١٨ - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات الطاهرة.
١٩ - وقال محمد: لا يجوز. وبه قال الشافعي.
٢٠ - لنا: قوله ﵊: «إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول»، وهو عام في كل ما سمي غسلًا، ومتى ثبت عموم الغسل ثبت عموم
[ ١ / ٦٠ ]
المغسول به لأنه في مضمونه. ولا يقال: اسم الغسل مقيد في غير الماء، بدلالة أن من أمر غيره أن يغسل وجهه ذمه متى غسله بالخل؛ لأن الأصل الإطلاق في الأسامي، فمدعي التقييد يحتاج إلى الدليل، وذمهم لمن غسل وجهه بالخل للعادة، لا للتقييد، ألا ترى أنه لو غسله بماء زمزم في الموضع الذي يعز فيه، أو بماء الورد، أو بماء الكزبرة، أو ماء الكدر، ذموه؟. ولأنه مائع طاهر مزيل للعين والأثر، فجاز إزالة النجاسة به، كالماء.
٢١ - قالوا: إن أردتم أنه طاهر قبل ملاقاته للثوب، بطل بالماء إذا وقعت فيه نجاسة قبل الغسل، وإن أردتم عند ملاقاته لم نسلم، لأنه نجس.
٢٢ - قلنا: نريد به أنه طاهر قبل الملاقاة، بحيث لا يمكن أن يخلطه غيره. ثم تعليلنا للعين لا للأحوال، وهو أن الخل في الجملة مما يزيل النجاسة.
٢٣ - قالوا: المعنى في الماء أنه يزيل الحدث، والمعنى بخلافه.
٢٤ - قلنا: علة الفرع تبطل بالدباغ؛ لأنه لا يزيل الحدث، ويزيل نجاسة الجلد، وهذا حكم مجمع عليه، وإن ما قال المروزي يحتاج بعد الدباغ إلى الماء لا يصح؛ لأن الغسل موجود قبل الدباغ ولم يطهر، فعلم أن الدباغ هو المؤثر في الطهارة، لا الماء. على أن باطن الجلد يطهر بالإجماع وإن لم يصل الماء إليه، ولأن ما جاز إزالة
[ ١ / ٦١ ]
الطيب به من ثوب المحرم جاز إزالة النجاسة به كالماء، ولأنها عين استحقت إزالتها لحرمة العبادة، فجاز إزالتها بغير الماء، كالطيب من ثوب المحرم.
٢٥ - قالوا: الطيب أُمر بإزالة رائحته دون عينه.
٢٦ - قلنا: أمر بإخراج عينه من أن تكون طيبًا، وذلك يكون بزوال ريحها وبغسلها، كما أمرنا بإخراج العين من أن تكون نجسة وقد يكون ذلك بتغييرها مثل الخمر إذا طرح عليها الخل.
٢٧ - قالوا: نعكس فنقول: لا يجوز إزالته بماء الورد، كالطيب من ثوب المحرم.
٢٨ - قلنا: يزول عندنا وتسقط العبادة، وإنما يكره فعله كما يكره استعمال ماء الورد في النجاسة.
٢٩ - واحتج المخالف بقوله ﵇ في دم الحيض: «حُتِّيه ثم اقرضيه بالماء ثم اغسليه بالماء».
٣٠ - والجواب: أن ذكر الماء لا يدل على اختصاصه بالطهير، كما أن ذكر الأحجار لا يدل على اختصاصها بالاستنجاء.
وفائدة التخصيص: أن الماء أعم وجودًا، وما سواه مكروه إزالة النجاسة به، فلم يأمرها بما يضر ويكره لها، ولأنه إذا أزاله بالخل لم يبق دم فلا تنصرف الكناية إليه.
[ ١ / ٦٢ ]
٣١ - قالوا: طهارة شرعية، أو طهارة تراد للصلاة، كالوضوء.
٣٢ - قلنا: المعنى في طهارة الحدث إذا وقعت بالجامد اختصت بجنس، فإذا وقعت بمائع اختصت بجنس، وطهارة النجس إذا وقعت بجامد لم تختص بجنس، فإذا وقعت بمائع لم تختص بجنس؛ ولأن الوضوء عبادة لم نعلم معنى وجوبها، فاختصت بما نص الله عليه وإزالة النجاسة علم معناها، وهو الإزالة، فجاز بكل ما يزيلها.
٣٣ - قالوا: غسل واجب، كغسل الجنابة.
٣٤ - قلنا: ينتقض بغسل الطيب من ثوب المحرم. والمعنى في الأصل ما سبق.
٣٥ - قالوا: مائع لا يرفع الحدث، كالدهن والمرق.
٣٦ - قلنا: إن أزالا النجاسة جاز إزالتها بهما، وإن لم يزيلا لم يجز، كما لا يجوز بالماء الذي لا يزيل.
٣٧ - قال مخالفنا: طهارة النجاسة آكد من طهارة الحدث لأن الماء للطهارة والتطهير، ولأن المسافر إذا كان معه يزيل به النجاسة أو يتوضأ غسل النجاسة، وإزالة النجاسة لا تنتقل إلى بدل، ويكفي في الحدث غسل مرة واحدة ولا يكفي في إزالة النجاسة، فإذا كان الأضعف لا يجوز بغير الماء فالآكد أولى.
٣٨ - قلنا: بل طهارة الحدث آكد؛ لأنه منصوص عليه نصًّا غير محتمل، مجمع على حكمه، ويعتبر فيه النية عندهم، ويتعدى إلى غيرها وغير محلها، ويستوي قليله وكثيره.
فأما قولهم: تسلب الماء الطهارة والتطهير فلا يصح على أصلهم في الماء إذا ورد على النجاسة أنه طاهر، وعلى أصلنا: انتقل إليه ما كان في المحل، وهذا لا
[ ١ / ٦٣ ]
يدل على ضعف أحد الطهارتين، وأما المسافر فيتوضأ بالماء ثم يغسل به النجاسة إن اكتفى به، وإن لم يكتف به ابتدأ بإزالة النجاسة، لا لتأكدها، لكن يصير جامعًا بين الطهارتين، ألا ترى أن الماء لو لم يكف للنجاسة وجب أن يبتدأ بالوضوء حتى لم يمكن الجمع، وقولهم: إن الفرض لا ينتقل دلالة له على ضعفه حتى ثبت فرضه في حالة واحدة، وتثبت فرض طهارة الحدث في كل حال، واتبار العدد ليس بصحيح؛ لأن المعتبر عندنا الإزالة، فإن وقع بمرة واحدة جاز، فإذا ثبت أن طهارة الحدث آكد فجاز بالماء. وإن لم نخص الأضعف، وترجح ما ذكرناه؛ لأنه ناقل ومُثبت لحكم متجدد، وهو الطهارة، ومزيل للحكم بزوال العلة الموجبة، وملحق لطهارة النجاسة بجنسها من الدباغ والاستنجاء. وعللُنا مستنبَطة من أصل أجمع على ثبوت الحكم فيه، وعللهم منتزعة من طهارة الحدث، وقد اختلف في اختصاصها بالماء.
[ ١ / ٦٤ ]
مسألة ٣