مسألة ٨٠
وقت الظهر
١٦٣٢ - قال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه سوء فيء الزوال.
١٦٣٣ - وقال أبو يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله، وهو قول الشافعي.
١٦٣٤ - لنا: ما روي أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه أن سائلا سأل النبي - ﷺ - عن مواقيت الصلاة، فقال له: «اجعل صلاتك معنا»، فصلى الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، وهذا لا يقال عند المثل، فدل على أن وقت العصر بعد المثل، وهذا حديث مدني؛ لأنه ذكر فيه أن النبي - ﷺ - أمر بلالًا فأذن، والأذان سن في المدينة.
١٦٣٥ - ويدل عليه حديث ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: «إن مثلكم ومثل أهل الكتابين من قبلكم كرجل قال: من يعمل معي إلى صلاة الظهر بقيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل معي إلى صلاة العصر بقيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل معي إلى صلاة المعرب بقيراطين؟ فعملتم أ، تم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ما بالنا أكثر عملا وأقل أجرًا»، فأخبر بأن عمل النصارى أكثر من عمل
[ ١ / ٣٨٢ ]
المسلمين، فدل على أن ما بين الظهر والعصر أطول مما بين العصر والمغرب. ولا يجوز أن يكون المراد بالخبر أن عملهما أكثر من عمل المسلمين؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل «وأقل أجرا»؛ لأن أجر أحدهما كأجر المسلمين.
١٦٣٦ - ولا يقال: إن العمل قد يزيد مع قصر الوقت لكثرته؛ لأن النبي - ﷺ - قصد بيان كثرة العمل لاتساع الوقت، ولو أراد كثرته في نفسه لم يكن لذكر الوقت معنى. ولأنها صلاة لا تكره النافلة في وقتها، يليها صلاة تكره النافلة بعدها، فكانت الأولى أطول وقتا، كالعشاء والفجر. ولأنها صلاة تتوسط صلاتين فتكره النافلة في وقتها فكانت أطول مما يليها، كالعشاء. ولأنها صلاة تتوسط أحد الزمانين، كالعشاء. ولأنها صلاة قبلها صلاة لا تقصر في السفر، فكانت أطول وقتا مما بعدها، كالعشاء. وهذه الأقيسة لبيان سفة الوقت، ألا ترى: أنا أجمعنا على جواز الظهر بعد المثل، وإنما يختلف في أنها أداء، فالقياس لبيان صفة الوقت دون الوقت، ولأن ما بعد المثل وقت لو بلغ فيه الصغير وجبت الظهر، فكان وقتا لأدائها في حق غيره، كما قبل المثل، ويدل على وقت العصر بقوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾ والطرف ما قرب من الغاية، فهذا يدل على أن وجوبها آخر وقت النهار، ولأن الواقيت لا تثبت إلى بتوقيف أو اتفاق وقد اتفقنا على جواز العصر بعد المثلين واختلفنا في جوازها قبل ذلك، فلم يجز إثباته من غير توقيف. ولأنها صلاة يجاورها غروب الشمس، فأثر ذلك في قصر وقتها، كالمغرب.
[ ١ / ٣٨٣ ]
١٦٣٧ - احتج المخالف بحديث ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «أمني جبريل عند باب البيت مرتين، فصلى بي الطهر حين زالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي في اليوم الثاني الظهر حين سار ظل كل شيء مثله، والعصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم التفت إلي فقال: الوقت ما بين هذين الوقتين».
١٦٣٨ - قالوا: وكلٌّ موضع، قال في اليوم الأول: «صلى» معناه: ابتدأ، وفي اليوم الثاني «صلى» معناه فرغ؛ لأنه بيان لأول الوقت وآخره، وذلك لا يكون إلا على هذا الوجه.
١٦٣٩ - والجواب: أنه يروى في هذا الخبر أن جبريل جاءه في اليوم الثاني «حين صار ظل كل شيء مثله، قال: قم فصل الظهر»، وهذا يفيد جوازها بعد المثل، وذلك معارض لما فعله في اليوم الأول. ولا يمكن حمله على ما ادعوه من انتهاء الصلاة؛ لأنه نقل الابتداء بعد المثل، والتأويل لا يجوز بخلاف المنصوص. ولا يجوز أن يقال بحمله على المثل مع الزوال؛ لأن جميع ما ذكر في الخبر من المثل والمثلين المراد به: ما سوى في الزوال، فلو كان المراد في هذا الوضع المثل مع الفيء كان ذلك تلبيسا في البيان؛ لأنه صار الظل مثله، وهذا عبارة عن الحدوث، وفي الزوال لم يحدث. فلو كان هذا التأويل مع ما بعده جاز لنا أن نحمل ما روي في اليوم من فعله للعصر حين صار ظل كل شيء مثله على بيان الوقت ليوم عرفة، أو على الأمر بالتأهب للصلاة، وقد يسمى المشتغل بسبب الصلاة مصليا؛ كما
[ ١ / ٣٨٤ ]
قال - ﵇ -: «وإنكم في صلاة ما انتظرتموها». ولا يقال: إن هذا يؤدي إلى نسخ ما فعل في اليوم الأول بما فعل في الثاني ولم يجر في القصة نسخ؛ لأن هذا دعوى، ولا يمتنع أن يقع النسخ إذا تنافى الفعلان، ولأن هذا الخبر كان بمكة وخبرنا بالمدينة، فالرجوع إليه أولى.
١٦٤٠ - قالوا: صلاتان يجمعان في وقت إحداهما فكانت الأُولى أقصر وقتا، كالمغرب والعشاء.
١٦٤١ - قلنا: نعكس فنقول: فكان ما يقع في الجميع في وقتها أطول، كالمغرب والعشاء، ولأن المغرب والعشاء دليلنا، ألا ترى أن وقت العشاء وَسِعٌ في باب النوافل، والمغرب ضيق وقتها، وذلك لأنه لا يتنفل قبلها، ولما اتسع وقت الظهر للنوافل وضيقت في وقت العصر كان ما اتسع في النوافل أطول.
١٦٤٢ - قالوا: الظهر صلاة يدخل وقتها بخروج وقت تكره فيه النافلة فكانت أقصر وقتا مما يليها، كالمغرب.
١٦٤٣ - قلنا: كراهة النفل قبل دخول الوقت لا يجوز أن يؤثر في حكم الوقت، كما أن الأحكام المتعلقة بعبادة لا تؤثر في غيرها، ولو جاز اعتبار هذا كان المنع من النفل في الوقت أدل على ضيق الوقت من المنع قبله. ثم المغرب إنما ضاق وقتها للمنع من التنفل وفي وقتها، لا لما قالوه. ثم إن هذا يبطل بصلاة العيد؛ لأن دخول وقتها تعلق بخروج وقت الكراهة وهي أطول وقتا من الظهر الذي يليها.
١٦٤٤ - احتجوا: في العصر خاصة بما روي أن النبي - ﷺ - صلى العصر فجاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، إن عندي جزورًا،غني أحب أن أنحره وتحضره، فانصرف رسول الله وانصرفنا معه، فنحر الجزور،اصْلح وطعمنا قبل
[ ١ / ٣٨٥ ]
أن تغرب الشمس.
١٦٤٥ - وروي عن أنس أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر فيسير السائر إلى العوالي ويرجع والشمس حية مرتفعة.
١٦٤٦ - والجواب: أن هذا لا يمكن أن يجعل حدا للوقت؛ لأن الطبخ يختلف بحسب الإسراع، لا سيما العب فإنهم لا يعرفون طبخ أهل البلاد، وكذلك السير مختلف بالأسراع، فإذا صلى عند المثلين في زمان الصيف أمكن هذا، فلم يجز أن يجعل دلالة على ما قالوه.
[ ١ / ٣٨٦ ]