مسألة ٨٢
وقت المغرب
١٦٥٣ - قال أصحابنا: وقت المغرب متسع، له أول وآخر.
١٦٥٤ - وقال الشافعي: مقدار ما يتطهر ويؤذن ويصلي ثلاث ركعات، فإذا مضى ذلك فقد فات الوقت.
١٦٥٥ - لنا: ما روي في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: «وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط فور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس». وروى الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال
[ ١ / ٣٨٩ ]
رسول الله - ﷺ -: «إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وإن آخر وقتها حين تغيب الأفق». ولأن معنى لقولهم: إن المراد به آخر وقتها في حال البقاء؛ لأن ما كان وقتا فهو وقت لأمرين، فمن ادعى أنه وقت من وجه دون وجه فقد خص.
١٦٥٦ - وروي في حديث أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه في قصة السائل عن المواقيت قال في اليوم الثاني: «ثم أخر المغرب حتى كاد سقوط السفق»، وهذا لبيان آخر الوقت. ولأنها صلاة مفروضة، فكان لها وقت ممتد، كسائر الصلوات. أو نقول: فلم يتقدر وقتها بفعلها، كسائر الصلوات. ولأنه وقت في حق المعذور، فكان وقتًا في حق غيره، كأول الوقت. ولأنه وقت البقاء عليها، فكان وقتا لأدائها، كسائر المواقيت. ولا يلزم على هذا آخر وقت الجمعة، أنه وقت للبقاء وليس بوقت للابتداء؛ لأن معنى قولنا إنه وقت للابتداء أن الوقت لم يفت في حق المبتدئ، وكذلك نقول في الجمعة؛ لأن الداخل في آخر وقتها لا يدخل في فائتة، فهو وقت الابتداء، ولأنها صلاة تجمع إلى ما يليها فلم يفصل بين وقتيهما فاصلة، كالظهر والعصر.
١٦٥٧ - احتجوا: بما روي في حديث ابن عباس أن جبرائيل صلى بالنبي - ﷺ - المغرب في اليومين في وقت واحد، فلو جاز تأخيرها لأخرها، كسائر الصلوات.
١٦٥٨ - والجواب: أن فعله في اليومين يحتمل ما ذكروه.
١٦٥٩ - ويجوز أن يكون لكراهة تأخيرها فلم يعرضه لفعل المكروه، وإذا احتمل الوجهين ساقط التعلق به. ولهذا المعنى لم يؤخر العصر إلى المغرب، والعشاء إلى ما بعد نصف الليل. ولأنّ أخبارنا مدنية فهي أولى مما كان بمكة. ولا يجوز أن يقال: إن جبريل لم يقصد بيان فضيلة الوقت، وإنما قصد نفس الوقت؛ لأنه قصد بيان الوقت الذي لا يكره، والمغرب عندنا فيما بعد الزوال والوقت مكروهة، فلم يكن ذلك
[ ١ / ٣٩٠ ]
بيان فضيلة.
١٦٦٠ - قالوا: خبر ابن عباس مشهور، وأخباركم مجاهيل، فلا ينسخ بها.
١٦٦١ - قلنا: أخبارنا وردت ورود الآحاد، وكذلك خبر ابن عباس، وقولهم: إنها مجاهيل غلط؛ لأن خبر أبي موسى ذكره أصحاب الأسانيد، وخبر أبي هريرة ذكره ابن أبي شيبة.
١٦٦٢ - قالوا: روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم»، وروى جابر بن سمرة قال: كنا نصلي عند رسول الله - ﷺ - المغرب فنمضي إلى دور بني سلمة فنتناضل وترى مواقع النبل.
١٦٦٣ - والجواب: أن هذا يدل على فضيلة التعجيل وكراهة التأخير، فأما اختصاص الجواز بهذا الوقت فلا.
١٦٦٤ - قالوا: روي أن عمر أخر المغرب حتى طلع نجمان فأعتق رقبتين وقدم أبو أيوب مصر وعليها عقبة بن عامر فأخر المغرب فأنكر
[ ١ / ٣٩١ ]
عليه، ولم يعرف لهما مخالف، ولأن الناس يبادرون إليها في سائر الأعصار، فدل على اختصاصها بأول الوقت.
١٦٦٥ - والجواب: أنه روي عن ابن عباس أنه قال: ما بين الظهر والعصر وقت، وما بين العصر والمغرب وقت، وما بين المغرب والعشاء وقت. وهذا مثل قولنا، وما ذكروه عن عمر وأبي أيوب يدل على كراهة التأخير دون غيره، وأما مبادرة الناس على فعلها فلكراهة تأخيرها. ولا يقال: إنهم لا يبادرون إلى الظهر في الشتاء؛ لأن تأخيرها لا يكره، فلذلك عجلوها تارة وأخروها أخرى.
١٦٦٦ - قالوا: صلاة أصل لا تقصر فوجب أن يكون بينها وبين التي تليها زمان تفوت فيه، كالصبح.
١٦٦٧ - قلنا: الصبح لا تجمع إلى ما يليها، فلذلك انفصل وقتاهما، والمغرب بخلافه، ولأن الفجر وسائر المواقيت دلالة لنا؛ لأن وقتها لا يتضيق بمقدار فعلها. فأما قولهم: إنها وتر في العدد وكذا في الوقت، فليس بشيء؛ لأن الأوقات لم توضع على أعداد الصلوا، ولو كان كذلك لاتسع الظهر لزيادة عدده، ولصار لها أربعة أوقات.
١٦٦٨ - وقد خالف الشافعي في هذه المسألة مواقيت الصلوات كلها، فجعل الوقت مقدرًا بالفعل، ثم بقّى الوقت ببقاء المصلي في الصلاة فيؤدي إلى
[ ١ / ٣٩٢ ]
فوات الوقت في حق واحد وبقائه في حق آخر، وهذا لايصح. وأما من قال منهم: إن وقتها يفوت،عن بقي على الصلاة إذا مضى مقدار ثلاث ركعات فخالف الأخبار؛ ألا ترى أن النبي - ﷺ - أخر المغرب حين بين للسائل إلى غيبوبة الشفق، فدل على أن الوقت لا يبقى في حال البقاء. وقد روي أنه قرأ في المغرب الأعراف، وهذا لا يكون إلا والوقت يمتد في حال البقاء.
[ ١ / ٣٩٣ ]
مسألة ٨٣