٢٦٦ - قال أصحابنا: الواجب في مسح الرأس مقدار الناصية، وفي رواية أخرى: ثلاثة أصابع، وروي: الربع.
٢٦٧ - وقال الشافعي: ما يُسمى مسحًا.
٢٦٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ والباء للإلصاق عند أهل اللغة، وذلك يفيد الأكثر أو المقصود من الشيء، كقولهم: كُتِبَ الكتاب بالقلم، ولا يلزم قولهم: أخذت بزمام الناقة؛ لأن ذلك يتناول اليسير؛ لأن المقصود يحصل به.
٢٦٩ - ولا يقال: إن الفعل إذا تعدى بحرف الباء وبغيرها فدخولها لفائدة، وهي التبعيض؛ لأن ابن كيسان سُئِل عن ذلك فقال: الإلصاق في معنى الكلام، فإذا دخلت الباء فهي لصريح اللفظ، وإذا كان لدخولها فائدة لم يلزم ما قالوا.
٢٧٠ - ولأن الله تعالى أفرد المسح بالذكر وإن كان ما يتناوله الاسم يدخل في غسل الوجه تبعًا، فلو كان هو الواجب بطلت فائدة الإفراد.
٢٧١ - ولا يقال: إنه أفرده للترتيب؛ لأن عليًّا وابن مسعود لم يعتقدا الترتيب، وكان يجب أن يسألا النبي - ﷺ - عن فائدة الآية، فلما لم تنقل
[ ١ / ١١٨ ]
المسألة بطل ما قالوا.
٢٧٢ - ولأنه مسح، فلا يتقدر بأدنى ما يتناوله الاسم، كمسح الجبائر.
٢٧٣ - ولا يقال: فلا يُقَدَّر بالربع؛ لأنا كذلك نقول في الجبائر، ولأنا إذا نظرنا مقدار الناصية لم يصح هذا العكس، وإن سلمنا فعلة الفرع لا تصح، لأنه ليس إذا لم يجب الاستيعاب يقدر بالأقل، فصار ذلك دعوى بغير دلالة.
٢٧٤ - ولأن ما يتناوله الاسم يدخل في غسل عضو يليه على طريق التبع، فلم يكن فرضًا بنفسه في عضو آخر، كما يدخل في العضد في غسل المرفق.
٢٧٥ - ولأنه حُكْم يختص بالرأس، ألا ترى أنها تكون في الوجه؟
٢٧٦ - احتجوا: بما روى المغيرة: أن النبي - ﷺ - مسح بناصيته، والباء للتبعيض.
٢٧٧ - والجواب: أنا بينا أنها للإلصاق، وقد روي في هذا الخبر أنه مسح على ناصيته، وهذا يفيد الأكثر، ولو ثبت أنه مسح بعضها جاز أن يكون قدر ثلاثة أصابع، وحكاية الفعل إذا احتملت سقطت.
٢٧٨ - قالوا: مسح من رأسه ما يقع عليه اسم المسح، فصار كما لو مسح مقدار ثلاثة أصابع.
[ ١ / ١١٩ ]
٢٧٩ - قلنا: اعتبار ما يتناوله الاسم يخالف موضوع الطهارة؛ لأن ذلك غير مُعْتَبر في شيء من الطهارات، فلم يجز تعليق الحكم عليه، ولأنه إذا مسح بثلاثة أصابع فقد مسح بالأكثر من الأصابع، وهذا فعل مقصود، وما دونها مسح بالأقل، فلم يكن مقصودًا.
٢٨٠ - ولأنا إذا قلنا بالربع لم يصح هذا الأصل. فإن قاسوا على الربع، قلنا: المعنى فيه: أنه يعلق بحلقة الدم، فجاز فيه المسح، وليس كذلك أدنى ما يتناوله الاسم؛ لأنه لا يعتبر وجوب الدم بالحلق.
٢٨١ - قالوا: حكم يتعلق بالرأس فيتعلق بأدنى ما يتناوله الاسم، كالموضحة.
٢٨٢ - قلنا: لا نُسَلِّم في الأصل؛ لأن الموضحة ما أوضحت العظم وبقي أثرها، ومتى أوضح ما يتناوله الاسم لم يبق أثر في الغالب، وينعكس ما قالوه بوجوب الدم في الحلق.
٢٨٣ - قالوا: التقدير عندكم لا يثبت إلا بالتوقيف، وقدرتم في مسألتنا مع عدمه!
٢٨٤ - قلنا: التقدير عندنا المبتدأ يثبت بالتوقيف، والتقدير بالفصل بين الكثير والقليل يثبت بالاستدلال. وفي مسألتنا دل الدليل على أن الجمع ليس بواجب، والأذنين لا يجزئ فالتقدير الفصل بينهما ثبت بالقياس، وما ذكرناه أولى؛ لأنه تقدير الفرض بالعضو، وهذا معتبر في الطهارات، فهو أولى مما لم يُعْتَبَر. ولأنا رددنا مسح الرأس إلى مسح الجبيرة والتيمم، ورد الشيء إلى جنسه أولى.
[ ١ / ١٢٠ ]
مسألة ١٧