٣٧٠ - قال أصحابنا: الترتيب في الوضوء ليس بواجب.
٣٧١ - خلافا للشافعي.
٣٧٢ لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾، وقد بينا أن الواو للجمع، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء؛ فلا يفيد الترتيب.
٣٧٣ - قالوا: الفاء للتعقيب إذا دخلت مدخل المجازاة، فوجب الابتداء بالوجه، وهذا ضد قولكم.
٣٧٤ - قلنا: الآية ليس فيها مجازاة، وإنما هو أمر يتعلق بشرط، ولو ثبت ما قالوا لم يدل؛ لأن الواو جَمَعَت الأعضاء، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء، وهذا حكم الشرط والجزاء مثل: إن خِطْتَ هذا فلك درهم ودينار، وإن دخلت السوق فاشتر خبزًا ولحمًا، فلا يفيد ذلك التقديم.
٣٧٥ - قالوا: العرب تُخْبِر عن جنس ثم تنتقل إلى غيره. تقول: ضربت زيدًا وعمرًا، وأعطيت بكرًا، ولا تقول: ضربت زيدًا، وأعطيت وضربت بكرًا، فلما أدخل الله تعالى المسح بين الغسلين دل على الترتيب.
[ ١ / ١٤٠ ]
٣٧٦ - قلنا: الطهارة جنس واحد، وإن اختلفت صفاتها، فهو كالعطاء المختلف الصفات، فيجوز أن يُخْبَر ببعضه عقيب بعض، ولأن الفائدة في دخول المسح بين الغسلين استحباب الترتيب، أو ليعطف الرِجْل على الرأس لفظًا، وعلى الوجه حكمًا.
٣٧٧ - ولا يقال: إذا ثبت أن دخولها للترتيب ثبت وجوبه؛ لأن الأمر على الوجوب.
٣٧٨ - قلنا: لم يثبت أنه قال: الترتيب بالأمر، وإنما بيناه لطلبًا فائدة الكلام، والفائدة لا تختص بالوجوب.
٣٧٩ - قالوا: العرب تخبر عن الأقرب فالأقرب، فلما ذكر الله تعالى اليدين عقيب الوجه، وأَخَر الرأس مع قُربه؛ دل على الترتيب.
٣٨٠ - قلنا: يحتمل أن يكون أخره لفضيلة الترتيب على ما قدمناه، ويدل عليه حديث الرُّبَيِّع: أن النبي - ﷺ - توضأ وضوءه للصلاة فغسل يديه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرافقين ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا، ثم مسح برأسه، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - ﷺ - دعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل دراعية ثاثا، ثم مسح برأسه، وهذا يفيد تقديم الكفين على الوجه، وذكر أبو داود حديث عمار في التيمم، وأن النبي - ﷺ - قال: «إنما يكفيك أن تصنع هكذا» فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب شماله على يمينه، ويمينه
[ ١ / ١٤١ ]
على شماله على الكفين، ومسح وجهه، ولأنها طهارة، كغسل النجاسة والجنابة.
٣٨١ - قالوا: الجنابة فرض واحد، بدلالة جواز نقل الماء من عضو إلى عضو، فصارت كالعضو الواحد؛ فلا يعتبر فيه الترتيب.
٣٨٢ - قلنا: هذا لم يمنع من استحباب الترتيب، ألا ترى أن الأفضل الابتداء بمواضع الوضوء، فكان لا يمنع من وجوبه أيضًا، وعلية الفرع تبطل بغسل اليدين إن نقل الماء من إحداهما إلى الأخرى، ولا يجب الترتيب.
٣٨٣ - قالوا: إزالة النجاسة طريقها التروك فلا ترتب، والوضوء طريقه الأفعال فَتُرتَّب.
٣٨٤ - قلنا: كل واحد منهما إيجاد فعل وترك المعنى المانع، فلا فرق بينهما، ولأن أعضاء الطهارة يصح إيقاعها دفعة إذا أمر جماعة فغسلوا أعضاءه معًا، وما صح وقوعه دفعة لم يترتب، كغسل الجنابة، ولأن كل عضو منها يصح أن ينفرد عن الآخر في الوجوب، كالعبادات، ولا يلزم جواز انفراد الطواف عن السعي، لأن كل واحد منهم لا نفرد عن الآخر.
٣٨٥ - قالوا: العبادات لا يفْسد بعضها بفساد بعض، والوضوء يفسد بعضه بفساد بعض.
٣٨٦ - قلنا: قد لا يفْسد بعضه بفساد بعض، ألا ترى أن نزع الخف يُبْطِل طهارة الرِجْل، ولا تبطل طهارة باقي الأعضاء؟ ولأنهما عضوان من أعضاء الوضوء فجاز ترك الترتيب فيهما، كاليدين.
[ ١ / ١٤٢ ]
٣٨٧ - قالوا: المعنى في اليدين والرجلين أنهما في حكم العضو، بدلالة بطلان المسح في أحدهما بنزع الخف عن الآخر.
٣٨٨ - قلنا: أصلنا اليدين، وهذا المعنى لا يوجد فيها ولا سيما لو كانا كالعضو جاز نقل الماء من أحداهما إلى الأخرى، ولا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز النقل لأنه لا ينفصل عن العضو؛ لأنهما لو كانا كالعضو جاز النقل مع الانفصال كما يجوز غسل الجنابة في الرِّجْل بالماء الذي وقع على الرأس وإن لم يصب باقي البدن، ولأنه لو جمع ين يديه لم يجز نقل الماء من إحداهما إلى الأخرى وإن لم ينفصل، فأما بطلان المسح في أحد الرجلين فليس لما قالوا، لكن لأن الجمع بين الغسل والمسح لا يجوز فيهما، ولأن من شرط بقاء المسح تغطيتهما، كما أن من شرط الابتداء تغطيتهما.
٣٨٩ - احتجوا: بما روي أن النبي - ﷺ - سئل عن البداءة بالصفا والمروة، فقال: «ابدأوا بما بدأ الله تعالى به»، وهذا عام.
٣٩٠ - قلنا: سؤالهم يدل على بُطْلان قولكم في الترتيب؛ لأنهم فهموا الآية، فلو اقتضت الترتيب لم يسألوا.
٣٩١ - وقد روى الشافعي هذا الخبر فذكر فيه: «نبدأ بما بدأ الله به»، فإن كان هذا أصل الخبر فلا دلالة فيه؛ لأنه إخبار عن فعله، وفعله لا يدل على الوجوب. وإن كان أصل الخبر «ابدأوا» صح تعلقهم به، فوجب التوقيف، ولا يجوز إثباتهما والقصة واحدة؛ لأنه إثبات خبر بالتجويز، ولأن قوله: «ابدأوا بما بدأ الله به» لا يمكن حمله على ظاهره من وجوب البداءة بالفعل بما بدئ به في التلاوة؛ ألا ترى أن الله تعالى قد بدأ بما يجب تأخيره في قوله ﴿واسجدي واركعي﴾ فيحتمل أن يكون
[ ١ / ١٤٣ ]
المراد به: ابدأوا فعلا بما بدأ الله به حكما، وهذا موضع الخلاف، على أنا إذا قلنا: الواو للجمع، لم نُسَلِّم البداءة في الآية بشيء من الأعضاء.
٣٩٢ - قالوا: روى خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يغسل يديه ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه» و(ثم) للترتيب.
٣٩٣ - والجواب: أن (ثم) تقتضي وجوب التراخي مع الترتيب، وذلك غير مراد، فعلم أن حقيقتها متروكة، فصارت بمعنى الواو، كقوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾.
٣٩٤ - ولا يقال: إنها تقتضي الترتيب والتراخي، فإذا سقط أحدهما بدلالة بقي الآخر، كلفظ العموم إذا خص؛ لأن العرب لم تستعمل (ثم) في أحد الأمرين دون الآخر، فلم يجز إثبات ما لا يعرفونه، وقد استعملوا لفظ العموم في الخصوص، فلذلك حمل عليه بدليل.
٣٩٥ - قالوا: قد أفاد الخبر المهملة، وقو غسل ما بين العضوين.
٣٩٦ - قلنا: لو وجب الفور بالخبر لم يتصور الغسل إلا على هذا الوجه، ولا بد من مقارنة الفور للمهلة.
٣٩٧ - قالوا: توضأ النبي - ﷺ - وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (١)، ولا يجوز أن يكون ترك الترتيب؛ لأن ذلك غير منقول، فعلم أنه رَتَّبَ.
[ ١ / ١٤٤ ]
٣٩٨ - قلنا: قوله (هذا) إشارة إلى ما يتناوله اسم الوضوء، والترتيب لا يُسَمَّى وضوءًا، فلم يقع الإشارة إليه وإن اتفق مع الوضوء ككونه في مكان مخصوص، كالصلاة.
٣٩٩ - قلنا: لا نسلم أن الحدث يبطل الصلاة على الإطلاق؛ لأنها تصح مع الحدث إذا كان بغير فعله، ثم المعنى في الصلاة أن كل ركن منها لا يصح أن ينفرد عن الآخر، ولما جاز أن ينفرد كل عضو عن الآخر لم يعْتَبَر الموالاة فيه والترتيب، ولأن الصلاة لما اعتبر فيها الموالاة جاز اعتبار الترتيب، ولما لم تعتبر الموالاة في الوضوء لم يُعْتَبَر الترتيب.
٤٠٠ - قالوا: عبادة ترد إلى شرطها، كالصلاة.
٤٠١ - قلنا: لا نسلم وجوب الترتيب في الصلاة؛ لأن المدرك لو بدأ بقضاء الفائت جاز وإن ترك الترتيب، ثم المعنى في الصلاة أنه لما لم يجز جمع مسنوناتها بعد الفراغ من فرائضها جاز أن تترتب فرائضها، ولما جاز جميع مسنونات الوضوء بعد الفراغ من فرائضه لم تترتب فرائضه.
٤٠٢ - قالوا: عبادة ذات أركان تتقدم الصلاة، كالأذان.
٤٠٣ - قلنا: الوضوء ليس بذي أركان، وإنما هو فعل واحد تختلف صفاته، وكذلك للأذان أذكار مجتمعة، فلا يقال إنها أركان، ولأن من ترك الترتيب في الأذان جاز إن وقع الإعلام، وإن لم يقع فلأن المقصود من الأذان لم يحصل، والمقصود بالوضوء يحصل مع عدم الترتيب.
٤٠٤ - قالوا: عبادة تجمع أفعالًا نفلًا وفرضًا، كالحج.
٤٠٥ - قلنا: لا نُسَلِّم وجب الترتيب في الحج، وإنما لا يوجد وقت الركن إلا بعد تقدم ما قبله، ولهذا لو وقف بعرفة لم يجز أن يطوف في بقية الليل؛ لعدم الوقت، ثم المعنى في الحج أن الترتيب يقع في سننه، فجاز في فرائضه، ولما لم يقع الترتيب في
[ ١ / ١٤٥ ]
سنن الوضوء لم يقع في فرائضه، ولأن الترتيب في الحج يتصور في الطواف والسعي، والمعنى فيه أن السعي لا ينفرد عن الطواف فترتب عليه، وبعض الأعضاء ينفرد عن بعض؛ فلم يترتب.
٤٠٦ - قالوا: مسح بالماء، فكان من شرطه تقدم الغسل، كمسح الخفين.
٤٠٧ - قلنا: يبطل بالجبيرة على الوجه، وبمقطوع اليدين من فوق المرافق، إذا كان بوجهه عذر أنه يبتدئ بمسح الرأس، ثم يعكس فنقول: فجاز أن يقع به الفراغ من الوضوء مع سلامة الأعضاء، كالمسح على الخف.
[ ١ / ١٤٦ ]
مسألة ٢٢