١٧٤٩ - قال أصحابنا: الترجيع في الأذان ليس بسنة.
١٧٥٠ - وقال الشافعي: هو سنة.
١٧٥١ - لنا: ما روي في حديث عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان في منامه، فذكره للنبي - ﷺ - ولقنه بلالًا وليس فيه ترجيع.
١٧٥٢ - وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال للنبي - ﷺ -: رأيت مثل ذلك. وروى سويد بن غفلة أنه سمع بلالًا يؤذن ببطحاء مكة بصوتين
[ ١ / ٤١٢ ]
صوتين ويقيم مثل ذلك. والإقامة إذا كانت مثل الأذان فلا ترجيع فيه، ولأنه دعاء إلى الصلاة، كالإقامة.
١٧٥٣ - ولا معنى لقولهم: إن الإقامة دعاء للحاضر والأذان دعاء للغائب؛ لأن الإقامة دعاء للغائب أيضًا، ولأن ذلك لم يمنع من تساويهما في بقية الألفاظ، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة، كالخطبة. ولا يقال: إن المقصود منها مخاطبة المعنى، فلا معنى للتكرار؛ وذلك لأن المقصود منها الوعظ والتعليم، والتكرار يحتاج إليه في ذلك، ولأن الشهادة من ألفاظ الأذان، فلا يرجع، كبقية الألفاظ. ولا يلزم التكبيرات؛ لأن معنى الترجيع أن ينتقل عن الذكر إلى غيره ثم يعيده كما ابتدأه، وهذا لا يوجد في التكبيرات. ولأن من سنن الشهادة في الأذان أن يتعقب التكبير، أصله: الابتداء، والشهادة في الانتهاء، فلو ثبت الترجيع لكانت الشهادة الثانية غير مرتبة على التكبير.
١٧٥٤ - احتجوا: بما روي عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول الله: علمني سنة الأذان: فقال: «قل: الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ارفع صوتك وقل: أشهد أن لا إله إلا الله».
١٧٥٥ - والجواب أن أصل حديث أبي محذورة رواه أنه قال: خرجت مع
[ ١ / ٤١٣ ]
نفر في طريق حنين، فإذن مؤذن رسول الله - ﷺ -، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى أن أوقفنا بين يديه، وقال: «أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟» فأشاروا إليّ، فأرسلهم وحبسني، ثم قال: «قم فأذن للصلاة»، ولا شيء أكره إليّ من رسول الله - ﷺ - وما يأمرني به، فألقى عليّ الأذان بنفسه، وذكر الأذان، فلما فرغ من الشهادتين قال: «ارع فمد صوتك، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله» ثم وضع يده على ناصيتي وأمرّها على رأسي ووجهي وفؤادي، ثم قال: «بارك الله عليك وفيك»، وأعطاني صرة فيها شيء من الورق، فزالت عني الكراهة، وانصرفت ولا شيء أحب إلي من رسول الله - ﷺ - وما يأمرني به. فهذا أصل الخبر، وهو محمول على أنه ردد عليه؛ لأنه لم يأت به على وجهه، أو لأنه أراد أن يتعود لفظ الشهادة لأنه كان كافرًا، وكرر ذلك؛ فقد جرت عادة من يلقن غيره أن يردد عليه ما يلقنه ليحفظ، فلما حفظ أمره بإعادتها بصفتها. وإذا احتمل الخبر ما ذكرناه وما ذكروه سقط التعلق به. ولأن الأذان رواه عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وسويد بن غفلة ولم يذكروا الترجيع، فالرجوع إلى ما كثرت روايته أولى، ولأن بلالا وابن أم مكتوم كانا يؤذنان بحضرة النبي - ﷺ -، وأبو محذورة كان يؤذن بمكة، فالرجوع إلى الأذان بحضرته - ﵇ - أولى، فأما ما رفعه أن أبا محذورة قال للنبي - ﷺ -: لقني سنة الأذان: فهو مأخوذ من هذا الخبر. ولو ثبت جاز أن يكون أمره بالشهادتين يخفض بها صوته لا على طريق
[ ١ / ٤١٤ ]
الأذان ورفع صوته على طريق الأذان، كما ندب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل قوله في نفسه، يبين صحة ذلك أن الأذان ليس من سنته خفض الصوت، فلما أمره بأحد الذكرين خافضًا صوته علم أنه لا على وجه الأذان. وما رووه عن أبي محذورة قال: لقنني رسول الله - ﷺ - الاذان تسعة عشر كلمة فإنه ظن أن ترداد النبي - ﷺ - الألفاظ لأنها أذان، ولم يحملها على معنى التكرار، فقد جمع الألفاظ.
١٧٥٦ - قالوا: روى عمر بن سعد القرظ عن أبيه، قال: كان بلال يؤذن على عهد رسول الله - ﷺ - بالترجيع.
١٧٥٧ - قلنا: رُوِيَ أذان بلال من جهات كثيرة لم يذكر فيه الترجيع، ولو كان يرجع لنقل ذلك من طريق الاستفاضة؛ لتكرار الأذان، ويحتمل أن يكون قد عبر بالترجيع عن لاتثويب؛ لأنه رجوع إلى قوله: حي على الفلاح.
١٧٥٨ - قالوا: روي أن سعد القرظ كان يؤذن في إمارة ابن الزبير بالترجيع، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ بقباء، وكان يؤذن لعمر بعد خروج بلال.
وروى ذلك أولاد أبي محذورة، لأنهم اعتقدوا جواز إثبات ذلك بخبر الواحد. وهذا لا يلزمنا؛ لأنها لا تقبل فيما يظهر ويلتبس خبر الواحد لا سيما إذا خالفه الجماعة عليه.
[ ١ / ٤١٥ ]
١٧٥٩ - قالوا: ذِكر في الأذان قبل الدعاء إلى الصلاة، فوجب أن يتكرر أربعًا، كالتكبير.
١٧٦٠ - قلنا: التكبير دليلنا؛ لأنه لما ثبت فيه التكرار ثبت في حالة واحدة قبل أن ينتقل عنه، فلو تكررت الشهادة لتكررت قبل الانتقال عنها. ولأن التكبير لما كان في آخر الأذان مرتين كان في أوله على الضِّعف، والشهادة بالرسول إحدى الشهادتين؛ فجاز أن يعود بعد الانتقال عليها، ككلمة التوحيد.
١٧٦١ - كلمة التوحيد عادت ذِكرًا مبتدأ لا على طريق الإعادة، ولو جاز عود الشهادة بالرسول لجاز مبتدأ لا على طريق الإعادة.
[ ١ / ٤١٦ ]
مسألة ٨٨