٥٠٥ - قال أصحابنا: لمس الرجل للمرأة لا يجب فيه الوضوء.
٥٠٦ - خلافًا للشافعي.
٥٠٧ - لما رواه الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - قبلها ولم يتوضأ.
٥٠٨ - وقولهم: إبراهيم التيمي لم يلق عائشة -لا يؤثر؛ لأن المرسل والمتصل
[ ١ / ١٧١ ]
عندنا سواء، وقد روي في بعض الأخبار: إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة. وهذا الخبر رواه يحيى بن سعيد القطان، ومراسيله أصح من مسانيد غيره؛ لتشدده في الرواية. وقد طرق هذا الخبر من وجوه كثيرة، وإنما تقدم الطعن في خبر روي من طريق واحد، وروى عبد الملك بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي - ﷺ - قبل وهو صائم، وقال: «إن القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم، يا حميراء إن في ديننا لسعة».
٥٠٩ - ولا يقال إنه قبلها من وراء حائل؛ لأن إطلاق القبلة يقتضي ما وقع من غير حائل، ولأن الخبر الثاني عام فيعتبر عمومه، ولأنه مس لو حصل بين الرجلين لم يوجب الوضوء، فكذلك بين الرجل والمرأة، كمس الشعر والمس من وراء الحائل،
[ ١ / ١٧٢ ]
وعكسه الوطء، ولأنه لمس لو وقع مع الحائل لم يوجب الوضوء، فكذلك مع عدمه، كمس الرجل للرجل.
٥١٠ - ولا يقال: إن المباشرة الفاحشة توجب الوضوء من الرجل والمرأة ولا توجب بين الرجلين، لأنا لا نعرف الرواية في هذا، فيجوز أن يسوى بينهما.
٥١١ - ولا يقال: الرجل ليس بمحل للشهوة، والمرأة تشتهى؛ لأن الشهوة غير معتبرة عند مخالفنا في إيجاب الوضوء، فلا معنى للفرق بها، ولأن كل لمس لا يوجب الغسل لا يوجب الوضوء، كلمس المرأة المرأة، ولا يلزم المباشرة الفاحشة؛ لأن الوضوء لا يجب بالمس، وإنما يجب بخروج البلة الغالبة، ولأن كل مس لا ينقض طهارة الملموس لا ينقض طهارة اللامس، كالمس من وراء الثوب؛ فإن سلموا الوصف، وإلا دللنا عليه بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فطلبته في البيت، فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد يقول: «أعوذ برضاك من سخطك» ومضى على صلاته.
٥١٢ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ قال: وحقيقة اللمس ما وقع باليد، ولهذا نهى النبي - ﷺ - عن بيع الملامسة قال
[ ١ / ١٧٣ ]
الشاعر:
وأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّه أَطْلُبُ الغِنَى ولَم أَدرِ أَنّ الجُودَ مِنْ كَفَه يَعدِي
٥١٣ - والجواب: أن الآية قرئت بقراءتين: ﴿أو لامستم﴾، وهذه حقيقة في الجماع؛ لأنه مفاعلة، والجماع هو الذي يختص بفعل الاثنين، والقراءة الأخرى تحتمل اللمس باليد، وتحتمل اللمس بالجماع.
٥١٤ - قال ابن عباس: إن الله تعالى كنى باللمس عن الجماع، والقراءتان ليستا كالآيتين، فوجب حمل ما يحتمل منهما على ما لا يحتمل، ولأنه لا يجوز حمل الآية عليهما؛ لأنه خلاف الإجماع. ألا ترى: أن عليا، وابن عباس ﵃ حملاهما على الجماع، وعمر وعمار حملاهما على المس باليد خلاف إجماعهم.
٥١٥ - ولا يقال: إن عمر حملها عليهما، وقال: قَبَّل الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة؛ لأن (مِنُ) قد تكون للتبيين، وقد ثبت أنها للتبعيض، كان
[ ١ / ١٧٤ ]
هاهنا مس غير النوعين، وهو المعانقة، والمس سائر البدن، ولأن الآية صريحة في المس باليد كناية عن الجماع، واللفظ الواحد عندنا ما لا يحتمل الصريح والكناية، فلم يبق إلا حملها على أحدهما، فكان حملها على الجماع أولى؛ موافقة للقراءة الأخرى، ولأن ابن عباس قال: إن الله تعالى يكني بالحسن عن القبيح، وإنه كنى بالمس عن الجماع، والإخبار عما أراد الله تعالى لا يعلم إلا بالتوقيف، فكأنه رواية عن النبي - ﷺ -، ولأن من قال من الصحابة: إن الجنب يتيمم، حمل الآية على الجماع، ومن قال: لا يجوز التيمم، حمل الآية على المس باليد، فمن حمل الآية عليهما؛ فقد خالف إجماعهم، ولأن الله تعالى بين عند وجود الماء الطهارة الصغرى والكبرى، ولم يفصل بيان أنواع الحدث، والظاهر أنه لما بين عند عدم الماء حكم الطهارة، وأنه بين الطهارتين ولم يفصل الأحداث، وفي جملة ما يقوله مخالفنا، يدل بيان الجنابة عند عدم الماء وتفصيل الأحداث التي لم تقصد بالآية، ولا يقال: لو كان المقصود ما ذكرتم لفصل الجنابة من الحدث في التيمم كما فصل بينهما في الابتداء، فلما جمع الجميع عند عدم الماء بلفظ واحد؛ علم أنه ما يوجب الوضوء خاصة؛ وذلك لأنه فصل بينهما عند وجود الماء لاختلاف الواجب في الغسل، وجمع بينهما عند عدمه لاتفاق الواجب في التيمم.
٥١٦ - قالوا: روى الشافعي عن زيد بن أسلم ترتيب الآية.
قالوا: تقديرها إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط،
[ ١ / ١٧٥ ]
فاغسلوا وجوهكم، أو كنتم جنبًا فاطهروا، وإن كنتم مرضى، أو على سف ولم تجدوا ماء فتيمموا، فيكون هذا عطفًا على الجنب والمحدث.
قالوا: وحمل الآية على هذا التقدير أولى، فظاهر الآية يدل على أن السفر والمرض حدث.
٥١٧ - قلنا: التقديم والتأخير عدول عن الظاهر، وترتيب الله أولى من ترتيب غيره، وما ذكروه من المرض والسفر يضمر فيه الحدث بالإجماع، أو يكون معناه: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، وقد يكون بمعنى الكاف كقوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾، فيتساوى في ترك الظاهر؛ إلا أنا نبقي ترتيب الآية وهم يغيرونها.
٥١٨ - قالوا: حمل الآية على ما نقوله يؤدي إلى إثبات فائدة، وهو وجوب الوضوء من المس.
٥١٩ - قلنا: قد بينا أن الآية ليست موضوعة على بيان الأنواع، ثم ما نقول به يستفاد به فائدة أخرى، وهو جواز التيمم للجنب، فأما قولهم اللمس حقيقة فيما كان باليد؛ فإن المس حقيقة عند الإطلاق هذا، فأما إذا أضيف إلى النساء صار بالعرف عبارة عن الجماع، كالوطء، إنه عبارة عند الإطلاق عما وقع بالرجل، فإذا أضيف إلى النساء؛ لم يعقل منه إلا الجماع.
[ ١ / ١٧٦ ]
٥٢٠ - احتجوا: بما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ، أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عمن ينال من امرأة لا تحل له -ما ينال من امرأته- إلا الجماع- فقال: «يتوضأ وضوءًا حسنًا».
٥٢١ - والجواب: أن هذا يحتمل المباشرة الفاحشة، وهو الظاهر؛ لأن القبلة لا تختص بامرأته، ولأنه يحتمل الاستحباب؛ ألا ترى أنه قال: «وصل ركعتين»، وليس ذلك على طريق الوجوب.
٥٢٢ - قالوا: النبي - ﷺ - أوجب الوضوء من نيله منها، وعندكم يجب بخروج البلة.
٥٢٣ - قلنا: روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الماشرة الفاحشة تنقض الوضوء وإن لم يخرج منه شيء؛ فعلى هذا يوجب بالنيل منها تحرم الربيبة،
[ ١ / ١٧٧ ]
فوجب أن ينقض الطهارة، كالتقاء الختانين.
٥٢٤ - والجواب: أن اعتبار التحريم لا معنى له؛ لأنه يختص بما وقع للشهوة، ثم المعنى في الأصل: أنه استجلب المني بغاية ما يستجلب به واللامس لم يستجلب المني بلمسه بغاية ما يستجلب به.
٥٢٥ - قالوا: كل ما ينقض الطهارة الكبرى كان من جنسه ما ينقض الصغرى، قياسًا على الخارج من السبيلين.
٥٢٦ - قلنا: نقول بموجبها في التقاء الختانين.
٥٢٧ - قالوا: عندكم اللمس لا يوجب حتى يكون معه انتشار.
٥٢٨ - قلنا: نعتبر مسًّا نصفه، كما تعتبرون مسًّا تصفونه، وهو الحائل.
٥٢٩ - قالوا: المعنى يفضي إلى نقض الطهارة غالبًا؛ فجاز أن يتعلق نقض الطهارة بعينه، كالنوم.
٥٣٠ - قلنا: لا نسلم الوصف؛ لأن الغالب أن اللامس ينقض طهارته، ثم المعنى في النوم أن الوضوء لما تعلق به من غير تعبير بالحدث، تعلق بعامة ما يستجلب به.
٥٣١ - قالوا: المس يوجب الفدية على المحرم، كالمباشرة الفاحشة.
٥٣٢ - قلنا: اعتبار أحدهما بالآخر لا يصح؛ لما قلنا: إن أحدهما وجد فيه غاية ما يستجلب به، والحدث الآخر بخلافه، ولأن مخالفنا ما عَلَّلَهُ على اللمس للشهوة، وهذا المعنى عنده غير مؤثر، وإنما يتعلق للحكم بمجرد اللمس، ولا
[ ١ / ١٧٨ ]
خلاف أن اللمس المجرد لا يقع به حكم في الشرع، لا من كفارة، ولا تحريم، ولا يؤثر في الصوم، فكذلك لا يؤثر في الوضوء، ويرجح ما ذكرناه بموافقة الأخبار، وبالتسوية بين الرجل والمرأة؛ لأن اللمس بغير شهوة لا يتعلق به حكم في الأصول.
[ ١ / ١٧٩ ]
مسالة ٢٩