إلى موضع يلحقه التطهير
٥٩٠ - قال أصحابنا: إذا خرت النجاسة من البدن إلى موضع يلحقه حكم التطهير نقضت الطهارة.
٥٩١ - خلافًا للشافعي.
٥٩٢ - لما روي أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة: «إنما ذلك دم عرق وليست بالحيضة، فتوضئي لكل صلاة». فجعل العلة في وجوب الوضوء من الدم كونه دم العرق، وهذا عام لسائر الدماء.
٥٩٣ - قالوا: هذا تعليل لنفي كونه حيضًا؛ لأنه أشكل عليها الحيض.
٥٩٤ - قلنا: يجوز أن يكون التعليل للأمرين، ولا يجوز أن يكون لكونه استحاضة
[ ١ / ١٩٤ ]
خاصة؛ لأنها سألته عن الحكم المسئول عنه.
٥٩٥ - قالوا: التعليل وقع على الدم الخارج من السبيل.
٥٩٦ - قلنا: السيل ما جرى له ذكر في العلة، وإنما هو صفة الأصل المعلل، فلا يضم إلى العلة، كما لا يضم إلى علة الربا كون المعلول بُرًّا.
٥٩٧ - ويدل عليه: ما روى زاذان عن سلمان، قال: رأني رسول الله - ﷺ - وقد سال من أنفي دم، فقال: «أحدث بك وضوءًا».
٥٩٨ - قالوا: رواه أبو خالد الواسطي، وهو عمرو القرشي. قال أحمد ويحيى: أبو خالد كذاب.
٥٩٩ - قلنا: أكثر ما قال الدارقطني: إنه متروك الحديث. وإنما طعنوا لأنه صاحب زيد بن علي عليه السلا، وهذا ليس بطعن.
٦٠٠ - ويدل عليه: ما رواه ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان رسول
[ ١ / ١٩٥ ]
الله - ﷺ - إذا رعف في الصلاة توضأ وبنى.
٦٠١ - وروى ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من قاء أو رعف في صلاته؛ فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته؛ ما لم يتكلم أو يحدث».
٦٠٢ - وروى عمر بن عبد العزيز، عن عثمان الداعي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الوضوء من كل دم سائل».
٦٠٣ - قالوا: رواه يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، وهما مجهولان، وعمر بن عبد العزيز لم يسمع من عثمان.
٦٠٤ - قلنا: جهالة الراوي لا تقدح في روايته؛ لأن المعتبر إسلامه مع العدالة، وإرسال الخبر لا يؤثر فيه عندنا.
[ ١ / ١٩٦ ]
٦٠٥ - وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دمًا سائلًا». ولأنها نجاسة خارجة من البدن؛ فكان لنوعها تأثير في إيجاب الوضوء، كالخارج من السبيل.
ولأن الطهارة على ضربين: طهارة إزالة، وطهارة حدث، فإذا جاز أن تتعلق إحدى الطهارتين بالخارج من غير السبيل فالآخر مثله.
ولأن الحكم يتعلق بالخارج دون المسك، بدلالة اختلاف الحكم باختلاف صفة الخارج مع اتفاق المسلك. ولأن أحد نوعي الطهارة يعتبر فيه الخارج دون المسلك، فكذلك النوع الآخر.
٦٠٦ - ولا يقال: إن الريح والدود والحصى ينقض الوضوء من السبيل ولا ينقض من غيره، واختلف الحكم باختلاف المسلك؛ وذلك لأن الحكم يختلف بالخارج أيضًا، ألا ترى أن نجاسة ما خرج من السبيل أغلظ فتعلق بقليلها الوضوء، ولم يتعلق بقليل غيرها؟ وإذا ثبت اعتبار الخارج النجس، وهو موجود من غير السبيل؛ فنُقِضَ الوضوء.
٦٠٧ - احتجوا: بحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح».
٦٠٨ - والجواب: أنه لا يمكن اعتبار عمومه؛ لعلمنا أن نواقض الوضوء كثيرة بالاتفاق، وإذا لم يمكن اعتبار عمومه قصر على سببه، وهو ما روي أنه - ﷺ - سئل عن الشك فقال ذلك، فكأنه قال: لا وضوء عند الشك إلا من صوت أو ريح.
[ ١ / ١٩٧ ]
٦٠٩ - قالوا: روى حميد عن انس ﵁ قال: احتجم رسول الله - ﷺ - فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه.
٦١٠ - قلنا: رواه صالح بن مقاتل، وهو مجهول، وحميد الطويل مدلس، ولم يروه عن حميد من الأثبات أحد، وإنما رواه أبو أيوب القرشي. ولأن أكثر ما فيه أنه لم يشاهده يتوضأ فيجوز أن يكون توضأ بغير حضرته.
٦١١ - احتجوا: بحديث ثوبان أنه قال للنبي - ﷺ -: أفريضة الوضوء من القيء؟ فقال: «لو كان فريضة لوجدته في القرآن».
٦١٢ - قلنا: قال الدارقطني: لم يروه عن الأوزاعي غير عبيدة بن السكن، وهو منكر الحديث. ولأن النبي - ﷺ - نفى كون فرضًا، وكذلك نقول؛ لأنه ليس بفرض عندنا، وإنما هو واجب.
والفرض ما ثبت بنص القرآن وبدلائل مقطوع بها، ألا ترى أن النبي - ﷺ - لم يقصد إسقاط وجوب ما ليس في القرآن، فثبت أنه أراد ما ذكرناه.
٦١٣ - قالوا: خارج من غير مخرج الحدث، كالدود.
٦١٤ - قلنا: اعتبار المخرج لا معنى له؛ لما ذكرناه، ولأن الدود لا ينقض الطهارة بنفسه، وإنما ينقض النجاسةُ المقارنة له، وما كان من السبيل فنجاسته أغلظ، فلم يتعلق بقليله وإن تعلق بكثيره، ولخفة النجاسة تأثير بالاتفاق، كبول ما يؤكل لحمه وبول
[ ١ / ١٩٨ ]
ما لا يؤكل لحمه، ونجاسة البول والدم عندهم.
٦١٥ - قالوا: كل ما لم ينقض قليله الوضوء لم ينتقض كثيره، كالبلغم.
٦١٦ - قلنا: القليل قد يسقط حكمه لقلته وإن لم يسقط حكم الأكثر، كما عفي عن إزالة قليل الدم وإن لم يعف عن كثيره.
٦١٧ - ولأن المعنى في البلغم أنه لا تتعلق به إحدى الطهارتين فلم تتعلق به الأخرى. ولما تعلق بالخارج من إحدى السبيلين أحد الطهارتين جاز أن يتعلق به الأخرى.
٦١٨ - قالوا: طهارة ينقضها الخارج من مخرج الحدث فلم ينقضها الخارج من غيره، كالغسل.
٦١٩ - قلنا: يبطل بطهارة النجاسة. ثم الأصل غير مسلم؛ لأن المني لو خرج إلى قصبة الذكر على وجه الدفق والشهوة ثم انفصل من جراحة في الذكر، تعلق به الغسل عندنا، ويترجح ما ذكرناه بأنه ناقل ومثبت لحكم شرعي ومسوِّي لطهارة الحدث والإزالة.
[ ١ / ١٩٩ ]
مسألة ٣١