(قَوْلُهُ: وَيَجْمَعُ مَعَ الْغَسْلِ) أَيْ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَهَذِهِ هِيَ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ، وَإِنْ شَدَّهَا بِلَا وُضُوءٍ)؛ لِأَنَّ
_________________
(١) [منحة الخالق] حَمْلُ قَوْلِهِ لَوْ ظَهَرَ أُمْكِنَ غَسْلُهُ إلَخْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلِّ الْجَبِيرَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ قَاضِي خَانْ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ: لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ التَّفْصِيلَ مَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى أَثَرِ عَلِيٍّ - ﵁ - بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَكْسُورَ لَا يَضُرُّهُ الْغَسْلُ فَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْجَهُ (قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ هُوَ الْوُجُوبُ) مُفَادُهُ أَنَّ خِلَافَهُ خَطَأٌ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِي التَّعْبِيرَانِ يَقُولُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْوُجُوبُ وَفِي قَوْلِهِ وَقَوْلُهُ الْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُبْتَغَى الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَيْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَالْمَسْحُ لَا بَدَلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرَّأْسِ إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ فَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ جَبِيرَةٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَسْحُ لَا بَدَلَ لَهُ.
[ ١ / ١٩٦ ]
فِي اعْتِبَارِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَجًا؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَقَطَ وَانْتَقَلَ إلَى الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ وَهَذِهِ هِيَ الثَّالِثَةُ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ دُونَ يَجِبُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ
(قَوْلُهُ: وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ كَانَ تَحْتَهَا جِرَاحَةٌ أَوْ لَا) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى أَنَّ اسْتِيعَابَ مَسْحِ الْعِصَابَةِ وَاجِبٌ، وَكَذَا الْجَبِيرَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ فِي رِوَايَةِ الِاسْتِيعَابِ شَرْطٌ وَفِي رِوَايَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْأَكْثَرِ يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا فِي الصَّحِيحِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إفْسَادِ الْجِرَاحَةِ اهـ.
فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي الْمَتْنِ وَيَمْسَحُ عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّانِيَةُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ الْعِصَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ تَحْتَ جَمِيعِهَا بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ تَحْتَ بَعْضِهَا جِرَاحَةٌ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ إذَا زَادَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ إنْ كَانَ حَلُّ الْخِرْقَةِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَضُرُّ بِالْجِرَاحَةِ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّ بِالْجُرْحِ لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُ الْخِرْقَةِ بَلْ يَغْسِلُ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْخِرْقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ وَلَا يَضُرُّهُ الْحَلُّ يَمْسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَيَغْسِلُ حَوَالَيْهَا وَتَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ إذْ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا اهـ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا ضَرَّهُ الْحَلُّ لَا الْمَسْحُ لِظُهُورِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ضَرَرَ الْحَلِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ضَرَّهُ الْمَسْحُ مَعَهُ أَوْ لَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِرَاحَةِ وَغَيْرِهَا كَالْكَيِّ وَالْكَسْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ فِي مَوْضِعٍ لَوْ زَالَ عَنْهُ الْجَبِيرَةُ أَوْ الرِّبَاطُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشُدَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالرِّبَاطُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَا يَعْرَى إطْلَاقُهُ عَنْ بَحْثٍ، فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ فِي شَدِّهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ قَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَيَمْسَحُ عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ بَعْضِهَا جِرَاحَةٌ إنْ ضَرَّهُ الْحَلُّ وَشَمَلَ كَلَامُهُ عِصَابَةَ الْمُفْتَصِدِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ تَسْتُرْهُ الْعِصَابَةُ بَيْنَ الْعِصَابَةِ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهَا بَادِيَةٌ اهـ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا وَيَكْفِيهِ الْمَسْحُ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ غَسْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ رُبَّمَا تَبْتَلُّ جَمِيعُ الْعِصَابَةِ وَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ إلَى مَوْضِعِ الْفَصْدِ فَيَتَضَرَّرُ وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى، وَإِذَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَوْضِعَ الْفَصْدِ قَدْ انْسَدَّ يَلْزَمُهُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ اهـ.
وَفِي إمَامَةِ الْمُفْتَصِدِ بِغَيْرِهِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ عَلَى الْفَوْرِ وَيَؤُمُّ بَعْدَ زَمَانٍ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ اخْتِيَارُ الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً
_________________
(١) [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ دُونَ يَجِبُ إشَارَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ الْجَوَازِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَتَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يُرَجِّحْهُ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْت مَعَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ كَالْغَسْلِ عَلَى مَا مَرَّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُنْيَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّهُ جَازَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُنْيَةِ بِالْجَوَازِ الْحِلَّ وَعَدَمَ الْإِثْمِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا فَرْضًا فَهُوَ قَدْ صَحَّحَهُ كَمَا تُشْعِرُ بِهِ عِبَارَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهِ الصِّحَّةَ وَتَفْرِيغَ الذِّمَّةِ فِي الدُّنْيَا الصَّادِقِ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا فَقَدْ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ هَذَا حَيْثُ جَعَلَ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ أَيْ عَبَّرَ بِالْجَوَازِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ لَاحْتَمَلَ التَّأْوِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْفَرْضُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَا نُسَلِّمُ مُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ كَالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْغَسْلَ فَرْضٌ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَتَشْبِيهُهُ بِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا كَمَا حَمَلَهُ هُوَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: هَذَا الْعُمْرِيُّ غَرِيبٌ إذْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ كَمَا تَرَى اعْتَبَرَ الضَّرَرَ فِي الْحَلِّ وَالْغَسْلِ لَا فِي الْحَلِّ فَقَطْ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ دَائِرٌ مَعَ الضَّرَرِ وَعَدَمُهُ مَعَ عَدَمِهِ وَعَلَيْهِ تَتَخَرَّجُ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ اهـ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُحِيطِ أَنَّ الْمُرَادَ إنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْعُدُولُ إلَى الْغَسْلِ يَضُرُّ يَمْسَحُ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ الضَّرَرَ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَلِّ وَالْغَسْلِ لَقَالَ يَضُرَّانِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ يَضُرُّ بِالْإِفْرَادِ كَمَا تَقُولُ إنْ كَانَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو يَضْرِبَانِ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ قَالَ مَا نَصُّهُ التَّحْقِيقُ مَا فِي الْبَحْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إفْرَادُهُ الضَّمِيرَ فِي يَضُرُّ وَلَوْ اُعْتُبِرَ الضَّرَرُ فِيهِمَا لَثَنَّى وَإِطْلَاقُهُ عَنْ اعْتِبَارٍ وَعَدَمُهُ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَوْ اُعْتُبِرَ الضَّرَرُ فِي الْحِلِّ وَالْمَسْحِ لَكَانَ غَرِيبًا كَمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا قِرَانُ الْغَسْلِ مَعَهُ فَلَا يُنَافِيهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِ الْفَتْحِ لَا الْمَسْحِ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى رَبْطِهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَرْبِطُهَا اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا فَقَالَ يَنْبَغِي إلَخْ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ
[ ١ / ١٩٧ ]
أَوْ عِلْكًا أَوْ أَدْخَلَ جِلْدَهُ مَرَارَةً أَوْ مَرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ نَزْعُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ بِأَعْضَائِهِ شُقُوقٌ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَغَسَلَ مَا حَوْلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُغْرِبِ الشُّقَاقُ بِالضَّمِّ تَشْقِيقُ الْجِلْدِ وَمِنْهُ طَلَى شِقَاقَ رِجْلِهِ، وَهُوَ خَاصٌّ وَأَمَّا الشَّقُّ لِوَاحِدِ الشُّقُوقِ فَعَامٌّ.
(قَوْلُهُ:، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ، وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ الْمَسْحُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّقُوطُ عَنْ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لِلْمَسْحِ وَالْبُرْءُ خِلَافُ السُّقُمِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَتَمَامُ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ، فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ غَسَلَ مَوْضِعَ الْجَبِيرَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْاِثْنَي عَشْرَ الْآتِيَةِ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقُعُودِ غَسَلَ مَوْضِعَهَا وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى الشُّرُوعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرَعَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا حَتَّى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَضَى عَلَيْهَا وَلَا يَسْتَقْبِلُ؛ وَلِهَذَا إذَا أَعَادَهَا أَوْ غَيْرَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ والْوَلْوَالِجِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْأُولَى كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ يَضُرُّهُ إمْسَاسُ الْمَاءِ فَعَصَبَهُ بِعِصَابَتَيْنِ وَمَسَحَ عَلَى الْعُلْيَا ثُمَّ رَفَعَهَا قَالَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِصَابَةِ الْبَاقِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الْخُفَّيْنِ وَالْجُرْمُوقَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَمْسَحَ اهـ.
لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَبْطُلُ عِنْدَهُمَا اهـ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا إذَا بَرِئَ مَوْضِعُ الْجَبِيرَةِ وَلَمْ تَسْقُطْ قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْفِقْهِ إذَا بَرَأَ مَوْضِعُ الْجَبَائِرِ وَلَمْ تَسْقُطْ وَذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ لِلتَّقِيِّ الْكَرَابِيسِيِّ أَنَّهُ بَطَلَ الْمَسْحُ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ إزَالَتُهَا أَمَّا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ لِشِدَّةِ لُصُوقِهَا بِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَالدَّوَاءُ كَالْجَبِيرَةِ إذَا أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ كَانَ عَلَى التَّفْصِيلِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ يُخَالِفُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
الثَّانِي: أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
الثَّالِثِ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ إذَا سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
الرَّابِعِ: إذَا سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ لَا يَجِبُ إلَّا غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ.
الْخَامِسِ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
سَادِسُهَا: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا فِي الْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ هَكَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ، وَقَدْ يُزَادُ عَلَيْهَا أَيْضًا فَنَقُولُ.
السَّابِعُ: إنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ مَسْحِ أَكْثَرِ الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الْمَسْحَ ثَلَاثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ فِي الرَّأْسِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّكْرَارُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفَّيْنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ عُلَمَائِنَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ لَمْ يَشْتَرِطْ تَكْرَارَهُ اتِّفَاقًا.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهَا أُخْرَى أَوْ عِصَابَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ بِخِلَافِ الْخُفِّ إذَا مَسَحَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
الْعَاشِرُ: إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ كَمَا سَيَأْتِي.
الثَّانِيَ عَشَرَ: إذَا زَالَتْ الْعِصَابَةُ الْفَوْقَانِيَّةُ الَّتِي مَسَحَ عَلَيْهَا لَا يُعِيدُ الْمَسْحُ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْعُضْوِ الْمَعْصُوبِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ
_________________
(١) [منحة الخالق] أَنَّ كَلَامَ قَاضِي خَانْ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ إنَّ وُسْعَ الْغَيْرِ لَا يُعَدُّ وُسْعًا كَمَا نَقَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي التَّأْسِيسِ، وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ هُوَ قَوْلُهُمَا اهـ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) حَمَلَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي يُوسُفَ لَا الْإِمَامِ وَأَيَّدَهُ بِمَا يَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إذْ لَا شَيْءَ مِمَّا مَرَّ يُنَافِيهِ (قَوْلُهُ: السَّابِعُ أَنَّ الصَّحِيحَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا مَعَ عَدِّ الشَّارِحِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ عَدَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ هَذَا اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَا يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ نَفْيُ وُجُوبِ الْأَكْثَرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: الْعَاشِرُ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ لَا يَبْطُلُ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَا يَبْطُلُ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْخُفِّ لِمَا مَرَّ
[ ١ / ١٩٨ ]
أَصَابِعَ كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ وَالرِّجْلِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
الرَّابِعَ: عَشَرَ أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ لَيْسَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مَعَ إرَادَةِ عَدَمِ الْغَسْلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ) عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعِبَادَةٍ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ إلَّا فِيمَا هُوَ عِبَادَةٌ أَوْ وَسِيلَةٌ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهَا كَالتَّيَمُّمِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ