١٦٦٩ - قال أبو حنيفة: أول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وهو البياض، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا غابت الحمرة، وبه قال الشافعي.
١٦٧٠ - والكلام في هذه المسألة يقع في الحكم والاسم. فأما الحكم: فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾ وهذا يقتضي بقاء وقت المغرب المتعلقة بالدلوك إلى غسق الليل وهو اجتماع الظلمة، وذلك لا يكون مع البياض.
١٦٧١ - وروى أبو مسعود الأنصاري أن النبي - ﷺ - كان يصلي العشاء إذا اسود الأفق.
١٦٧٢ - ولا يقال: أسود مع البياض. ولا معنى لقولهم: إن هذا يدل على جواز العشاء بعد البياض ونحن لا نمنع جوازها فيه؛ لأن الخبر يقتضي المداومة على هذا الفعل، فدل على أنه أول الوقت. ولأن البياض المجاور للحمرة لا يجمع معه وقت العشاء، كبياض الفجر. ولأن المغرب صلاة لا تقصر في السفر، فاجتمع في وقتها الحمرة والبياض، كالفجر. ولا معنى لقولهم: إن الحمرة تكون بعد الطلوع وذلك لا يكون في وقت
[ ١ / ٣٩٤ ]
الفجر؛ لأن هذا ضد المشاهدة، وحمرة الأفق تسبق الطلوع، وتتأخر عن الغروب.
١٦٧٣ - فإن قالوا: فوجب أن يكون بينها وبين وقت ما يليها فاصلة كالصبح أو فوجب أن لا يتعلق آخر وقتها بالبياض، انتقض ذلك بالوتر، ولأن ذلك وقت لو بلغ فيه الصبي لزمته المغرب، فلم يجز فعل العشاء فيه، كما قبل غيبوبة الحمرة. ولأن العشاء هي الصلاة المختصة بالليل، فكان موضوع وقتها فيما هو أشبه بالليل، وذلك بعد البياض.
١٦٧٤ - ولأن البياض أحد الشفقين، فاعتبر غروبه في دخول وقت العشاء، كالحمرة. وأما الكلام في الاسم: فلأن الشفق اسم البياض والحمرة، وقد روي البياض عن عمر، ومعاذ، وعمر بن عبد العزيز، وروي الحمرة عن ابن عمر.
[ ١ / ٣٩٥ ]
والكلام في الأولى منهما، فالبياض أولى لأن الاسم قيل: إنه مأخوذ من الرقة، ومنه: شفقة القلب ونور شفق، وآخر البياض أرق، فكل حمل الاسم عليه أولى. وقد قيل: إنه مأخوذ من أواخر الشيء وما يخاف فوته، ولهذا يقال: فلان شفق من حياته، والبياض يتأخر، فحمل الاسم عليه أولى. ولأن البياض لا يوجد إلا ويتناوله الاسم، والحمرة توجد نهارا ولا تسمى شفقا، فكان ما يتناوله الاسم بكل حال أولى.
١٦٧٥ - احتجوا: بما روى جابر: أن النبي - ﷺ - صلى العشاء قبل أن يغيب الشفق. ولا يجوز أن يكون المراد به الحمرة، فلم يبق إلا البياض.
١٦٧٦ - والجواب: أن الجماعة روت أن النبي - ﷺ - صلى العشاء بعد ما غاب الشفق، والألف واللام للجنس، فيقتضي البياض والحمرة جميعا، فإذا روى جابر ما يخالف الجماعة حمل على الشفق الذي هو بياض الجو، وذلك لا يغيب إلى آخر الليل.
١٦٧٧ - ولا معنى لقولهم: إنا لا نعلم أن ذلك يسمى شفقًا؛ لأن الخليل سماه، وقوله حجة، ثم هذا الخبر لا دلالة فيه على أصلهم؛ لأن جابر لم يحك المداومة، وإنما ذكر مجرد الفعل، فيجوز أن يكون صلى العشاء في وقت المغرب على طريق الجمع عندهم فلم يمكنهم الاستدلال به مع الاحتمال.
١٦٧٨ - قالوا: روى النعمان بن بشير أن النبي - ﷺ - كان يصلي العشاء لغيبوبة
[ ١ / ٣٩٦ ]
القمر الثالثة.
١٦٧٩ - قلنا: البياض يغيب في الليلة الثالثة قبل غيبوبة القمر، فلم يكن فيما قالوه دلالة.
١٦٨٠ - قالوا: روي مثل قولنا عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعبادة.
١٦٨١ - قلنا: قد بينا أن قول عمر ومعاذ مثل قولنا، فلم يجز ادعاء الإجماع.
١٦٨٢ - قالوا: صلاة تجب بعَلَم يشاركه غيره في اسمه، فوجب أن يجب بأظهرهما، كالصبح.
١٦٨٣ - قلنا: فوجبت الصلاة بالثاني منهما، كالفجر.
١٦٨٤ - قالوا: الطوالع ثلاثة، فتعلق وجوب الصلاة منها بالأوسط.
١٦٨٥ - قلنا: لم يجمعوا بين الأمرين بعلة، ثم الطوالع أربعة: الفجر الأول، والثاني، والحمرة، والشمس، فالصلاة لا تتعلق بأوسط الطوالع، ثم الطوالع التي هي من آيات الشمس لما حصلت في وقت الفجر كان جميعها فيه، فالغوارب التي هي أثر الشمس يجب أن تجتمع في وقت المغرب.
١٦٨٦ - وأما الاسم: فاحتجوا بما روي فيه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الشفق الحمرة». وهذا لا أصل له، وإنما رواه نافع عن ابن عمر من قوله، ذكره مالك في الوطأ. وذكر الدارقطني أنه وجده في أصل الرملي عن عتيق بن يعقوب عن مالك مسندًا، وعتيق بن يعقوب ساقط الرواية، ذكره الساجي في الضعفاء. ولو ثبت
[ ١ / ٣٩٧ ]
احتمل أن يكون المراد به الشفق الذي يجب المغرب بغيبوبته، فيكون دلالة على أن وجوب الصلاة يتعلق بآخر الوقت.
١٦٨٧ - قالوا: روي أن أعرابيا رأى رجلًا عليه ثوب أحمر فقال: هو كالشفق.
١٦٨٨ - قلنا: هذا يدل على تسمية الحمرة شفقا، ونحن لا نمنع ذلك، وإنما الكلام في أخص الأسمين.
١٦٨٩ - قال: تغليب البياض أظهر في اللغة من أن يدل عليه.
[ ١ / ٣٩٨ ]
مسألة ٨٤