١٩٦ - قال أصحابنا: الطهارة بالماء لا تفتقر إلى نية.
١٩٧ - خلافا للشافعي.
١٩٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ وإيجاب النية زيادة، وذلك لا يجوز بخبر الواحد والقياس. ولا يقال: إيجاب النية يخصص لأن الغسل على ضربين، فإذا جَوَّزْنَا أحدهما فقد خصصنا عمومها؛ وذلك لأن في الآية الغاسلين، وليس فيها غسل، والمخصص يتبع اللفظ دون المعنى، ولا يجوز الغُسْل الجائز عندهم -كغسل الجنابة عندهم- لا يجوز كونه غُسْلًا، وإنما يجوز بالنية، وهذا معنى الزيادة.
١٩٩ - ولا يقال: إن قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ معناه: لها، كما يقال: إذا دخلت على الأمير فالبس، وهذا معنى النية، وذلك لأن المراد بالآية حصول الغسل الذي يَصْلح للقاء السلطان وإن لم يقع له، ولأن الغسل للصلاة التي يقوم إليها لا يعتبره أحد، فلم يجز حَمْلُه عليه.
٢٠٠ - ولا يقال: إن الغسل لا يمكن حال القيام إليها، فكأنه قال: إن أردتم القيام
[ ١ / ١٠١ ]
إلى الصلاة فاغسلوا، ومن توضأ وهو يُريد القيام إلى الصلاة فقد نواها؛ لأنه يُريد القيام فيردد باستعمال الماء.
ويدل عليه قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه» ولم يذكر النية، مع جهل الأعرابي بالحكم وحاجته إلى البيان.
٢٠١ - ولأنه ذكر تختص الطهارة به، والنية شرط في كل عبادة، ولأن الأعرابي كان غير عالم لهذا المعنى؛ ألا ترى. أنه خفي على أكثر الفقهاء؟ فهو أولى، ولأنه إزالة معنى لا يجوز الصلاة مع وجوده فلا يقف مع النية، كغسل النجاسة، ولا يلزم التيمم؛ لأنه ليس بإزالة معنى، ولا الإيمان؛ لأنه إزالة كفر، واعتقاد إيمان، فلو لم يعتقد لم يجز الصلاة بترك الكفر.
ولا يقال: إن إزالة النجاسة إذا وقع بجامد لم يفتقر إلى النية، فكذلك المائع، والوضوء بخلافه، لأن إزالة النجاسة، والوضوء، كل واحد منهما لا يصح بالجامد، لاسيما على أصل المخالف، ولأن هذا أخذ حكم الأصل من بدله، فلا يصح، ولأنه سبب من أسباب الصلاة لا يصح إلا به مع القدرة، فصار كستر العورة.
٢٠٢ - قالوا: المعنى في ستر العورة أنه مُسْتَصْحَب في حال الصلاة، فنية الصلاة تشتمل عليه.
٢٠٣ - قلنا: فالبقاء على الطهارة شرط في الصلاة، فنية الصلاة تشتمل عليه أيضًا.
[ ١ / ١٠٢ ]
٢٠٤ - قالوا: فستر العورة لا يختص بالصلاة، فكان أضعف من الطهارة.
٢٠٥ - قلنا: فالطهارة لا تختص بالصلاة؛ لأنها تقع لدخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرءان، ولأن كل ما يَصِح من الصبي قبل البلوغ على وجه يسقط به الفرض بعده لم يقف على النية، كغسل الجنابة.
٢٠٦ - ولا يقال: إن إزالة النجاسة طريقها التروك، والوضوء فعل، والأفعال يعتبر فيها النية دون الترك؛ وذلك لأن الصوم في ترك الأكل والشرب والجماع، فقد اعتبرت النية فيه، ولأن الوضوء ترك الحدث وإيجاد الطهارة.
٢٠٧ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.
٢٠٨ - والجواب: أن المراد بالعبادة: الإيمان؛ لأن الإخلاص ضد الشرك، وذلك يختص بالإيمان، ثم قال: ﴿حنفاء﴾، وهذا عبارة عن الدين. ثم رَتَّبَ عليه فعل العبادات، وقال: ﴿ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾، فصارت عليه العبادات من الإخلاص هو الإيمان، ولا ما يجوز الوضوء وإن وقع على وجه العبادات، فاحتاجوا أن يدلوا ألا يكون إلا عبادة، حتى يمكن التعليق بالعبادة.
٢٠٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الأخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الأخرة من نصيب﴾.
٢١٠ - والجواب: أن الآية تنفي الثواب فيما فعل للدنيا، والخلاف في أن من لا ثواب فيه هل يسقط الفرض أم لا؟ فلم يكن في الآية دلالة على موضع الخلاف: إذا لم يمتنع سقوط الفرض بما لا ثواب فيه، كغسل النجاسة.
[ ١ / ١٠٣ ]
٢١١ - احتجوا: بقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى».
٢١٢ - والجواب: أن هذا متروك بالإجماع؛ لأن العمل يكون بغير نية.
ثبت أن المراد به غير الظاهر، ويحتمل: فضيلة العمل بالنية، وليس أحدهما أولى من الآخر، ولا يجوز إضمارهما؛ لأن اللفظ إذا استقل بإضمار واحد لم يحتج إلى غيره، ولأن العموم في المضمرات لا يعتبر، ولأن الفضيلة والجواز يتنافيان، ألا ترى أن عدم الفضيلة يقتضي وجود الجواز، وإضمار الجواز ينفي الأمرين؟ ولا يقال: إنا نضمر: حُكْم العمل؛ وذلك لأن هذا مُجْمَع على تركه، ألا ترى أن الأعمال قد ثبت حكمها من غير نية، وكان إضمار ما لم يتفق على تركه أولى؟ ولأن الخبر خرج على سبب، وهو أن رجلًا هاجر خلف امرأته، فقال ﵇: «إنما الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه» فأسقط الثواب في الهجرة لعدم النية، وإن وقعت موقع الواجب.
[ ١ / ١٠٤ ]
ألا ترى أنه لم يأمره بالعود إلى دار الحرب وتجديد الهجرة إلى دار الإسلام؟ وإن كان المراد بالخبر الفضيلة فيما قصد به كان هو المراد فيما لم يقصَد به.
٢١٣ - قالوا: سُئِلَ ﵊ عن مَن اغتسل ولم ينو، فقال: «يعيد».
٢١٤ - قلنا: هذا ليس بإجماع؛ لأنا لا نعلم انتشاره، ولا يجوز التقليد مع مخالفته لظاهر القرءان عندنا، على أن الخبر لا يُعرَف.
٢١٥ - قالوا: طهارة مِنْ حدث، أو طهارة شرعية حكمية، أو محلها غير محل موجبها، كالتيمم.
٢١٦ - قلنا: تخصيص الطهارة بالحدث يدل على ضعفها عندكم؛ لأن الإزالة أقوى، فلا يُسْتَدَل بذلك على تأكيدها، وقولهم: محلها غير محل موجبها لا نُسلمه؛ لأن محلها قد يكون محل موجبها عندنا إذا خرج الدم من مواضع الوضوء، ثم المعنى في التيمم أنه بدل لحق الله تعالى، والأبدال تفتقر إلى النية، والوضوء طهارة ليست ببدل، كغسل النجاسة، ولأن التيمم يقع على وجه واحد على واجبين مختلفين: الغسل والوضوء، فاحتاج إلى نية التمييز، والوضوء يقع على وجه واحد فلم يحتج إلى نية، ولا يَلْزَم على هذا الغسل الذي يقع عن الحيض والجنابة؛ لأن الموجب واحد، وهو الغُسْل، وإنما يختلف الموجب، ونحن اعتبرنا اختلاف الواجب.
ولا يقال: لو تيمم للوضوء جاز وإن كان جنبًا؛ لأنا لا نميز هنا إذا اعتبرنا نية التيمم.
٢١٧ - قالوا: عبادة مضمنة ببدل يحتاج إلى نية، فمبدله كذلك، كالكفارات.
٢١٨ - قلنا: يبطل بالمزدلفة؛ أنه لا يفتقر إلى نية، ولو تركه افتقر الدم الذي هو بدله إلى النية، وقولهم: إن نية الحج في نية الفرض، ولا يُؤثِر، لأنها لم
[ ١ / ١٠٥ ]
تعتبر في الأصل نية منفردة، واعتبر في المبدل، يبطل بإرسال الصيد: لا يفتقر إلى نية، ولو مات في يده افتقر البدل إلى النية.
٢١٩ - وقولهم: الجزاء بدل عن المقتول لا عن الإرسال، ليس بصحيح؛ لأنه عوض عن المقتول وبدل عن الإرسال.
ألا ترى أنه يجب عند العجز عنه لحقه، ولأن البدل في الكفارات ساوت مبدلاتها في أنها عبادة مقصودة، فساوت في النية، وفي مسألتنا البدل والمبدل ليسا بمقصودين، فلم يفتقر إلى نية القربة، وافتقر المبدل إلى نية البدل، أو نية التمييز عن قول بعض أصحابنا.
٢٢٠ - قالوا: البدل يساوي المبدل، أو ينقص عنه، ولا يزيد عليه، فإذا شرطت النية في البدل دل على اعتبارها في الأصل.
٢٢١ - قلنا: البدل قد يزيد في الشرائط على مبدله، ألا ترى أن شرائط الصوم أكثر من شرائط العتق، والظهر بدل عن الجمعة، فهي أكثر شروطًا؟.
٢٢٢ - قالوا: ما اعتبر في حال العجز أخف مما اعتبر في حال الرفاهية؛ بدلالة صلاة السفر عندهم تفتقر إلى نية الفرض والقصر، ونية التيمم تحتاج إلى تعيين الفرض، ولا ذلك عندهم في الوضوء.
٢٢٣ - قالوا: عبادة ترد إلى شرطها، كالصلاة.
٢٢٤ - قلنا: الأصل غير مُسَلَّم في الأصل والفرع؛ لأن فرض السفر عندنا غير فرض الحضر فلم يكن شطره كالفجر والظهر، والتيمم جنس غير الوضوء، وشطر الشيء ما كان من جنسه، ثم المعنى في الصلاة أن نية التعيين معتبرة في جنسها، فلذلك افتقرت إلى النية، ولما كان جنس الوضوء لا يعتبر فيه التعيين لم يعتبر فيه النية، وبعكسه التيمم على قول من اعتبر فيه التمييز من أصحابنا.
[ ١ / ١٠٦ ]
٢٢٥ - قالوا: نفل الوضوء لا يصح إلا بالنية، وكل عبادة شرعتْ نفلّا وفرضًا إذا احتاج نفلها إلى نية احتاج فرضها إلى نية. وهذا ليس بصحيح؛ لأن ما يزاد على مرة في الغسل نفل، ولا يحتاج إلى النية. وأما الطهارة المبتدأة لمن كان على وضوء فيها النفل، إلا أن يكون للقربة فلذلك افتقرت إلى النية، والفرض يوجد فيه معنى غير القربة، وهو الإزالة، فلذلك لم يفتقر إلى النية.
[ ١ / ١٠٧ ]
مسألة ١٤