٨٦ - قال أصحابنا: يطهر جلد الكلب بالدباغ.
٨٧ - خلافًا للشافعي.
٨٨ - لنا: قوله ﵇: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».
ولأنه بهيمة يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فجاز أن يطهر جلدها بالدباغ، كالشاة.
ولا يقال: إنه لا ينتفع بالكلب إلا لضرورة الصيد والحفظ؛ لأن الإنسان لا يضطر إلى الاصطياد في غالب أحواله، ولا يضطر إلى حفظ الماشية بالكلب؛ لقيام الآدمي مقامه.
[ ١ / ٧٨ ]
ولا نريد بالضرورة ما يخاف منها على نفسه وماله. ولأنها بهيمة يجوز الاصطياد بها، كالفهد.
٨٩ - ولا يقال: إن ما لا يصاد به عندكم يطهر جلده بالدباغ؛ لأنا لم نعتبر وقوع الاصطياد، وإنما اعتبرنا إباحته، وهذا موجود في الجنس.
٩٠ - قالوا: المعنى في الأصل أنه مختلف في طهارة سؤره.
٩١ - قلنا: وكذلك الكلب، ويبطل علة الأصل بسؤر المشرك.
٩٢ - قالوا: الفهد يقتنى على الإطلاق، بخلاف الكلب.
٩٣ - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن الكلب يجوز اقتناؤه إلا للتلهي، وكذلك الفهد.
٩٤ - ولا يقال: الفهد مختلف في غسل الإناء من ولوغه، والكلب متفق على وجوب غسله، لأن علة الأصل تبطل بسؤر المشرك، وعليه الفرع تدل على النجاسة، وهذا لا يمنع وقوع الدباغ، كالميتة. ولأنه حيوان مختلف في أكله لحمه، كالضبع.
٩٥ - ولا يقال: إن هذه علة متأخرة عن الحكم؛ لأن علل الشريعة يجوز أن تتأخر، فثبت الحكم في زمن النبي - ﷺ - لمعنى، وبعده بذلك وبغيره، كمسائل الإجماع. ولا يقال: إن الضبع مأكول؛ لأنا نخالفهم في هذه العلة.
٩٦ - قالوا: هذه الأوصاف لم تدل على طهارة الكلب في حياته مع وجودها كذلك بعد الدباغ.
٩٧ - قلنا: يجوز أن تكون هذه العلة غير موجبة للتطهير بنفسها، فتوجب
[ ١ / ٧٩ ]
الطهارة عند وجود سبب التطهير، وهو الدباغ، ألا ترى: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ بعلة موجودة قبله ولم توجب تلك العلة طهارة الجلد قبل وجود سبب التطهير؟.
٩٨ - واحتجوا: بنهيه ﵊ عن افتراش السباع.
٩٩ - قالوا وهذا أخص من خبركم.
١٠٠ - والجواب: أن إطلاق السبع لا يتناول الكلب، ولأن النهي لِما كانت الأعاجم يعتادونه، ولو أراد به النجاسة لخصه بالصلاة، وأما خصوصة فلا يصح إذا لم يتناول موضع الخلاف، فلو تناوله لكان خاصًّا في السبع، عامًّا فيما قبل الدباغ وبعده، وخبرنا عام في الأُهُب، عام [فيما بعد الدباغ] والخصوص موجود في كل واحد من الخبرين من وجه، والعموم من وجه.
١٠١ - قالوا: حيوان نجس حال حياته، ويغسل الإناء من ولوغه، كالخنزير، وهذا يبطل على أصلنا بالبيع. ولأن النجاسة لا تمنع من التطهير بالدباغ، كنجاسة الميتة، والمعنى في الخنزير أنه لا يقسم قسمة المواريث ولا يخلى بينه وبين الموصى له
[ ١ / ٨٠ ]
ولا يجوز الاصطياد به، والكلب بخلافه.
١٠٢ - قالوا: الدباغ يرد الجلد إلى طهارة الحياة ويرفع نجاسة الموت، والكلب في حال حياته نجس فيرده الدباغ إلى ذلك. وهذا لا يصح؛ لأنه تجدد طهارة في الجلد، فلا يرد ما تقدم؛ لأن علة ذلك طهارة الحياة، وهي لا تعود، ولا يعود حكمها.
١٠٣ - قالوا: الدباغ يمنع من التلاشي في الجلد والفساد، كما يمنع الحياة، وهذا معنى قولنا: إنه يرده إلى تلك الحال.
١٠٤ - قلنا: هذا المعنى لا مدخل له في الطهارة؛ لأنه موجود في الخنزير والكلب حال حياتهما، وهما نجسان، وفي الشعر بعد الموت، وهو نجس عندهم.
١٠٥ - قالوا: الحياة أقوى المطهرات؛ لتأثيرها في اللحم والجلد، والدباغ أضعف؛ لتاثيره في الجلد خاصة، فإذا لم يطهر الكلب بالحياة فبالدباغ أولى.
١٠٦ - الجواب: أن الدباغ أقوى المطهرات؛ لأنه يؤثر في نجاسة الموت الثابتة بالقطع والمتفق عليها، ونجاسة الكلب مختلف فيها وثابتة بخبر واحد، فما جاز أن يعمل في أقوى النجاستين ففي أضعفها أولى. وأما تأثير الحياة في اللحم والجلد فليس لقوة تطهيرها، لكن لوجودها فيهما، والدباغ لا يوجد إلا في الجلد، فإذا لم يطهر لم يوجد فيه ما يدل على ضعفه.
١٠٧ - قالوا: الكلب نجس العين، كالخنزير.
١٠٨ - قلنا: لا نسلم هذا الوصف؛ لأن نجاسة الكلب مخففة، في حكم نجاسة المجاورة؛ فلذلك يجوز الانتفاع به من وجه دون وجه، كالثوب النجس. ولو كان
[ ١ / ٨١ ]
كأعيان النجاسات لم يجز الانتفاع به بحال، كالدم والخمر.
١٠٩ - قالوا: معنى قولنا: نجس العين، أنه لم يخلق إلا نجسًا، وأن نجاسته ليست بطارئة. وهذا لا يصح؛ لأن نجاسة الكلب حكم مثبت بالشرع، لا نعلم ثبوته قبله، فيجوز أن يكون هذا الحكم طارئًا، وقد كان طاهرًا قبله.
١١٠ - وجملة الأمر: أن الشيء لا يوصف بالنجاسة لعينه، وإنما هذه أحكام، فمعنى قولنا: نجاسة عين، تغليظ نجاسة. ومعنى قولنا: نجاسة مجاورة، أي تخفيف نجاسة. والكلب مخفف النجاسة من وجه ما بينا، فترجح ما ذكرناه أنه قابل للحكم ومجدد بحكم الطهارة، وهو حكم شرعي، ويلحق الكلب بنظائره من السباع، وموجب تخفيف حكمه بعد الموت كما كان في حال الحياة.
[ ١ / ٨٢ ]
مسألة ٦