الْوُجُوبُ، وَقِيلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. [بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] ِ (وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةً أَمَامَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً:
[ ١ / ٨٨ ]
إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَرَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ فَيُصَلِّي بِهِمْ بَاقِيَ الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُولَى فَيُتَمِّمُونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ وَيُسَلِّمُونَ. وَمَنْ قَاتَلَ أَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَاشِيًا، وَخَوْفُ السَّبُعِ كَخَوْفِ الْعَدُوِّ.
_________________
(١) [الاختيار لتعليل المختار] إِنْ كَانَ مُسَافِرًا)؛ لِأَنَّهَا شَطْرُ صَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَجْرِ. (وَرَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَ مُقِيمًا) لِأَنَّهُمَا الشَّطْرُ. (وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ) لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّنْصِيفَ فَكَانُوا أَوْلَى لِلسَّبْقِ. (وَتَمْضِي إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] . (فَيُصَلِّي بِهِمْ بَاقِيَ الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ. (وَيَذْهَبُونَ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُولَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ، وَيَتَحَرَّوْنَ أَنْ يَقِفُوا مِقْدَارَ مَا وَقَفَ الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُمْ خَلْفَهُ. (وَيُسَلِّمُونَ وَيَذْهَبُونَ) وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ. (وَيُسَلِّمُونَ) هَكَذَا رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَوْ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ أَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ كَالْمُنْفَرِدِ فَلَمْ يَبْقَوْا فِي حُكْمِ الْإِمَامِ. قَالَ: (وَمَنْ قَاتَلَ أَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ كَثِيرٌ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - شُغِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ حَتَّى قَضَاهَا لَيْلًا، وَقَالَ: «مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمُ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى» وَلَوْ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَ الْقِتَالِ لَمَا أَخَّرَهَا؛ لِأَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَ بَعْدَ شَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَهِيَ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ لِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلْأُصُولِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ صَلَّوْهَا بِطَبَرِسْتَانَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا. قَالَ: (فَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَعَدَمُ التَّوَجُّهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَلَا يَسَعُهُمْ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُمُ الصَّلَاةُ ; وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ لِلرَّاكِبِ إِذَا كَانَ طَالِبًا، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩] إِشَارَةً إِلَيْهِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ لَا يَخَافُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِجَمَاعَةٍ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَطَرِ فِي بَابِ الْمَرِيضِ، وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُخَالَفَةِ فِي الْمَكَانِ. (وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَاشِيًا) لِأَنَّ الْمَشْيَ فِعْلٌ كَثِيرٌ. قَالَ: (وَخَوْفُ السَّبُعِ كَخَوْفِ الْعَدُوِّ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا
[ ١ / ٨٩ ]