٤٧٤ - قال أصحابنا: إذا نام راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا فلا وضوء عليه.
٤٧٥ - وقال الشافعي: عليه الوضوء.
٤٧٦ - لنا: ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية، عن ابن عباس
[ ١ / ١٦٣ ]
عنهما قال: نام رسول الله - ﷺ - في صلاته حتى غط، ثم مضى فيها، ثم قال: «إذا نام الرجل راكعًا أو ساجدًا فلا وضوء عليه حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله». واللفظ لأبي عروبة: الحسين بن محمد بن مودود.
٤٧٧ - قالوا: أبو العالية ضعيف، لأن ابن سيرين قال: حدث عمن شئت إلا عن الحسن وأبي العالية، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا.
٤٧٨ - قلنا: قال الدارقطني: أجمع أصحاب الحديث أن أبا العالية ثقة، وكونه لا يبالي عمن أخذ، يؤثر في مراسيله، فأما إذا روى عن ابن عباس، فقد زال الإبهام.
[ ١ / ١٦٤ ]
٤٧٩ - قالوا: قتادة مدلس.
٤٨٠ - قلنا: التدليس لا يقدح في الرواية؛ لأنه إرسال، وذلك لا يمنع من الخبر وقد ذكره سفيان بن عيينة، والثوري وكبار أصحاب الحديث.
٤٨١ - قالوا: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث ليس هذا منها.
٤٨٢ - قلنا: قد ذكر علي بن المديني أنه لم يسمع إلا أربعة، فإذا خفي على شعبة ما عرفه ابن المديني، جاز أن يخفى عليهما الخامس، ألا ترى: أنهما لم يرويا العدد عن قتادة، وإنما أخبرا بذلك عن سماعهما، ويجوز أن يسمع غيرهما ما لم يسمعاه.
[ ١ / ١٦٥ ]
٤٨٣ - قالوا: طعن أبو داود على هذا الحديث.
٤٨٤ - قلنا: ذكره ابن أبي شيبة وابن شجاع ولم يطعنا عليه، وذكره أحمد ولم يطعن عليه أكثر من حرف واحد، وقالوا: إنه غير محفوظ، فأما أبو داود فلم يعترض على الراوي، وإنما قال: قوله: «فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» زاده هناد وعثمان بن أبي شيبة، ولم يقله يحيى بن معين، قال: وقوله: «الوضوء على من نام مضطجعًا» منكر لم يروه إلا يزيد الدالاني، وروي أوله جماعة. فجعل انفراد الواحد به [من بين] مشاهير أصحاب قتادة طعنًا، وهذا لا يقدح في الخبر عند الفقهاء؛ لجواز أن ينفرد الواحد بما لم يسمعه غيره.
٤٨٥ - قالوا: التعليل يناقض الخبر؛ لأنه قال: «لا وضوء على من نام قائمًا»، ثم قال: «فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله»، والاسترخاء موجود في
[ ١ / ١٦٦ ]
القائم، فاقتضت العلة إيجاب الوضوء عليه.
٤٨٦ - قلنا: لا يجوز حمل كلامه ﵊ على المناقضة مع إمكان حمله على الصحة، فكأنه قال: إذا اضطجع استرخت مفاصله غاية الاسترخاء، والقائم -وإن استرخت مفاصله- لم تبلغ الغاية؛ لأنه لو بلغها سقط، ولأنه نام في حال من أحوال الصلاة من غير عذر، كالقاعد، ويريد بالقاعد المتورك حتى يسلموه، وهذه حالة مسنونة عندنا في المرأة إذا قعدت، والمتنفل.
٤٨٧ - قالوا: المعنى في الأصل أنه متمكن من الأرض؛ فلا يخرج منه الحدث، والقائم بخلافه.
٤٨٨ - قلنا: علة الأصل تبطل بمن اضطجع على السبيل ما يمنع خروج الخارج، إن الوضوء واجب مع عدم الإمكان، وعلة الفرع لا تصح؛ لأنه وإن كان غير متمكن من الأرض فهو غير متناهي الغفلة؛ ولهذا يتماسك قائمًا، فلو كان منه شيء لأحس به.
٤٨٩ - قالوا: المعنى في القاعد أنه ينتظر الصلاة، فإذا طال انتظاره لم يحترز من النوم غالبًا، فخفف عنه الوضوء، وهذا لا يوجد في غيره.
٤٩٠ - قلنا: والغالب فيمن يكثر الصلاة ليلًا أن النوم يغلب عليه فيها، فيجب أن يخفف عنه الوضوء، كما خفف عن المنتظر، ولأن كل ما لا يكون حدثًا في حق رسول الله - ﷺ - لا يكون حدثًا في حق غيره، كالنعاس والكلام، فإن سلموا الوصف، وإلا دللنا عليه بحديث ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - نام في سجوده حتى غط ونفخ، ثم قام فصلى.
٤٩١ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ قال
[ ١ / ١٦٧ ]
المفسرون: إذا قمتم من النوم.
٤٩٢ - والجواب: أنه قيل في التفسير: إذا قمتم مُحْدِثينَ، فتعارضا، ولو ثبت ما قالوه كان إطلاق القيام من النوم يقتضي نوم المضطجع، ألا ترى أنه لا يقال لمن نام قائمًا: هذا قام من نومه؟
٤٩٣ - واحتجوا: بحديث صفوان ﵁ قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم.
٤٩٤ - والجواب: أن إطلاق النوم لا يتناول ما اختلفنا فيه، ومن حكم اللفظ أن يحمل على إطلاقه.
٤٩٥ - قالوا: روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ».
٤٩٦ - والجواب: أن النبي - ﷺ - بين أن المعنى الموجب للوضوء ما لا
[ ١ / ١٦٨ ]
يخلو منه النائم، فوجب اعتبار الحالة التي يغلب فيها هذا المعنى، وقوله: «فمن نام فليتوضأ» يقتضي ما يطلق اسم النوم عليه.
٤٩٧ - قالوا: نام زائلًا غير مستو جلوسه، كالمضطجع.
٤٩٨ - قلنا: النبي - ﷺ - علل للمضطجع بعلة، وهي استرخاء المفاصل، وهو أعلم بأوصاف الأصل؛ فلم يجب تعليله بغير علته، لا سيما إذا خالفها.
٤٩٩ - قالوا: فَعِلَّتنا توافق تعليله، لأن زواله عن مستوى جلوسه يكون مع الاسترخاء، وتمكنه يكون مع عدمه.
٥٠٠ - قلنا: النبي - ﷺ - جعل العلة الاسترخاء، فمن اعتبر زواله عن مستوى جلوسه فقد جعل الاسترخاء سببا، ومن جعل علته سببًا للحكم فقد خالفها، ولأن المعنى في المضطجع أنه يوجد منه غاية الاسترخاء، وهذا المعنى لا يوجد في القائم.
٥٠١ - قالوا: النوم ليس بحدث، وإنما الحدث ما لا يخلو منه النائم، ومعلوم أن تماسك المضطجع أشد من تماسك الراكع؛ لاجتماع موضع الحدث في حال الأضطجاع، وأنفراجه في حال الركوع.
٥٠٢ - قلنا: لم يسقط الوضوء لعذر خروج الحدث في الركوع، وإنما أسقطناه لبقية التماسك والإحساس، ألا ترى أن التماسك لو زال لسقط؟ وهذا لا تعلق له بإمكان خروج الحدث.
٥٠٣ - قالوا: نقض الوضوء عند الاضطجاع نقضه عند القيام، كسائر الأحداث.
٥٠٤ - قلنا: نقابله بمثله، فنقول: ما لم ينقض الوضوء في حال القعود لم ينقضه في حال القيام، كالنعاس، ثم إنا نقول بموجب علتهم؛ لأن ما أوجب الوضوء حال الاضطجاع ليس هو النوم، وإنما هو خروج خارج منه، وهذا إذا وجد حال القيام
[ ١ / ١٦٩ ]
يقتضي الوضوء، وترجح ما ذكرناه بأن خبرنا نص في موضع الخلاف وتفصيل الأحوال الموجبة للوضوء والمسقطة، وخبرهم عموم اتفق على تخصيصه في القاعد وغيره، ولأن في خبرنا الحكم والتعليل، وفي خبرهم الحكم بمجرده، ولأن خبرنا قضاء على عموم خبرهم في القعود، فيقضي عليه في بقية الأحوال، وما ذكرناه من القياس يشهد له العلة المنصوصة عليها، فهو أولى من العلة المستخرجة.
[ ١ / ١٧٠ ]
مسألة ٢٨