١٠٩٤ - قال أصحابنا: سؤر سباع البهائم نجس.
١٠٩٥ - وقال الشافعي: طاهر.
١٠٩٦ - لنا: حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الماء يكون في الفلاة ينوبه السباع والدواب، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يَحمل خبثًا». فلولا أن أسآرها نجسة؛ لم يصح الجواب بذكر الخبث.
١٠٩٧ - قالوا: روي في الخبر: تردها السباع والكلاب.
١٠٩٨ - قلنا: هذا غير خبرنا، ولأن الخبث يرجع في الظاهر إلى كل واحد من المذكور.
١٠٩٩ - قالوا: الغالب أنها إذا وردت الماء راثت فيه، والخبث يرجع إلى
[ ١ / ٢٧٧ ]
الروث.
١١٠٠ - وقد روي في بعض الأخبار أنه سئل عن الماء تنوبه السباع وتروث فيه.
١١٠١ - قلنا: السؤال وقع عن الورود، وذلك لا ينبئ عن الروث، فالظاهر أن الخبث يرجع إلى ما ذكر في الخبر دون ما لم يكن.
١١٠٢ - وما رووه في ذكر الروث فليس في خبر ابن عمر، فلا يلزمنا، ولأنه سبع يمكن الاحتراز منه، فكان نجس السؤر، كالكلب، ولأنه سبع محكوم بنجاسة لبنه، كالخنزير.
١١٠٣ - قالوا: المعنى في الأصل أنه متفق على نجاسته، والسباع مختلف في نجاستها.
١١٠٤ - قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الكلب والخنزير مختلف في نجاستهما، كالسباع سواء.
١١٠٥ - قالوا: المعنى في الكلب أن الشرع ورد بتعفيره، والسباع بخلافه.
١١٠٦ - قلنا: علة الأصل تبطل بالهر؛ لأن الدارقطني روى عن النبي - ﷺ - قال: «يغسل الإناء من ولوغ الهر كما يغسل من ولوغ الكلب»، وهذا يقتضي التغفير، وعلة الفرع تبطل بالخنزير؛ لأن الشرع لم يرد تعفيره، وهو نجس.
١١٠٧ - قالوا: المعنى في الخنزير بين أهل الذمة يباع. ثم يبطل بحشرات الأرض والحر. ولأن كل حكم ثبت للكلب في الشرع ثبت مثله للذئب، أصله: إباحة قتله حال الإحرام.
١١٠٨ - واحتج المخالف بحديث جابر: أن النبي - ﷺ - سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع، فقال - ﵇ -: «لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو
[ ١ / ٢٧٨ ]
لنا شراب وطهور».
١١٠٩ - قالوا: روى جابر: أن النبي - ﷺ - سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: «نعم! وبما أفضلت السباع».
١١١٠ - والجواب: أن الخبر الأول يرويه داود بن الحصين عن جابر، وبينهما رجل. ولأنه ورد في المياة الكثيرة.
١١١١ - وعند الشافعي: لا يؤثر فيها النجاسة، فلم يكن في الخبر دلالة على الجواز بطهارتها، بل يجوز أن تكون نجسة، وجواز الوضوء بأسآرها؛ لأن النجاسة عندهم لا تؤثر في الماء الكثير.
١١١٢ - فأما الخبر الثاني: فيحمل على أن يكون المراد بالحمر: حمر الوحش، والسباع، ولأن هذا الخبر يحتمل أن يكون في حال إباحة لحمها، ويحتمل أن يكون في حال حظرها، وإذا احتمل سقط التعلق به.
[ ١ / ٢٧٩ ]
١١١٣ - ولا معنى لقولهم: إن السباع لم يبح لحمها في الشرع؛ وذلك لأن الأصل كان الإباحة حتى نهى رسول الله - ﷺ - عن لحم كل ذي ناب من السباع.
١١١٤ - ومعلوم أن هذا الخبر لم يكن في حال إباحتها، وإنما هو بعدها، وأما بين البعثة وهذا الخبر كانت مباحة.
١١١٥ - ولا يقال: إذا سلمتم أن أسآرها كانت طاهرة ثم ادعيتم النسخ لم تقبل الدعوى إلا بنقل؛ لأنا سلمنا طهارة سؤرها لأجل إباحة لحمها، فإذا زالت علة الحكم سقطت من غير نسخ.
١١١٦ - ولا يقال: ثبوت تحريمها لا يدل على نجاسة سؤرها؛ لأن سباع الطير محرمة وأسآرها طاهرة، والآدمي محرم وسؤره طاهر، وذلك لما حرم لحمه من غير حرمة وأمكن الاحتراز عنه فهو نجس السؤر.
١١١٧ - وقد ثبت تحريم سباع البهائم ولم يوجد فيها معنى الاستثناء، فثبت تحريم أسآرها.
١١١٨ - قالوا: روي أن عمر بن الخطاب وعَمْر بن العاص ﵄ أتيا ماءً، فقال عمرو للراعي: يا راعي، أترد ماءكم السباع، فقال عمر: يا راعي،
[ ١ / ٢٨٠ ]
لا تخبرنا بشيء، قالوا: ولو كانت نجسة لاحتاط في المسألة.
١١١٩ - قلنا: هذا الخبر دلالة لنا؛ لأن عمر منع الراعي من الإخبار، ولو كانت طاهرة لم يمنعه ولم يلزمه الاحتياط؛ لأنه لا ظاهر للنجاسة، فلم يرد يلزم بالخبر فرضًا لم يكن لازمًا.
١١٢٠ - قالوا: نوع بهيمة بجوز بيعه، فكان سؤره طاهرًا، كالشاة.
١١٢١ - قلنا: جواز البيع لا يدل على الطهارة؛ لجواز بيع الأعيان النجسة، وامتناع البيع لا يدل على النجاسة؛ لأن الحشرات لا يجوز بيعها وأسآرها طاهرة.
١١٢٢ - ولأن المعنى في الشاة طهارة لبنها، فكان سؤرها طاهرًا، ولم يحكم بنجاسة لبن السباع، كذلك آسارها. ولأن السؤر ينفصل من اللحم فيمكن الاتراز منه، فصار كما لو قع فيه لحم سبع، وسؤر الشاة ينفصل من لحمها كما لو وقع فيه لحم شاة.
١١٢٣ - قالوا: حيوان يجوز اقتناؤه على الإطلاق، كالإبل.
١١٢٤ - قلنا: الوسف غير مسلم؛ لأن اقتناء السبع كاقتناء الكلب: إن كان لغرض جاز، وإن كان لغير غرض لم يجز، والمعنى في الأصل ما قدمناه.
١١٢٥ - قالوا: حيوان يطهر جلده بالدباغ، كالشاة.
١١٢٦ - قلنا: يبطل على أصلنا بالكلب، ولأن طهارة العين بما يؤثر في الطهارة لا يدل على طهارتها، وإنما يدل على النجاسة؛ لأن الأعيان النجسة تحتاج إلى التطهير، والمعنى في الأصل ما قدمناه.
[ ١ / ٢٨١ ]
مسألة ٥٤