٩١٢ - قال أصحابنا: إذا وجد من الماء ما لا يكفيه للوضوء، يتيمم ولم يستعمله.
٩١٣ - وقال الشافعي: يجمع بينهما.
٩١٤ - لنا: أنه غير قادر على الماء الذي يتوصل به إلى أداء فرضه يقينًا، فأشبه من وجد اليسير من ماء الزعفران، ومن كان بينه وبين الماء سَبُع. ولا يلزمه من وجد سؤر الحمار؛ لأنه يجوز أن يكون فرضه، فلم يتيقن عدم ما يؤدي به الفرض.
٩١٥ - ولأنه أحد نوعي الطهارة؛ فلم يجب عليه بعضه مع بقاء فرض باقيه، كالتيمم.
٩١٦ - ولأنه لزمه البدل؛ فوجب أن يسقط عند الخطاب بالأصل، كمن يخاف العطش، وكالمكفر بالصوم.
٩١٧ - ولا يلزم من وجد سؤر الحمار؛ لأنه ليس بأصل؛ لجواز أن يكون نجسًا.
[ ١ / ٢٤٦ ]
٩١٨ - ولأنه عجز عن بعض الأصل، فسقط بقيته في الاعتداد به مع البدل في عبادة واحدة، أصله: إذا عجز عن بعض الرقبة في الكفارة.
٩١٩ - ولا يلزم إذا غسل بعض الأعضاء ثم انصب الماء، ومن اعتدت بحيضة ثم ارتفع حيضها؛ لأن ما تقدم يسقط عندنا ويصير مؤديًا للفرض بالتيمم خاصة، والعدة: إن بلغت المرأة، ولا بأس بالشهود خاصة، ولا بأس إذا شهد عنده شاهد أصل وشاهد فرع؛ لأن العبادة وإن كانت ما يلزم الشاهد، فكل واحد من الشاهدين يلزمه عبادة منفردة، فلا يوصف بالعجز عن بعض الأصل، وإن أرادوا العجز في خبر المدعي فإقامة الشهادة ليس بواجب عليه حتى يقال إنه عبادة.
٩٢٠ - وإن أرادوا بالعبادة ما يلزم الحاكم؛ فهي عبادة يلزم أداؤها بفرضين كل واحد منهما أصل. فإذا عدم أحدهما صار كمن عجز عن الستر وقدر على الوضوء.
٩٢١ - ولأن شهود الفرع ليسوا ببدل؛ لأن شهادتهم تقبل عندنا وإن قدر أن يقيم الشهادة على الأصل بغير الذين أشهدهم على شهادتهم.
٩٢٢ - قالوا: لا نسلم أن التيمم بدل عما عليه، وإنما هو بدل عن بقية الأعضاء، فلم يعتد في البدل مع أصله عبادة واحدة.
٩٢٣ - قلنا: لو غسل الوجه واليدين بالماء لزمه التيمم فيهما، وهذا جمع بين البدل والمبدل منه في محل واحد، على أنا منعنا الاعتداد ببعض الأصل مع البدل، وهذا يقتضي البدل عن جميع الأصل وعن بعضه.
٩٢٤ - قالوا: يبطل ما قلتموه بمن وجد من الطعام المباح ما يمسك رمقه يأكله ثم يأكل الميتة.
٩٢٥ - قلنا: أكل الطعام ليس بعبادة حتى يقال لها بدل، ثم قد يسقط الاعتداد بالطعام المباح عندنا؛ لأنه لو ابتدأ بأكل جزء من الميتة ثم أكل المباح جاز، ولو اعتد به لم يجزه تقديم الميتة عليه.
[ ١ / ٢٤٧ ]
٩٢٦ - قالوا: ليس في عتق بعض الرقبة فائدة، وفي غسل بعض الأعضاء فائدة؛ لجواز أن يجد ما يكمل به الوضوء لصلاة أخرى.
٩٢٧ - قلنا: عتق بعض الرقبة إذا كان المعتق موسرًا فيه فائدة؛ لجواز أن يقدر على شراء بقيتها عندكم، ففيه فائدة على الأصلين، وهو التصرف بالعين.
٩٢٨ - فأما استعمال الماء فلا فائدة فيه لهذه العبادة عندنا.
٩٢٩ - والعبادة الثانية: لا تعتبر أحكامها في هذه، ولأن عندهم المستحاضة إذا وجدت ما يكفي بعض أعضائها لزمها استعماله وإن كانت لا تنتفع به في الصلاة الثانية عندهم.
٩٣٠ - قالوا: التيمم يقع لجملة ولبعضها، ألا ترى أنه يقع عن جميع البدن في الجنابة وعن بعضه في الوضوء؛ فجاز أن يقع عن جملة الوضوء وبعضه، والصوم لا يقع بدلًا عن بعض العتق.
٩٣١ - قلنا: التيمم لا يقع عن جملة وبعضها في عبادة واحدة، وإنما يقع عن عبادتين:
٩٣٢ - إحداهما: في الصورة بعض الأخرى، فلم يقع عن الجملة وعن بعضها في عبادة واحدة، وهذا كالصوم في الكفارة، أن ثلاثة أيام تكون بدلًا عن إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، وعن بعض هذه الجملة في كفارة الأداء، ولم يجز أن تكون بدلًا عن بعض الإطعام في كفارة اليمين.
٩٣٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ وهذا أمر بغسل الأعضاء وكل واحد منها، كمن قال: إن دخلت السوق فاشتر لي عبدًا وفرسًا، جاز شراء أحدهما مع عدم الآخر.
٩٣٤ - والجواب: أن الآية دلالة لنا؛ لأن تقديرها إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فجعل غسل الأعضاء شرطًا في الدخول والتيمم، فلا يجوز ببعضه، كمن قال:
[ ١ / ٢٤٨ ]
إن أردت دخول الدار فأعتق أربع رقاب أو تصدق بعشرة.
٩٣٥ - فأما الذي قالوه فأمر بأشياء لم يجعل شرطًا في غيرها، فلا تعلق لأحدهما بالآخر.
٩٣٦ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وهذا يفيد ماء منكرًا؛ فيدخل فيه اليسير والكثير.
٩٣٧ - قلنا: قوله تعالى: ﴿فاغسلوا﴾ يقتضي مغسولًا به، فلما قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وذلك لا يصح الابتداء به؛ صار كأنه قال: فإن لم تجدوا ماء تغسلون به الأعضاء.
٩٣٨ - قالوا: لو كان المراد به ما تقدم من الماء، عرفه بالألف واللام.
٩٣٩ - قلنا: الماء في مضمون الغسل ليس بملفوظ به، فلم يصح تعريف ما لم يتقدم له لفظ، ولم يجز الكناية عما لم يذكره في الابتداء.
٩٤٠ - قالوا: الطهارة شرط من شرائط الصلاة، فإذا قدر على بعضه وعجز عن بعضه لزمه ما يقدر عليه، كستر العورة.
٩٤١ - قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأنه لو قدر على يسير الستر الذي لا يعتد به لم يلزمه.
٩٤٢ - ثم المعنى في ستر بعض العورة أنه يستبيح به الصلاة؛ فلزمه فعله، واستعمال بعض الماء مع بقاء الفرض في الباقي لا يستبيح به الصلاة.
٩٤٣ - وفي مسألتنا: الماء لم يستبح به، فلم يلزمه استعماله.
٩٤٤ - ولا يلزم سؤر الحمار؛ لأنه يستبيح به عندنا؛ ألاترى أنه لو صلى به ثم
[ ١ / ٢٤٩ ]
تيمم وصلى جاز، ولأن اعتبار القدرة على بعض الأصل بالقدرة على جميعه، بدلالة الكفارات.
٩٤٥ - قالوا: تعذرُ غَسْل بعض الأعضاء لا يكون سببًا في سقوط فرض ما يقدر على غسله منها، كمن قطع بعض أعضائه.
٩٤٦ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأن السقوط عندنا ليس ما ذكروه، وإنما هو الجمع بين البدل والمبدل، ثم المقطوع بعض أعضائه ما يلزمه جمع فرضه؛ فصار كالأعضاء الأربعة في مسألتنا.
٩٤٧ - قالوا: كل جملة جاز أن ينوب التيمم عن جميعها جاز أن ينوب عن بعضها، كالجنابة.
٩٤٨ - قلنا: نقول بموجبه فيمن قطع بعض أعضائه ثم غسل الجنابة، يجوز أن يختص الحدث ببعضه؛ فجاز أن ينوب التيمم عنه.
٩٤٩ - ولما لم يجز أن ينوب الحدث عن بعض أعضاء الوضوء لم يجز أن ينوب عنها، وما ذكرناه أشبه بالأصول؛ لأن المبدلات لا تثبت مع أبدالها، أو لأن الماء الطاهر متى لزمه التيمم معه سقط حكمه؛ لأن ما يقوله يؤدي إلى إيجاب طهاتين في عضو واحد بسبب واحد، وهذا لا يصح.
[ ١ / ٢٥٠ ]
مسألة ٤٤