٢٨٥ - قال أصحابنا: السنة في مسح الرأس مرة واحدة بماء واحد، وروي يجزيه مسحه ثلاث مرات بماء واحد.
٢٨٦ - وقال الشافعي: بثلاث مياه.
٢٨٧ - لنا: ما روى عطاء عن حمران عن عثمان ﵁ أنه توضأ بالمقاعد، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة، وغسل رجليه ثلاثًا،
[ ١ / ١٢١ ]
وقال: هكذا توضأ رسول الله - ﷺ -، ومعلوم أن البيان يقع بالكامل، فلو كانت السنة تكرار المسح لبينه.
٢٨٨ - ولا معنى لقولهم: وقد روي أنه مسح ثلاثًا؛ لأن أبا داود قال: الصحيح في الرواية من روى مرة واحدة، وهي أثبت طرقا من الثلاث. وروي أن عليًّا ﵇ توضأ برحبة الكوفة بعد ما صلى، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، وغسل رجليه ثلاثًا وقال: هذا وضوء رسول الله - ﷺ -.
٢٨٩ - وقولهم: روى عبد خير أنه مسح ثلاثًا لا يصح؛ لأنه يعارض الرواية عنه، ولم يتعارض عن غيره، ولأنه يحتمل أن يكون ثلاثًا بماء واحد.
٢٩٠ - وعن أبي محمد الحماني قال: أتيت أنس بن مالك، فسألته عن وضوء
[ ١ / ١٢٢ ]
رسول الله - ﷺ -، وقلت: بلغني أنك كنت توضيه، قال: نعم. فدعا بطهور فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة، وقال: هكذا وضوء رسول الله - ﷺ -، وعن معاذ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وما رأيته مسح إلا مرة.
٢٩١ - وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فسأله عن الوضوء، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه مرة، وقال: «هذا الوضوء، فمن زاد فقد ظلم وأساء»، واتفاق الروايات تدل على أن الأفضل مرة. ألا ترى أن النبي - ﷺ - يفعل الأفضل في عموم أحواله؟
٢٩٢ - ولا يقال: مسح مرة بمعنى أنه أخذ الماء مرة مسح ثلاثًا بثلاث مواضع من
[ ١ / ١٢٣ ]
يده؛ لأن الراوي ذكر المسح دون الأخذ، ولأن التكرار لو سُنَّ لم يجز بأخذ دفعة واحدة، كالغسل.
٢٩٣ - ولا يقال: إن خبرنا زائد؛ لأن هذا يقال عند الراوي، وقد بينا اشتهار خبرنا وكثرة الرواة، ولأنا لا نُسلِّم أن خبرهم يقتضي تكرار أخذ الماء، وإنما يقتضي العدد، وهذا ليس بخلاف، ولا مسح واجب، كمسح الخف والتيمم.
٢٩٤ - ولا يقال: التيمم رخصة وهذا ليس رخصة؛ لأن علة الأصل تبطل بطهارة الاستحاضة، وهي رخصة وتتكرر، ومسح الجبائر على أصلهم، ولأنه عضو فرضت فيه الطهارة فلا يُسَنَّ فيه الاستيعاب والتكرار، كسائر الأعضاء، ولا يَلْزَم المضمضة؛ لأنها لم تُفرض.
٢٩٥ - قالوا: نعكس فنقول: فيسن فيه التكرار.
٢٩٦ - قلنا: لا يؤثر التقييد؛ لقولكم: فرض فيه الطهارة.
٢٩٧ - احتجوا: بحديث أُبيٍّ أن النبي - ﷺ - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا.
قالوا: وهذا يقتضي تكرار ما فعله ابتداء، وهو المسح وأخذ الماء.
[ ١ / ١٢٤ ]
٢٩٨ - والجواب: أن مسح مرتين لا يقتضي ماء؛ لأن المسح لا يفتقر إلى الممسوح به، وإنما أثبتنا الماء في الابتداء بدليل، لا باللفظ، فلا يثبت في الثاني إلا بدليل.
٢٩٩ - ولا يقال: إن تكرار الماء قد فُهِم في المغسولات؛ لأن الغسل يقتضي مغسولا به، والمسح بخلافه.
٣٠٠ - ولا يقال: إذا ثبت أن المسح في الأولى بأخذ الماء فالتكرار مثلها؛ لأن التكرار يفيد إيقاع الفعل دون صفاته، كقولك: ضربته مرة ومرتين، وإن اختلفت صفات الضرب.
٣٠١ - ولا يقال: تكرار المسح بماء واحد عبث؛ لأنه لا يقع موضع السنة بماء مستعمل؛ لأن الماء لا يصير مستعملًا مع قيامه في العضو، وكيف يكون عبثًا وقد روي مُفَسَّرًا: أنه مسح برأسه بماء واحد أقبل بهما ثم أدبر، ولو ثبت أخذ ماء في كل مسحة جاز أن يكون مسح به مكانًا منفردًا، وهذا لا يُمنع منه إذا أراد الاستيعاب ونشف الماء من يده.
٣٠٢ - قالوا: لأنه أصل في أفعال الطهارة، فكان التكرار مسنونًا فيه، كالذراعين، وهذا ينتقض بالنية.
٣٠٣ - وقولهم: ليس بأصل في الأفعال غلط؛ لأنها من أفعال القلب، والمعنى في المغسولات أن التكرار لما سُنَّ فيها لم يضم إلى موضع الفرض غيره في الغسل الواحد، والمسح بخلاف، فصار كمسح الخفين.
٣٠٤ - قالوا: أحد نوعي الطهارة، كالمغسولات.
[ ١ / ١٢٥ ]
٣٠٥ - قلنا: المسح أضعف من الغسل، والتسوية بين ما ضعف وقوي في الطهارة لا يصح، ولأن المغسولات سُنَّ تكرارها لتيقن الاستيعاب الواجب فيها، ولما لم يجب الاستيعاب في المسح لم يكن لتكراره معنى.
٣٠٦ - ولا يقال: من اغتمس في الماء سُنَّ له التكرار وإن تيقن الاستيعاب؛ لأنا لا نُسَلِّم ذلك، وما ذكرناه أولى؛ لأن الأخذ بإفراد المسح أكثر رواية، ولا احتمال فيها، وخبر التكرار يَحْتَمِل، ولأن النبي - ﷺ - لا يترك المسنونات مع القدرة، فلما نقل من الطرق التي بيناها اقتصاره على مرة دل على أنها سنة، ولأنا رددنا مسحا إلى مسح، وما ضعف حكمه إلى نظيره، فكان أولى من رده إلى المغسول.
٣٠٧ - وقولهم: رد الأصل إلى الأصل أولى من رده إلى البدل ليس بصحيح؛ لأنه لا يمتنع أن يتساوى الأصل والبدل، كالاستيعاب في التيمم والوضوء، والتكرار في مسح الجبيرة والغسل عندهم.
[ ١ / ١٢٦ ]
مسألة ١٨