٤١٣ - قال أصحابنا: لا يجوز استقبال القبلة عند الحاجة في البيوت والصحاري، وفي استدبارها روايتان.
٤١٤ - وقال الشافعي: يجوز في الأبنية.
٤١٥ - لنا: ما رواه الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتيتم الغائط فعظموا قبلة الله، فلا تستقبلوها، ولا تستدبروها، ولكن
[ ١ / ١٤٨ ]
شرقوا، أو غربوا»، قال أبو أيوب: لما قدمنا الشام وجدنا مراحيضهم قد بنيت نحو الكعبة، فنحن ننحرف عنها، ونستغفر الله ﷿، فالخبر عام، وقد فهم الراوي منه البنيان وغيره.
٤١٦ - وروى سلمان أن النبي - ﷺ - نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وذكر أبو داود حديث معقل بن أبي معقل الأسدي قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يستقبلوا القبلة ببول أو غائط.
٤١٧ - قالوا: هذه الأخبار ذكر فيها الغائط، وهو الموضع المطمئن من الأرض، وذلك لا يكون في الصحاري.
٤١٨ - قلنا: الغائط قد صار في العرف اسما للحاجة.
[ ١ / ١٤٩ ]
٤١٩ - قالوا: الأخبار خرجت على المعتاد، ولم يكن بني بالمدينة أخلية.
٤٢٠ - قلنا: هذا تخصيص للعموم بالسبب، والمعتبر عموم اللفظ دون خصوص السبب، ولأنه حكم يتعلق بالقبلة، فلا يختلف بالصحاري والبيوت، كالاستقبال في الصلاة، ولأنه تعظيم لحق الله تعالى فلا يختلف بالبنيان وغيره، كتعظيم المساجد، ولأن حكما مُنع المصلي من استعماله في الشرع أبيح مع الحائل بالبعد، كالحائل، أصله: الصلاة إلى القبر، فلما لم يجز الاستقبال مع البعد؛ كذلك الحائل، ولأن كل محل نزه عن الخلاء إذا كان غير مبني نزه مع البناء، كالمسجد. ولا يقال: إن الأبنية تحول بين الإنسان وبين المصلي، والفضاء ليس فيه حائل فيستقبل المصلي عورته؛ وذلك لأن البناء والبعد في المنع سواء، فلو منع الحائل منع البعد. ولا يقال الأبنية تضيق فيشق اعتبار الانحراف فيها والصحاري لا تضيق؛ لأن صحون الدور وسطوحها لا تضيق عن الانحراف وإن جوز الاستقبال، ولأن عادة الناس في سائر بلادهم أن يحرفوا البناء، ولو شق لم يتكلفوه، ولأن الضيق إنما يؤثر في البناء، ويجوز أن يبنى نحو القبلة وينحرف الجالس عليه.
٤٢١ - احتجوا بما رواه خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة ﵂ قالت: ذكر لرسول الله - ﷺ - أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بوجوههم
[ ١ / ١٥٠ ]
فقال: «أو قد فعلوها، استقبلوا بمقعدتي القبلة».
٤٢٢ - والجواب: أن البخاري ذكر في تاريخه أن هذا الخبر مرسل، وأن الثقات أوقفوه على عائشة.
٤٢٣ - وقولهم: إن عراك سمع ممن هو في طبقة عائشة لا يمنع إرساله؛ لأن البخاري لم يذكر جهة الإرسال؛ فيجوز أن يكون خالد لم يسمع من عراك، ويجوز أن يكون عراك سمع من في طبقة عائشة دونها؛ ولأن الخبر لا دلالة فيه؛ لأنها لم تقل في ماذا تكلموا، فيجوز أن يكونوا اعتقدوا تحريم البناء نحو القبلة فأنكر النبي - ﷺ - ذلك؛ لأن التحريم في الجلوس، ولهذا أمر بتحويل مقعدته ولم يتحول بنفسه.
٤٢٤ - احتجوا: بما روى عن ابن عمر أنه قال: لقد رقيت على سطح مرة، فرأيت النبي - ﷺ - جالسًا على لبنتين مستقبل الكعبة.
[ ١ / ١٥١ ]
٤٢٥ - وفي بعض الأخبار: مستقبل بيت المقدس. وروى جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن استقبال القبلة للبول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبل.
٤٢٦ - والجواب: أن خبر ابن عمر روي في الاستدبار، وهو جائز في إحدى الروايتين، ولأن حكاية فعل فيحتمل أن يكون لعذر، فلا يمكن التعلق بعمومه، ثم
[ ١ / ١٥٢ ]
النهي عن استقبال القبلة استفاض في الصحابة، وهذه الأخبار إما أن تنسخ وإما أن تخصص، فكان يجب أن يبينها - ﷺ - بيانًا ظاهرًا، فأما أن يقع البيان بفعله في حال لا يجوز الاطلاع عليه فلا، ولو ثبت جواز الاستقبال بهذه الأخبار لثبت بكل حال، ألا ترى أنه - ﷺ - إذا فعل فعلًا لم يختص جوابه بالبقعة التي فعله فيها، ولا معنى لقولهم كيف يظن بالنبي - ﷺ - أن يفعل باطنًا ما لا يجوز؛ لأنا لا نظن ذلك، وإنما حملنا فعله على حالة العذر، ومنعنا تبين الشرع في حالة لا يجوز أن يشاهد عليها.
٤٢٧ - وقولهم: إن الصحابة رجعوا إلى عائشة في التقاء الختانين بقولها: فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا، لا يصح؛ لأنهم رجعوا أن روايتها أن النبي - ﷺ - قال: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» ثم ذكرت الفعل بعد ذلك، ولأنهم رجعوا إليها في هذا الفعل الذي يجوز لها أن تطلع عليه، ولأن الأخبار لما تعارضت كانت أخبارنا أشهر، وأكثر رواة، وأصح طرقًا، وتوجب الحظر، وهو قول متقدم على الفعل.
٤٢٨ - ومن أصحابنا من حمل رواية استقبال القبلة على استقبال بيت المقدس، وقد روي عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن استقبال القبلتين، فلما نسخت القبلة الأولى جاز استقبالها.
٤٢٩ - قالوا: الصحراء لا تخلو من مصلى أو ملك، فيستقبله بفرجه،
[ ١ / ١٥٣ ]
والبنيان يحول بين الجالس وبين المصلي.
٤٣٠ - وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يقتضي أن يكون المنع لعين حرمة القبلة، وقد فهم المسلمون من التحريم أنه تكرمة القبلة دون المصلين، ولأن الحائل لو أزال المعنى الذي ذكروه زال بالبعد، كما قلنا في الصلاة إلى القبر.
٤٣١ - قالوا: الأبنية تضيق والفضاء يتسع، ففرق بينهما للمشقة، كما فرق بين الصلاة على الراحلة في الحضر والسفر.
٤٣٢ - قلنا: لو كان هذا يشق لم يتفق فعل الناس على احتمال المشقة، ولأن الصلاة لا تختلف بالبنيان والفضاء، وإنما تختلف بالمصر وخارج المصر، وعلى أن الصلاة عكس مسألتنا، ألا ترى أنها حُظرت في المصر وأبيحت خارج المصر؟ فلم يجز أن يُعْتَبَرَ بها مع المخالفة.
[ ١ / ١٥٤ ]
مسألة ٢٤