١٧١١ - قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز الأذان للفجر قبل طلوع الفجر.
١٧١٢ - وقال أبو يوسف: يجوز ذلك في النصف الأخير من الليل، وبه قال الشافعي.
١٧١٣ - لنا: ما روى شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال أن النبي - ﷺ - قال له: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا»، ومد يديه. وروى نافع عن ابن عمر أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام، ثلاث مرات.
١٧١٤ - وروى أبو يوسف عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس
[ ١ / ٤٠٤ ]
ابن مالك، أن بلالًا أذن قبل الفجر فأمره النبي - ﷺ - أن يصعد فينادي: إن العبد نام، ففعل وقال: ليت بلالًا لم تلده أمه. وابتل من نضح دم جبينه.
١٧١٥ - قالوا: روي عن علي بن المديني أنه قال: وهم حماد بن سلمة في هذا الخبر، وإنما قال هذا لأن حماد بن سلمة روى حديث عمر، وقد روينا الخبر من طرق من غير جهة حماد، فأما قصة عمر: فروى نافع أن مؤذنا كان يقال له مسروح أذن قبل الفجر، فغضب عمر وأمره أن ينادي، إلا إن مسروحًا يهم، يعني وسنان، فليس أحدى القصتين من الأخرى في شيء.
١٧١٦ - قالوا: يجوز أن يكون أنكر على بلال لأنه أخر الأذان عن وقته، فقد كانوا يتسحرون بأذانه، ولهذا قال: «إن العبد نام»؛ ألا ترى أن من نام أخر الأذان ولم يقدمه.
١٧١٧ - قلنا: لو كان الإنكار للتأخير لم يقل: أذن قبل الفجر؛ لأن هذا يوهم أن الأذان قبل الفجر لا يجوز بكل حال، فلما أطلق السبب وهو الأذان قبل الفجر علم أن الحكم به تعلق.
١٧١٨ - وقولهم: كيف يقال: لمن قدم الأذان نام، ليس بصحيح؛ لأنه يقال
[ ١ / ٤٠٥ ]
ذلك لمن فعل الشيء على غير جهته أنه: نام عنه: أنه غافل، ويكون معناه: أنه أذن وهو من بقية النوم فلم يعرف الوقت.
١٧١٩ - قالوا: ذكر ابن خزيمة أن النبي - ﷺ - كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، وكانا يتناوبان: هذا يوما وهذا يوما، فيجوز أن يكون بلال قدم الأذان في يوم تقدم فيه ابن أم مكتوم فأنكر عليه.
١٧٢٠ - قلنا: لم ينقل أن بلالا كان يؤذن في وقتين مختلفين، ولو كان كذلك لنقل، ولأنه لو كان كما قالوا لاشتبه على الناس الأذان الأول والثاني ولم يعرفوا المقصود. وقد روي أن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له: قد أصبحت قد أصبحت، فدل على خلاف ما قالوه. ولأن النبي - ﷺ - قال: «لا يمنعكم أذان بلال من السحور فإنه يؤذن بليل»، وهذا يدل على أنه كان يؤذن في جميع الأحوال قبل الفجر.
١٧٢١ - قالوا: يجوز أن يكون قدم الإقامة، والإقامة تسمى أذان.
١٧٢٢ - قلنا: إطلاق الاسم لا يتناولها، ومن حكم الاسم أن يحمل على إطلاقه، ولأنه كان لا يقيم حتى يخرج النبي - ﷺ - ويجتمع الناس، فكيف يقدم ذلك على طلوع الفجر، ولأنها صلاة فلا يقدم أذانها على وقتها، كسائر الصلوات.
١٧٢٣ - ولا يقال: إن سائر الصلوات لا يقع في حال النوم والغفلة، والفجر بخلاف
[ ١ / ٤٠٦ ]
ذلك، ولهذا جعل لها أذانين؛ وذلك لأنه متى أذن عقيب الفجر زال النوم وأمكن التأهب إلى آخر الوقت، فلم يحتج إلى تقديم الأذان، ولأنه ذكر يتقدم التحريمة، كالخطبة.
١٧٢٤ - وقولهم: إن الخطبة المقصود منها مخاطبة الحاضرين فلهذا لا يتقدم الوقت لا يصح؛ لأن الخطبة تجوز عندنا بغير حضرة أحد.
١٧٢٥ - ولأن المؤتمين في العادة يحضرون الجمعة قبل الزوال، ولأن الأذان ليس بقربة في النصف الأول من الليل، فلم يكن قربة في النصف الأخير، كالإقامة، وعكسه الوتر ونية الصوم والوقت بعرفة وعشاء الآخرة. ولا معنى لقولهم: إن الإقامة للدخول في الصلاة وذلك لا يجوز قبل الوقت؛ لأن الأذان للدعاء إلى الصلاة، ولا يصح الدعاء إلى شيء لا يصح فعله.
١٧٢٦ - احتجوا: بما روى سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم».
١٧٢٧ - قلنا: هذا بعض الخبر، وتمامه رواه ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال؛ فإنه يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد قائمكم».
[ ١ / ٤٠٧ ]
فأخبر أن الأذان يقع لغير الفجر، فلم يجز أن يزاد في تعليله ويجعل الأذان لصلاة الفجر.
١٧٢٨ - ولا يقال: إن الأذان لا يقع لغير الصلاة، فكيف يقع للسحور. ولأن الأذان دعاء إلى الصلاة، وذلك لا يقال لغير الصلاة؛ وذلك أن في الخبر أن الأذان وقع لصلاة الليل فلم يُقَل الأذان لغير الصلاة.
١٧٢٩ - قالوا: صلاة الليل نافلة والأذان موضوع لبعض الفرائض، فكيف يوضع للنوافل؟
١٧٣٠ - قلنا: هذا استدلال يرد العلة المنصوصة في الخبر، ولا يجوز لنا رد ما نُص عليه بالاستدلال، ولأن صلاة الليل قد كانت واجبة ثم نسخت، فيجوز أن يكون الأذان لها في حال وجوبها.
١٧٣١ - قالوا: صلاة الليل نسخت بمكة بقوله ﷿: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، والأذان لم يسن إلا بالمدينة.
١٧٣٢ - قلنا: هذه الآية لا تدل على النسخ؛ لأنه لا يمتنع أن يفعل بالليل صلاة واجبة ويتنفل بأخرى، ولأنه قد روي في الخبر: «لا يمنعكم أذان بلال أو نداء بلال» والنداء يعبر به عن غير الأذان، وإذا احتمل الخبر الأمرين لم يجز حمله على الأذان بالشك، ولأن هذا الخبر مضطرب؛ لأن ابن عمر روايه وقد روى أن النبي - ﷺ - أنكر على بلال تقديم الأذان. وقد روي عن عائشة أنها قالت: كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، وبين أذانه وأذان بلال ما ينزل هذا ويصعد هذا. وهذا ينافي التقديم. ذكر الطحاوي حديث قتادة عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -:
[ ١ / ٤٠٨ ]
«لا يغرنكم أذان بلال؛ فإن في بصره شيئًا»، فهذا يدل على أنه قبل الفجر؛ لأن الوقت لم يكن له. ولأنا نمنع تقديم الأذان على الفجر إذا اعتد به لها واقتصر عليه، فأما إذا أذن بعد الفجر وقدم الأذان لعارض فلا يمنع ذلك.
١٧٣٣ - قالوا: الأذان المقدم هو أذان الفجر، بدلالة أن بلالًا كان يقيم، والأفضل أن يقيم من أذن، فدل على أن أذانه هو المعتد به.
١٧٣٤ - قلنا: يجوز عندنا أن يقيم غير المؤذن، وهما في الفضيلة سواء.
١٧٣٥ - قالوا: زياد بن الحرث الصدائي قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فتبرز لحاجة، فتبعته، فلما كان أول وقت الأذان أمرني أن أؤذن، فأذنت وجعلت أقول: أقيم؟ ورسول الله - ﷺ - ينظر إلى المشرق وإلى الفجر، فلما طلع نزل وقد تلاحق أصحابه، فأراد بلال يقيم، فقال: «إن أخا صداء أذن، وإن الذي أذن يقيم».
١٧٣٦ - قلنا: لا دلالة في هذا الخبر؛ لأن قوله: (جعل ينظر إلى الفجر) يقتضي فجرًا موجودًا. وقوله: (فلما طلع) يقتضي: أنه لم يكن، فتعارض اللفظان، فليس ترك ظاهر أحدهما بأولى من ترك ظاهر الآخر، على أنا نجمع بينهما فنقول: (لما طلع) يعني: ظهر وانتشر.
١٧٣٧ - قالوا: روي عن سعد القرظ قال: كنا نؤذن على عهد رسول الله - ﷺ - بقباء
[ ١ / ٤٠٩ ]
وعلى عهد عمر بالمدينة تأذينا واحدا في الشتاء لسبع ونصف يبقى، وفي الصيف لسبع.
١٧٣٨ - قلنا: يجوز أن يكون سعد ظن أن أذان بلال يقتصر عليه للفجر، فأذن قبل الفجر فبدأ بفعله، وقد بينا ضم فعله، ولأنه لم ينقل أن النبي - ﷺ - عرف ذلك فأقره.
١٧٣٩ - قالوا احتج الشافعي بالإجماع، فقد كان آل أبي محذورة تؤذن للصبح بليل ويروون ذلك عن آبائهم. وقال مالك: لم يزل يؤذن للصبح بليل. وقال الأوزاعي: كان بلال يؤذن للصبح بليل، وكذلك مؤذنو الحجاز والشام، حتى أنكره رجال من أهل الكوفة.
١٧٤٠ - وهذا ليس بصحيح؛ لأنا روينا عن عمر أنه أنكر على مؤذنه تقديم الأذان، وروى الأسود أن الأذان بالمدينة كان بعد الفجر في زمن عائشة. ولأن فعل أهل الكوفة عارض فعل أهل المدينة، فلم يجز ادعاء الإجماع.
١٧٤١ - وقولهم: إن أهل المدينة يفعلون وينقلون، لا يصح؛ لأن أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومن انتقل إلى الكوفة من الأئمة أكثر ممن بقي بالمدينة، وقد روى إبراهيم أنه خرج مع علقمة ليشيعه حين حج، فسمع رجلا يؤذن قبل الفجر، فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب رسول الله - ﷺ -، لو نام حتى طلع الفجر كان خيرا له.
١٧٤٢ - قالوا: عبادة مقصودة يدخل وقتها بطلوع الفجر؛ فوجب أن يختص بسبب يتقدم على وقتها، كالصوم.
١٧٤٣ - قلنا: يبطل بمن أوجب اعتكاف يوم، فإن وقته يدخل بطلوع الفجر
[ ١ / ٤١٠ ]
ولا يختص بسبب يتقدم، ولأن الأذان ليس بسبب للعبادة؛ لأن الأسباب ما أثر في الوجوب أو صحح الأداء. والأذن ليس من واحد من القبيلين؛ فلم يسم سببا، ولأن نية الصوم لما كانت قربة في النصف الأول من الليل لم يكن قربة في النصف الآخر، كركعتي الفجر. ولا يلزم على علة الفرع الدفع من المزدلفة للمعذور؛ لأن ذلك يجوز في النصف الأول من الليل، وقد أطلق في الأصل جواز الدفع بالليل للمعذور، ولأن ذلك ليس بقربة، وإنما هو مباح.
١٧٤٤ - قالوا: النية في سائر العبادات تقارنها، وإنما جوز تقديمها في الصوم لما يلحق من المشقة في مقارنتها، ففارقت سائر العبادات، كذلك هذه الصلاة تفارق سائر الصلوات لدخول وقتها والناس نيام؛ فاحتاجت إلى نداء ليتأهبوا.
١٤٤٥ - قلنا: التأهب قبل دخول الوقت ليس بواجب، فلا معنى للنداء له. ولأن التأهب يمكن في أول الوقت، فإذا وقع النداء بعد الفجر حصل المقصود، فلا معنى للتقديم.
١٧٤٦ - قالوا: صلاة نهار مفروضة يجهر فيها بالقراءة، فجاز أن يبتدئ لها الأذان في وقت لا يجوز فعلها، كالجمعة.
١٧٤٧ - قلنا: نعكس فنقول: فوجب أن لا يختص الأذان لإرادتها بوقتها، كالجمعة.
١٧٤٨ - وقولنا: (صلاة نهار) احتراز من المغرب ليلة المزدلفة، (ومفروضة) من صلاة العيد، و(يجهر فيها القراءة) احتراز من العصر يوم عرفة. ولأن الجمعة يؤذن لها في وقت فعلها لكن من شرط فعلها تقديم الخطبة، فلا يخرج ذلك الوقت من أن يكون وقتا، ولا منعنا الدعاء في صلاة لا يجوز فعلها أنه لا فائدة فيه، وهذا المعنى لا يوجد في الجمعة لأن الدعاء يقع إلى ما يجوز فعله؛ ألا ترى أن الأذان ينتهي وقد خطب ما يقع عليه الاسم.
[ ١ / ٤١١ ]
مسألة ٨٧