مسألة ٧٩
وقت الوجوب
١٦١٠ - قال أصحابنا: وجوب الصلاة يتعلق بآخر وقتها.
١٦١١ - وقال ابن شجاع: يتعلق بأول وقتها موسعا، ويتضيق بآخره، وبه قال الشافعي ﵀.
١٦١٢ - لنا: أنه مخير في ابتداء الوقت بين فعل هذه الصلاة وتركها، لا إلى بدل، فصارت كالنوافل. ولا معنى لقولهم: إن هذا حد الواجب المضيق، فأما الموسع: فحده ما لا يجوز تأخيره عن وقته؛ لأنا لم نقصد مقصد التحديد، وإنما ذكرنا علة رددناها إلى الأصل، فلا معنى للمنازعة بحد لم نذكره.
١٦١٣ - ولا يقال: إنا لا نسلم أنه يتركها إلى غير بدل؛ لأن العزم على فعلها في الثاني بدل؛ وذلك لأن العزم لو كان بدلا لقام في المصلحة مقام الأصل، ولو كان كذلك لسقط به الوجوب. ولأن العزم لا يكون إلا بفعل واجب، وكونه لا يقتضي
[ ١ / ٣٧٧ ]
سقوط الوجوب، وهذا تناقض.
١٦١٤ - ولا يقال: إن فعل الصلاة في آخر الوقت بدل؛ لأن هذا البدل متروك في أول الوقت، ونحن دللنا على عدم وجوبها في أوله بجواز تركها وبدلا فيه، فأما فعل بدل في الثاني فيدل على وجوبها في الجملة، ولا يدل على وجوبها في الوقت الأول. ولأن وجوب الصلاة يختلف باختلاف حال المكلف في آخر الوقت دون أوله، وكذلك صفات الفرض تختلف باختلاف حاله في آخر الوقت.
١٦١٥ - ألا ترى أن الحائض في آخر الوقت لا يلزمها الصلاة، والطهارة في آخره يلزمها الفرض، والمسافر في أخر الوقت يصلي ركعتين، فجرى أول الوقت مجرى حين لم يؤثر في الوجوب ولا في الصفة مجرى ما قبل الوقت.
١٦١٦ - ولا معنى لقولهم: إن الوجوب قد يتعلق بأول الوقت ويتعين صفته بما يطرأ عليه، كالعبد إذا أعتق بعد الزوال وجبت عليه الجمعة وإن لم يكن مخاطبا بها في أول الوقت؛ لأن هذا يؤكد ما قلنا.
١٦١٧ - ألا ترى أنه إذا أعتق فهو في آخر الوقت من أهل الجمعة، فلذلك كانت فرضه، ولم نعتبر برقِّه في أول الوقت؛ لأنه ليس بوقت الوجوب.
١٦١٨ - قالوا: الصحيح إذا فاته الفرض ثم مرض جاز أن يقضي بإيماء، فتعين القضاء بصفته في حال القضاء لصفه فإن لم تكن حالة الوجوب.
١٦١٩ - قلنا: دليلنا اقتضى أن ما لا يتعين به صفة الفرض ليس بوقت للوجوب، فإذا تعين الفرض في غير وقت الوجوب لم يلزمنا، ولأن الفرض عندنا يسقط بالفوات، والقضاء فرض آخر الوقت، فلم يتعين عندنا الفرض بغير حال الوجوب،
[ ١ / ٣٧٨ ]
وإنما اعتبرت صفته في حال الوجب. ولأنها فرض مؤقت يتسع وقته لفعل أمثاله، فكان له وقت جواز ووقت وجوب، كالزكاة. ولأنها صلاة لا حرج في تأخيرها عن هذا الوقت فلم تكن واجبة، كالعصر في وقت الظهر يوم عرفة.
١٦٢٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، فأمر بفعل الصلاة في عموم الوقت، والأمر يدل على الوجوب، فاقتضى وجوبها في أي وقت فعلها فيه.
١٦٢١ - والجواب: أن فعل الصلاة لا يجب في جميع الوقت، وإنما يجب في وقت من الجملة باتفاق، وزعم مخالفنا أنه أول الوقت وادعينا أنه آخره، فلم يكن ما يدعيه بأولى مما نقوله. ولا يقال: إن الظاهر اقتضى الفعل في وقت غير معين من جملة هذه الأوقات، ففي أيها فعل كان واجبا؛ لأن الآية إذا اقتضت وجوب المفعول في أول الوقت قلنا به؛ لأن من مذهب أبي الحسن: أن الوجوب يتعين بالفعل وتأخير الوقت.
١٦٢٢ - قالوا: عبادة على البدن ليس من شرط وجوبها المال، فوجب أن يكون أول جواز فعلها متبوعة وقت الوجوب بها، كالصوم.
١٦٢٣ - قلنا: تخصيص العبادة بالبدن لا معنى له؛ لأن العبادة المؤقتة في المال والبدن حكم الوقت، والأمر فيها على وجه واحد. ثم جواز الفعل لا يستدل به على الوجوب؛ لأن الوقت قد يجعل وقتا للجواز دون الوجوب، كوقت الظهر للعضر بعرفة، والزكاة في أول الحول. ثم المعنى في الصوم أن وقته مقدر بفعله، فلا يتصور فيه إلا وقت الوجوب، والصلاة يتسع وقتها لإمساك فعلها، فهي كالزكاة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
١٦٢٤ - قالوا: كل ما كان وقتا لجواز فعل الصلاة في حق الكافة كان وقتا لوجوبها، كآخر الوقت.
١٦٢٥ - قلنا: المعنى في آخر الوقت أنه لا يخير بين فعلها وتركها، فكان وقت وجوبها، ولما خير في ابتداء الوقت بين فعل الصلاة وتركها لم تكن واجبة، ولا يلزم على هذا قضاء رمضان: أنه مخير بين تقديمه وتأخيره وهو واجب؛ لأنه مؤقت فيما بين رمضان، ووجوب على هذه الطريقة يتعلق بآخر الوقت.
١٦٢٦ - قالوا: عبادة، فوجب أن يتسع وقت وجوبها لأدائها، كسائر العبادات.
١٦٢٧ - قلنا: إذا بقي من الوقت مقدار الأداء فقد وجب فعل العبادة، فالوقت يتسع للفعل. وقول أصحابنا: إن الوجوب يعتبر فيه من آخر الوقت مقدار التحريمة إنما هو في الوقت الذي يتعلق به الخطاب في حق من لم يكن مخاطبا قبله، ويتعين نية الصلاة بفواته من الأداء إلى القضاء، فأما وجوب الفعل فيتعلق بما قدمناه.
١٦٢٨ - قالوا: الإنسان لا يأثم بتأخير العبادة قبل وجوبها، وإنما يأثم بالتأخير بعد الوجوب، وفي علمنا أنه يأثم يتأخير الصلاة إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات؛ دلالة على أن الوجوب يتعلق به.
١٦٢٩ - قلنا: كذلك نقول على ما قررناه. ثم لا يمتنع أن يتعلق الوجوب بآخر الوقت ويأثم بالتأخير عما قبله؛ لأنه يؤدي إلى فعل بعض الصلاة في غير وقت الوجوب والأداء، كما يمتنع من تأخير الصلاة عن أول الوقت إذا حضرت الجماعة وهو في المسجد وإن كان موسعا عليه في التأخير في الجملة.
١٦٣٠ - قالوا: اختلف الناس في أن الصلاة في أول الوقت أفضل أو في آخره، والتفضيل يقع بين المتساويين: إما واجبين أو ندبين، فأما أن يفضل بين مندوب وواجب فلا.
١٦٣١ - قلنا: المفعول في أول الوقت يجب بالفعل، فإذا فضلنا بينه وبين المفعول في آخره فقد فضلنا بين الواجبين، هذا على قول أبي الحسن. وعلى غير هذا
[ ١ / ٣٨٠ ]
الوقت، المفعول في أول الوقت مراعى فيصير واجبا في الثاني، فالتفضيل يقع بين واجب مراعى وواجب غير مراعى، والتفضيل يجوز أن يقع بين واجبين مختلفي الصفة.
[ ١ / ٣٨١ ]