١١٧٢ - قال أبو حنيفة: إذا وقعت النجاسة في الماء نجس، قليلًا كان أو كثيرًا، إلا ما يعلم أن النجاسة لم تصل إليه، ولا يعتبر تغير الأوصاف.
١١٧٣ - وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين لم ينجس حتى يتغير.
١١٧٤ - لنا: قوله - ﵇ -: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» والغالب في الماء الدائم أنه أكثر من قلتين.
١١٧٥ - ولا يقال: إن الخبر يقتضي تحريم البول دون النجاسة؛ لأن الخبر يقتضي المنع من استعماله: بقوله: «ثم يغتسل فيه»، وهذا موضع الخلاف.
١١٧٦ - ويدل عليه قوله ﵊: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوه، ثم اغسلوه سبعًا»، ولم يفصل بين كبير وصغير.
[ ١ / ٢٩٢ ]
١١٧٧ - وروي أنه قال: «إذا قام أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا»، فاحترز من نجاسة تكون على يده ولا تظهر، ومعلوم أن ذلك لا يغير أوصاف الماء، فلو كان لا ينجس لم يكن للاحتراز معنى.
١١٧٨ - ولأن ما ينجس قليله بمخالطة النجاسة؛ نجس كثيرة، كالخل واللبن.
١١٧٩ - ولأن ما ينجس بظهر النجاسة ينجس بمخالطتها، كما دون القلتين.
١١٨٠ - ولا معنى لقولهم: إن المائعات يصان قليلها وكثيرها بالظروف، والماء يصان قليله بالإناء ولا يصان كثيره.
١١٨١ - ولأن عندهم الماء الكثير لا يؤثر فيه النجاسة لغلبته عليها إلا بتعذر بمغلوب، فلم يصح الفرق بما لا يقولون به.
١١٨٣ - ولأن العبادة تتعلق بما يستعمله من الماء، فإذا خالط ذلك القدر النجاسة يمنع، كما لو أخذه من ماء قليل.
١١٨٤ - ولأن ما يقع به التطهير يمنع من مخالطة النجاسة وإن لم يتغير، كالتراب الذي يتيمم به.
[ ١ / ٢٩٣ ]
١١٨٥ - ولا يلزم وقوع البعرة في البئر؛ لأنا عللنا للمخالطة، ومتى خالطت البعرة الماء منعت.
١١٨٦ - ولأن النجاسة تؤثر في الماء كما تؤثر في الثوب والبدن، فإذا استوى في أحدهما ما ظهر منها وما لم يظهر كذلك الآخر.
١١٨٧ - ولأن تأثير النجاسة في الماء أبلغ من تأثيرها في الثوب؛ بدلالة أن يسيرها يعفى عنه في أحدهما وإن ظهر ولا يعفى في الآخر.
١١٨٨ - فإذا استوى في الثوب ما يظهر من النجاسة وما لا يظهر؛ فالماء أولى.
١١٨٩ - احتجوا: بحديث أبي أمامة: أن النبي - ﷺ - قال: «الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير طعمه، أو ريحه، أو لونه».
١١٩٠ - والجواب: أن رواية محمد بن يوسف الغصيصي، وهو لا يعرف عن راشد بن سعد، وهو ساقط الرواية ظاهر الجرح.
١١٩١ - قال الدارقطني: لم يرفعه عن راشد غير معاوية بن صالح وليس
[ ١ / ٢٩٤ ]
بالقوي.
١١٩٢ - وقال ابن المديني: لم يكن يحيى القطان يرضى معاوية بن صالح، ولا يروي عنه.
١١٩٣ - وقد رواه الثقات -مثل ابن إسماعيل الضراب، وعيسى بن يونس- وأوقفوه، ولأن الخبر متروك الظاهر، فعلمنا أن النجاسة تؤثر فيه بأن لم يتغير باتفاق.
١١٩٤ - فكان معناه: لا يصير في حكم النجاسات إلا بالتغير، كما قال ﵊: «المؤمن لا ينجس»، وقال: «ليس على الأرض من الجائر الشيء»، معناه: أن الأرض لا تنجس بنفسها وإن جاورها
[ ١ / ٢٩٥ ]
النجاسة، وحمل الخبر على هذا التأويل أولى؛ لأنا ننفي عمومه في القليل والكثير، وحمله على ما يقولونه يؤدي إلى التخصيص في القليل، ومن نفي العموم فهو بالظاهر أولى.
١١٩٥ - احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله - ﷺ -: ألا نتوضأ من بئر بضاعة وهو بئر يطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب، وما ينجس الناس فقال: «الماء لا ينجسه شيء».
١١٩٦ - والجواب: أن هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير، وهو مدني لم يرو عنه أهل المدينة، وقالوا: كان أباضيا، فرواه عن محمد بن كعب القرظي، عن عبيد الله بن عبد الله.
١١٩٧ - ورواه محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد.
[ ١ / ٢٩٦ ]
١١٩٨ - ورواه إبراهيم بن سعد عن سليط عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
١١٩٩ - ولو كان هذا الحديث معروفًا برواية رجل لم يقع الاختلاف في اسمه.
وسليط بن أيوب غير معروف بالرواية، وإنما روى عنه ابن إسحاق، وكان لا يبالي عمن أخذ.
١٢٠٠ - ولم يقل: حدثنا، وإنما قال: عن سليط، وهو ممن يعرف بالتدليس عن الثقات، على أن الخبر لا يجوز أن يكون محمولًا على ظاهره؛ لأن طرح النجاسات في الماء منهي عنه في الشرع، فكيف يجوز أن يخبَر النبي - ﷺ - بإلقاء ما ذكر من النتن ولا ينكره، بل يقر عليه، ولأن المعلوم من نزاهته ونظافته وبعده عن الرائحة المستنكرة وإيثاره للطيب أنه لا يتوضأ بما يلقى فيه الكلاب والمحائض، فلم يبق إلا أن تكون هذه البئر كانت -كما ذكر- في الجاهلية، فأشكل على القوم حالها في الحال وإن لم يقع فيها نجاسة؛ لمكان النجاسة المتقدمة.
١٢٠١ - وقال - ﷺ -: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه»، فتبين أن تلك النجاسة لما لم يبق أثرها لم يبق حكمها مع كثرة النزح.
[ ١ / ٢٩٧ ]
١٢٠٢ - ويبين ما قلناه أن أبا داود قال: أكثر ما يكون الماء في بئر بضاعة إلى السرة، وأقله إلى العورة، يعني الركبة.
١٢٠٣ - ومثل هذا إذا دام وقوع النجاسة فيه ظهرت، فدل أن السؤال وقع عن حالة سابقة.
١٢٠٤ - فأما قوله: «لا ينجسه شيء» فقد أجبنا عنه.
١٢٠٥ - ثم نقول: إنه - ﷺ - بقى الماء على الطهارة، ونقله عن الأصل بتغير الأوصاف؛ لأن تغيرها يوجب تغير النجاسة، ووقع النجاسة فيه إذا بلغ في باب اليقين؛ لأن التغير قد يكون بغير النجاسة، فصار ذكر التغيير تنبيهًا على ما هو أقوى في النفس، كما ينبه بالأدنى على الأعلى.
١٢٠٦ - وقد ذكر ابن شجاع عن الواقدي -وهو أعرف الناس بالمدينة- أن بئر بضاعة مجرى الماء إلى البساتين، والماء الجاري لا تستقر فيه النجاسة.
١٢٠٧ - ولا يقال: لو كان كذلك ما أشكل حالها؛ لأن هذا مشكل لجواز؛ أن يظنوا أن الماء إذا نجس نجس ما يجاوره، فلم تزل النجاسة أبدا.
[ ١ / ٢٩٨ ]
١٢٠٨ - احتجوا: بحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا»، وروي: «فإنه لا ينجس».
١٢٠٩ - والجواب: أن هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير -ولم يروه عنه أهل المدينة وهو مدني، وقد ضعفه الساجي -عن محمد بن جعفر بن الزبير- وليس بثبت، ولا معروف بالرواية، ولذلك لم يرو عنه أحد من الأئمة في زمانه -عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله، وهذا اضطراب عندهم، وأصحاب الحديث لا يصححون رواية أحد من ولد ابن عمر إلا سالم.
١٢١٠ - ورواه محمد بن وهب السلمي عن ابن عياش، عن محمد
[ ١ / ٢٩٩ ]
ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. ومحمد بن وهب ضعيف.
١٢١١ - قال الدارقطني: المحفوظ عن ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، وهذا طعن منه.
١٢١٢ - ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعبد الوهاب اختلط عقله، وروى في اختلاطه، لذلك لا يعتمد على حديث رواه.
١٢١٣ - ورواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، وخالفه حماد بن زيد، وهو أوثق منه، فرواه عن عاصم بن المنذر، وأوقفه على ابن عمر، فهذا اضطراب سند الحديث.
١٢١٤ - وقد روي من طرق الصحاح موقوفا على ابن عمر، أوقفه إسماعيل ابن علية وحماد بن زيد، وليس فيها أسنده ما يقارب
[ ١ / ٣٠٠ ]
هؤلاء.
١٢١٥ - وقد روى الشافعي هذا الخبر فقال: رواه ابن جريج بإسناد لا يحضرني. فحكي عن أبي يوسف داود أنه قال: الإسناد لم يحضره، ولا يحضر أبدًا؛ لأنه لا أصل له.
١٢١٦ - والذي يبين ضعفه أنه حديث مدني لم يروه أئمة المدينة ولا ذكره أحد من الناس في الصحيح، ثم هو مضطرب المتن: روي: قلتين أو ثلاثًا، وروى جابر عن النبي - ﷺ -: «إذا بلغ الماء أربعين قلة». وهذا اضطراب في المتن. ثم القلة مجهولة؛ لأنها عبارة عن أشياء مختلفة تتفاوت، ليس بعضها أولى من بعض، واعتبارهم لقلال هجر تقليد؛ لأن ابن جريج لا يصح؛ لأن التقليد لا يجوز في موضع خلاف؛ ثم قد قال هشيم: القلال: الجرار الكبار، فلم يكن
[ ١ / ٣٠١ ]
الرجوع إلى قول ابن جريج أولى من قوله.
١٢١٧ - ثم قلال هجر مختلفة في نفسها، كقلال كل بلد.
١٢١٨ - وقولهم: إنه روي في الخبر: «إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر» لا يصح؛ لأن هذا لم يذكر في موضع يوثق به.
١٢١٩ - وقيل: تفرد به المغيرة بن سقلاب، وهو ضعيف، والأشبه أن المراد بالقلة: قامة الرجل أو سنام الجمل؛ لأن الماء يقدر في الغالب بالأذرع والقمامات.
١٢٢٠ - ولا يقال: إن الخبر قد أفاد التحديد، وهو خلاف قولكم؛ لأن القلتين إن كان المراد بها ما ذكرناه فهو من الغالب ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، وهو تعيين.
[ ١ / ٣٠٢ ]
١٢٢١ - ولأن قوله: «لا يحمل خبثًا» معناه: يضعف عن حمله، كما يقال: الحل لا يحتمل الغش.
١٢٢٢ - ولا يقال: إن هذا يذكر في الأعيان، فأما الأحكام فمعناه: الالتزام دون القوة والضعف؛ لأن قوله: يضعف عنه معناه: ولا يلزمه حكمه، وهذا حكم لا عين.
١٢٢٣ - قالوا: فقد روي: «لا ينجس».
١٢٢٤ - قلنا: أصل الخبر: «لا يحمل خبثًا»، فاللفظ الآخر تأويل الراوي.
١٢٢٥ - ألا ترى أن قوله: «لا يحمل خبثًا» محتمل، وقوله: «لا ينجس» لا يحتمل؛ والراوي لا يسمع الصريح وينقل المحتمل، وقد يسمع المحتمل فينقل أحد جهات الاحتمال إذا قرت في نفسه.
١٢٢٦ - ولا معنى لقولهم: لو كان المراد: يضعف عن حمله لم يكن لتخصيص القلتين وذكر ما زاد عليها فائدة، وإنما أراد أن يبين أن النجاسة تؤثر في الماء الكثير ليعلم القليل من طريق الأولى، ولأن الأخبار التي قدمناها رويت من طرق صحيحة، واشتهر عمل السلف بها:
١٢٢٧ - فقال علي - ﵇ - في البئر تقع فيها فأرة: ينزح ماؤها.
١٢٢٨ - وأمر ابن عباس بنزح زمزم لما وقع فيها الزنجي.
[ ١ / ٣٠٣ ]
١٢٢٩ - والرجوع إلى الأخبار الصحيحة المختلفة الطرق التي وافقها عمل السلف أولى.
١٢٣٠ - ولا يقال: إن الشافعي قال: لا أصل لخبر زمزم؛ لأنا لا نعرفه بمكة؛ لأن ذلك رواه ابن سيرين بإسناد لم يطعن عليه، ذكره الدارقطني وغيره، فلا يسقط جحود الشافعي.
١٢٣١ - ولا يجوز أن يقال: إن الماء تغير؛ لأنه لم ينقل في خبر على تفصيل، وابن عباس قال: انزحوا جميع الماء. ولم يقل: انزحوا حتى يزول التغير.
١٢٣٢ - قالوا: لأنه ماء بلغ حدًّا لا يحفظ من النجس في العادة، فإذا وقع فيه نجاسة لم تغيره لم يحكم بنجاسته، كالغدير العظيم.
١٢٣٣ - قلنا: لا نسلم أن قدر القلتين لا يحفظ غالبًا؛ لأن ذلك يصان بالظروف ويحفظ كما دونه، والغدير العظيم غير مسلم؛ لأن مكان النجاسة منه نجس، وما لم تصل إليه النجاسة كغدير آخر.
١٢٣٤ - قالوا: فأصل علتنا: البعرة إذا وقعت في الماء.
١٢٣٥ - قلنا: هذا موضع استحسان، فلا يقاس عليه، ولأنا لا نسلم أن النجاسة في البعرة خالطت الماء ولا جاورته؛ لأن عندنا يفصل بين النجاسة والماء فاصل من رطوبة الخلقة، كنجاسة في وعاء وقعت في الماء، فأما إن اختلطت البعرة بالماء أو جاورت أجزاؤها؛ فإنها تنجس عندنا.
١٢٣٦ - قالوا: أمر النجاسة مبني على أن ما لا يمكن التحرز منه عفي عنه، وما يمكن الاحتراز منه لم يعف عنه، والماء كثير لا يحترز فيه من النجاسة، فعفي عنها.
[ ١ / ٣٠٤ ]
١٢٣٧ - قلنا: ما لا يمكن الاحتراز منه لا يعتبر به في الماء، بدلالة ما لا نفس له.
١٢٣٨ - ولأن المواضع التي وقع التقدير في النجاسة المعفو عنها إنما عفي عن قدر منها دون قدر، أو عن عين دون عين. فأمَّا أن يعفى عن مقدار ما يصيبه، أو يعفى عن بعض الأعيان التي يصيبها دون بعض فلا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
مسألة ٥٩