١٥٢٠ - قال أصحابنا: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها.
١٥٢١ - وقال الشافعي: يوم وليلة.
١٥٢٢ - والدليل على ما قلناه: ما روي في حديث المستحاضة التي سألت أم سلمة حتى استفتت لها رسول الله - ﷺ - فقال: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن، فلتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي»، وهذا يدل على أن الحيض لا يكون إلا ما يسمى أيامًا، وأقل ذلك ثلاثة أيام.
١٥٢٣ - وقال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها»، وهذا يدل على أن الحيض أيام.
١٥٢٤ - ولا يقال: يحتمل أن يكون في امرأة عادتها أيام؛ لأن النبي - ﷺ - لم يعرف المرأة التي سألته أم سلمة لها، وكيف يعرف عادتها، ولأنه قال في الخبر الآخر: «المستحاضة تدع الصلاة»، وهذا عام.
[ ١ / ٣٥٨ ]
١٥٢٥ - ولا يقال: إنه ذكر الأقراء بالجمع، وذلك يقتضي الثلاث، وأضاف إليه الأيام باسم الجمع، فيصير لكل قرء يوم؛ وذلك لأنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل، فذكر غسلًا واحدًا، فعلم أنه أراد قراءًا واحدًا.
١٥٢٦ - ولأن الخبر الأول ذكر فيه الأيام والليالى ولم يذكر الأقراء.
١٥٢٧ - ولأنه قال عدد الأيام والليالي من كل شهر، ولا يكون في الشهر إلا قرء واحد.
١٥٢٨ - وقال في حديث فاطمة: «دعي الصلاة أيام أقرائك ثم اغتسلي وصلي ما بين القرء إلى القراء»، وهذا يدل على أن المراد قرء واحد، وإنما ذكره بلفظ الجمع لأن الدم له أجزاء وأبعاض وإن كان واحدا.
١٥٢٩ - ولا يقال: قد روي: «المستحاضة تدع الصلاة يوم أقرائها» فأضاف إلى القرء يومًا واحدًا؛ لأن هذا لا نعرفه، وإن ثبت لم يدل؛ لأن اليوم يعبر به عن بياض النهار، وعن الوقت، فصار كأنه قال: وقت أقرائها، والأيام لا يعبر بها عن يوم واحد.
١٥٣٠ - ولا يقال: إن ما دون الثلاث تسمى أيامًا -فيقال: أيام الفتنة؛ لأنه متى قصد بالأيام العدد المحصور لم يتناول ما دون الثلاث. وإنما يقال: ما ذكروه إذن أريد به الوقت المبهم.
١٥٣١ - ويدل عليه ما رواه أبو أمامة، أن النبي - ﷺ - قال: «أقل ما يكون من الحيض للجارية البكر والثيب ثلاث، وأكثر ما يكون من المحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي استحاضة، ذكره الدارقطني واعترضه،
[ ١ / ٣٥٩ ]
فقال: رواه عبد الملك، وهو مجهول عن العلاء بن كثير، وهو ضعيف عن مكحول، ولم يسمع من أبي أمامة، وهذا لا يقدح؛ لأن ظاهر الإسلام يكفي في عدالة الراوي بالاتفاق وضعف الراوي لا يقدح إلا أن يفسر جهة الضعف، ومكحول أدرك ايامه وسمع في عصره، فإذا روى عنه فالظاهر السماع، ولو ثبت إرساله لم يمنع صحته عندنا.
١٥٣٢ - وروى واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة»، ذكره الدارقطني، واعترضه بأن روايه محمد بن أحمد ابن أنس الشامي، وهو ضعيف، عن حماد بن منهال، وهو مجهول، وقد بينا أن هذا القدح لا يؤثر.
١٥٣٣ - وقد روي مثل قولنا عن أنس، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، ولا يعرف لهم مخالف، فيجب تقليدهم.
[ ١ / ٣٦٠ ]
١٥٣٤ - أو نقول: إن ما لا يدل عليه القياس إذا قاله الصحابي حمل على أنه قاله توقيفًا، فكأنه رواه عن النبي - ﷺ -.
١٥٣٥ - وقد اعترضوا حديث أنس، بأن روايه الجلد بن أيوب، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الثوري وابن علية رويا هذا الحديث عنه، ورواية الثقات تعديل، ولم يطعن على الجلد إلا بقول أحمد.
١٥٣٦ - وروى ابن سيرين: إن أم ولد لأنس استحيضت، فأرسلوني أسأل ابن عباس. قال أحمد: فلو كان هذا صحيحًا لم يسألوا، وهذا ليس بشيء؛ لأن السؤال يجوز أن يكون عن حكم الاستحاضة لا عن مقدار الحيض.
١٥٣٧ - وقد روى أبو يوسف هذا الخبر، وذكره محمد في الأصل، وهذا تعديل لروايته.
١٥٣٨ - ولأنه معنى مُقدر إذا طرأ أَثَّر في الصلاة فلم يُقدر أقله بيوم وليلة، كالسفر. ولأنه نادر في أقل الحيض فلا يثبت حيضًا من غير توقيف، أو لا يثبت حيضًا بالوجود، أصله: ما دون اليوم والليلة.
١٥٣٩ - ولا يقال: إنَّ ما دون اليوم والليلة لم يقدر لأحد رخصتي المسح؛ لأن المسح والحيض حكمان مختلفان، فلا يؤخذ أحدهما من الآخر. ولأنها مدة لا تستوفى
[ ١ / ٣٦١ ]
فيها رخصة مسح المسافر، فلم تكن مدة لأقل الحيض، أصله: ما دون يوم وليلة.
١٥٤٠ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولم يفصل.
١٥٤١ - والجواب: أن الله تعالى جعل الحيض أذى فاحتاجوا أن يدلوا على أن هذا القدر حيض حتى يسلم لهم الحكم، وهذا كما لو قال: الغريب كريم، لم يدل على أن من عُلِم كريمًا كان غريبًا.
١٥٤٢ - قالوا: القصد بقوله: ﴿قل هو أذى﴾ بيان صفة الحيض وحقيقته، وهذا كالحد.
١٥٤٣ - قلنا: قد علم أن من الأذى ما لا يكون حيضًا، والحد لا ينتقض، والحقيقة لا تتعين، فعلم أنه لم يقصد ذلك، وإنما قصد بيان الحكم من قوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، وذكر الأذى بيانا لعلة الاعتزال، لا لما قالوه.
١٥٤٤ - قالوا: ذكر الله تعالى الحيض وحكمه ولم يبين قدره، وليس له حد في اللغة، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، وقد ثبت معتادًا وجود الحيض يومًا وليلة.
١٥٤٥ - قال الشافعي: ثبت عندي أن نساءً يحضن يومًا وليلة، فوجب الرجوع إليه.
١٥٤٦ - قلنا: العادة لا يرجع فيها إلى النادر، وإنما يرجع فيها إلى العام الغالب، وذلك يخالف قولهم. ولأن المرأة الواحدة إذا قالت إنها تحيض يومًا وليلة فإنها تخبر عن رؤية الدم، فأما أن تخبر عن كونه حيضًا فلا طريق لها إليه.
١٥٤٧ - وقد حكى الدارقطني عن الأوزاعي قال: ها هنا امرأة تحيض عدوة وتطهر عشية. فلو جاز الرجوع إلى ما حكاه الشافعي في الوجود النادر لجاز الرجوع
[ ١ / ٣٦٢ ]
إلى ما حكاه الأوزاعي.
١٥٤٨ - قالوا: روي أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة: «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي»، وقد بينا أن هذا الخبر متروك الظاهر، وأن قوله: «يعرف» معناه بالقول أو بالأيام، وذلك لا يوجد معتادا في يوم وليلة.
١٥٤٩ - قالوا: لأنه معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة؛ فجاز أن يكون يومًا وليلة، كالجنون.
١٥٥٠ - قلنا: الجنون لا يوجد في جنسه ما لا يؤثر في الصلاة، فكان الظاهر موجودًا عند حدوثه؛ فلم يحتج إلى مدة.
١٥٥١ - ولهذا لا يتقدر لأقله، والحيض يوجد من جنسه ما لا يتعلق به حكم، فاحتاج إلى ظاهر مع الوجود، وهذا مقدر بالاتفاق.
١٥٥٢ - ولأنا نعكس هذه العلة فنقول: يوجب أن يكون حكمه فيما دون الثلاث حكمه فيما دون اليوم والليلة.
١٥٥٣ - قالوا: دم يسقط فرض الصلاة فجاز أن يكون يومًا وليلة، كالنفاس.
١٥٥٤ - قلنا: دم النفاس يوجد ومعه ظاهر، وهو تقدم الولادة، فلم يحتج إلى ظاهر وهو الاستمرار.
١٥٥٥ - قالوا: أحد مدتي المسح، فجاز أن يكون حيضًا، كالثلاث.
١٥٥٦ - قلنا: حكم الحيض لا يجوز أن يؤخذ من المسح؛ لأن اليوم والليلة لم يجعل حدًّا لأقل المسح، وإنما جعل أحدى المدتين أخرى، فالخلاف في
[ ١ / ٣٦٣ ]
أقل مدة الحيض؛ فلم يجز أن يؤخذ من أكثره مدة المسح، ولأن أقل المسح غير مقدر، وأقل الحيض مقدر، فلم يعتبر أحدهما بالآخر. ولأن الحكم عندهم لا يتعلق بالثلاث، وإنما يتعلق باليوم، فكأنهم قاسوا الشيء على نفسه.
١٥٥٧ - قالوا: معنى معتبر بالأيام، محدود الأقل والأكثر، فجاز أن يكون يومًا وليلة، كالمسح.
١٥٥٨ - قلنا: يبطل بالعدة بالشهور؛ لأنها تتقدر بالأيام إذا طلقت في بعض الشهور، ولا يتقدر أقلها بما قالوه.
١٥٥٩ - ولأنا لا نسلم أن أقل المسح مقدر بيوم وليلة؛ لأن أقله لا يتقدر، وإنما جعل ذلك أكثر أقل المدتين.
١٥٦٠ - ولأن هذا الحكم لا يجوز إثباته بقياس؛ لأنه مقدار لأعلى طريق الفصل، وما ذكرنا من الأقيسة قصدنا بها الترجيح.
[ ١ / ٣٦٤ ]