١٨٥١ - قال أصحابنا: الإسفار بالفجر أفضل.
١٨٥٢ - وقال الشافعي: التغليس أفضل.
١٨٥٣ - لنا: ما روى عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججت مع عبد الله بن مسعود، فلما كانت ليلة المزدلفة طلع الفجر، فقال: أقم، قلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها، فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، وصلاة الغداة، رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك. فقد أخبر أن هذه الصلاة غيّرها رسول الله - ﷺ - عن وقتها، فلم يجز أن يكون عن وقت الجواز، فلم يبق إلا أنه غيرها عن وقت الفضيلة.
١٨٥٤ - ولا معنى لقولهم: إنه يجوز أن يكون صلاها لما غلب على ظنه طلوع الفجر، وذلك غير مستحب عندنا وهو جائز؛ لأنه قال: لما طلع الفجر، وهذا يقتضي اليقين دون الظن، ولأنه لا يدخل وقت الفجر بغلبة الظن حتى يتبين الطلوع؛ لأن ذلك مما يعلم بيقين.
[ ١ / ٤٣٥ ]
١٨٥٥ - ويدل عليه: ما رواه رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أسفروا بالفجر؛ فكلما أسفرتم فهو أعظم لأجوركم»، وروى جابر بن عبد الله قال: أخبرنا بلال مؤذن رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أسفروا بالصبح -أو بالفجر-؛ فإنه أعظم للأجر».
١٨٥٦ - وروى عاصم بن عمر بن قتادة الظفري أن رجلًا من قومه من أصحاب رسول الله - ﷺ - أخبره أن النبي - ﷺ - قال: «أصبحوا بالصبح؛ فإنه كلما أصبحتم بالصلاة كان أعظم للأجر».
١٨٥٧ - قالوا: هذه الأخبار محمولة على الأمر بالصلاة عند إسفار الفجر، وهو اليقين بطلوعه.
١٨٥٨ - قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الكلام خرج على طريق التفضيل، وما لم يتيقن بطلوع الفجر لا تجوز الصلاة، فكيف يفاضل بينها وبين الجائز.
١٨٥٩ - وقولهم: إنه يجوز عندنا إذا غلب على ظنه وإن لم يتيقن، ليس
[ ١ / ٤٣٦ ]
بصحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل، فلا يجوز إسقاط اليقين بغلبة الظن، ولأن الإسفار في اللغة ضد التغليس، فلو حمل على طلوع الفجر لكان التغليس هو الإسفار، أو يكون التغليس بعد الإسفار، وهذا لا يصح، ولأنه قال في الخبر: «كلما أسفرتم كان أعظم لأجوركم» وهذا يدل على فضيلة التأخير وإن تيقن الطلوع، وذلك لا يكون إلا على قولنا. ولأن تأخير الفجر يؤدي إلى تكثير الجماعة، فكان أفضل؛ لقوله - ﵇ -: «كلما كثرت الجماعة فهو أفضل». ولا يلزم تأخير المغرب؛ لأنا استدللنا بعموم الخبر، فلا يرد عليه نقض. ولأن لوقت الصلاة أول وآخرا، فإذا جاز أن تتعلق الفضيلة بأول الوقت في موضوع المواقيت جاز أن تتعلق بآخره. وكل من قال بذلك قال بتأخير الفجر. ولأن الصلاة أخص بآخر الوقت من أوله؛ ألا ترى أنه مأمور بفعلها في أوله غير منهي عن تركها وهو في آخره مأمور بفعلها منهي عن تركها، فإذا جاز أن تتعلق الفضيلة بأوله فتعلقها بآخره أولى. ولأنها صلاة نهار فجاز أن تعلق الفضيلة بتأخيرها، كالظهر في الصيف.
١٨٦٠ - احتجوا: بحديث ابن مسعود وأم فروة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها».
١٨٦١ - والجواب: أن هذا الخبر روي من طرق كثيرة، وفيه: «الصلاة لوقتها» ولم يذكر أول وقتها إلا شاكا.
١٨٦٢ - فدل على أن العموم أصل الخبر والخصوص تأويل الراوي. ومتى كان الخبر
[ ١ / ٤٣٧ ]
«الصلاة لوقتها» لم يكن فيه دلالة، ولو ثبت ما قالوه احتمل أن يكون أول وقت جوازها واحتمل أول وقت وجوبها: فإن كان وقت الجواز المراد فهو دلالة لهم، وإن كان وقت الوجوب فهو لنا؛ لأنه آخر الوقت عندنا، فسقط التعلق به.
١٨٦٣ - احتجوا: بما روي أن النبي - ﷺ - قال: «أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله»، قالوا: والعفو هو المغفرة، وذلك لا يكون إلا عن تقصير، ولذلك قال أبو بكر الصديق: رضوان الله أحب إلينا من عفوه.
١٨٦٤ - والجواب: أن العفو يعبر به عن الغفران، ويعبر به عن التخفيف والتسهيل، ومنه قوله - ﵇ -: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق». فإن كان المراد بالعفو التسهيل فكأنه قال: آخر الوقت سهّل الله تعالى تأخير الصلاة إليه، وذلك لا ينفي الرضوان. ولو سلمنا أن العفو لا يكون إلا عن تقصير لم يدل الخبر بأن آخر الوقت يكره التأخير إليه؛ لأنه يوجب وقوع بعض الصلاة عند الطلوع أو في حالة لا يؤمن معه الطلوع، وذلك يكره عندنا، فقد قلنا بظاهر الخبر.
١٨٦٥ - قالوا: روي عن عائشة أنها قالت: إن كان رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٤٣٨ ]
ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس.
١٨٦٦ - والجواب: أن هذا كان في حال حضور النساء الجماعة، فيجوز أن يكون قدم الصلاة حتى لا يطلع عليهن الرجال، ولهذا كان يحبس الرجال في المسجد حتى تنصرف النساء. ولا معنى لقولهم: إنها حكت المداومة؛ لأن قولها: «إن كان ليصلي» يقتضي وقوع الفعل دون استمراره.
١٨٦٧ - قالوا: روى أبو مسعود البدري: أن النبي - ﷺ - صلى الصبح مرة فغلَّس ومرة فأسفر، ثم لم تزل صلاة التغليس إلى أن فارق الدنيا، لم يعد إلى أن يسفر.
١٨٦٨ - والجواب: أن النبي - ﷺ - أسفر عند البيان حتى كادت الشمس أن تطلع، وهذا الإسفار لم يعد إليه؛ لأنه يكره عندنا في غير حال البيان. فأما قوله: لم يزل صلاة التغليس: فقد علمنا من فعله خلاف ذلك؛ بدلالة خبر ابن مسعود.
١٨٦٩ - قالوا: روت عائشة ﵂ قالت: ما صلى النبي - ﷺ - الصلاة لوقتها الأخير إلا مرتين حتى قبضه الله.
١٨٧٠ - قلنا: وقتها الأخير يمنع منه عندنا؛ لأنه لا يأمن معه الفوات، والكلام في
[ ١ / ٤٣٩ ]
التأخير على هذا الوجه.
١٨٧١ - قالوا: صلاة مفروضة لا تقصر فكان فعلها في أول وقتها أفضل، كالمغرب.
١٨٧٢ - قلنا: التفضيل يقع بين الجائزين، وعندهم لا وقت للمغرب إلا واحد، فكيف يفضل بين الصلاة في وقتها والفائتة؟ فأما على أصلنا فيكره تأخير المغرب، والتفضيل لا يقع بين الجائز والمكروه. ثم نعكس فنقول فكان فعلها فيما يقرب إلى النهار أفضل، كالمغرب.
١٨٧٣ - قالوا: صلاة مكتوبة، فوجب أن يكون فعلها في أول وقتها من غير عذر أفضل، أصله: الظهر في الشتاء.
١٨٧٤ - قلنا: تعجيل الظهر في الشتاء يؤدي إلى تكثير الجماعة؛ لأنه لا يؤمن من الحوادث من المطر وغيره، فوزانه أن يؤخر الفجر؛ لأنه أكثر جماعة. ولا يلزم المغرب؛ لأن كلامنا في التفضيل، وتأخيرها مكروه، فلذلك لا يؤخر وإن كثرت الجماعة.
١٨٧٥ - قالوا: فعلها في أول الوقت أبعد من المخاطرة والنسيان. وهذا يبطل بالظهر في الصيف، ولأن الناسي غير مكلف لما نسيه؛ فلا معنى لتعجيل الصلاة لأجله.
[ ١ / ٤٤٠ ]
مسألة ٩٦