٥٧ - قال أبو حنيفة: إذا لم يجد المسافر الماء توضأ بنبيذ التمر، ولم يتيمم.
٥٨ - وروى نوح المروزي عنه: أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهو قول أبي يوسف والشافعي.
٥٩ - وقال محمد: يجمع بينه وبين التراب.
[ ١ / ٦٩ ]
٦٠ - وجه الرواية الأولى: ما رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس ﵄، وأبو رافع مولى ابن عمر، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال في ليلة الجن: أمعك ماء، قال: لا، معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه النبي - ﷺ - فتوضأ به وصلى الصبح وقال: تمرة طيبة وماء طهور.
ولا يجوز أن يقال: إن هذا الخبر رواه أبو فزارة السادر عن أبي زيد، وهو مجهول؛ لأنا نقلنا الخبر من غير هذا الطريق، ولو لم ينقل إلا منه كان طريقًا
[ ١ / ٧٠ ]
صحيحًا؛ لأن أبا فزارة ذكه مسلم في الصحيح، وهو راشد بن كيسان العبسي الزاهد. وروى أبو حنيفة والثوري وإسرائيل بن يونس، والجراح أبو وكيع وشريك وأبو زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال ابن المديني: وروى أبو فزارة عن أبي زيد قال: سمعت عبد الله بن مسعود.
٦١ - ولا يقال: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي - ﷺ - في هذه الليلة، وقد سئل علقمة
[ ١ / ٧١ ]
عن ذلك، فقال: وددت أن يكون معه. وروي عن ابن مسعود أنه قال: (ما كان معه منا أحد)؛ وذلك لأن ابن المديني قد طرق كون عبد الله بن مسعود مع النبي - ﷺ - في ليلة الجن من اثني عشر طريقًا. وذكر يعقوب بن أبي شيبة حديث أبي عثمان البكالي صحابي، فقال ابن أبي شيبة: هذا حديث بصري. ولأن الأخبار لو تعارضت كان المثبت أولى، كيف والجمع ممكن؛ لأن علقمة نفى كونه مع النبي - ﷺ - عند خطاب الجن، وهذا لا ينفي خروجه معه.
٦٢ - قالوا: النبي - ﷺ - توضأ به في الحضر، وهذا مجمع على تركه.
٦٣ - قلنا: توضأ به بعد ما خرج من مكة وبعد منها، وعندنا نجوز التوضؤ
[ ١ / ٧٢ ]
بالنبيذ والتيمم لمن بعد من المصر، وإن لم يسافر.
٦٤ - قالوا: الذي كان في الإداوة تمر وماء لم يختلط، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «تمرة طيبة، وماء طهور».
٦٥ - قلنا: هذا لا يسمى عندنا على الإطلاق نبيذًا، وقد سماه ابن مسعود نبيذًا، ولم يذكر النبي - ﷺ - علته، والغالب أن التمر إذا طرح في الماء وبقي ليلة أنه لا يبقى على حاله.
٦٦ - ولا يقال: اعتبار حقيقة قول النبي - ﷺ - وحمل قول ابن مسعود على المجاز أولى من حمل قوله على الحقيقة وحمل قول النبي - ﷺ - على المجاز.
٦٧ - قلنا: ترك النبي - ﷺ - الإنكار تقرير له على قوله، فصا كأن القولين صدرا من النبي - ﷺ -، فيجوز حمل الأول على الحقيقة والثاني على المجاز.
٦٨ - ولا يقال: إنه لم يكن شديدًا؛ لأن من أصحابنا من قال: الخلاف في النبيذ الحلو، فعلى هذا يسقط سؤالهم، ويسقط ما يقولون: إنه لم يكن مطبوخًا؛ لأن الحلو لا يعتبر فيه الطبخ.
٦٩ - قالوا: ليلة الجن كانت بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة فنسختها.
٧٠ - قلنا: النسخ يكون بين المتنافيين، ولا تنافي بين الآية والخبر، وسنبين ذلك.
٧٢ - قلنا: المخالف للأصول أن يرد الخبر بما وجد في الأصل خلافه بعينه، أو كان معناه مجمعًا على خلافه، كخبر القرعة؛ لأنه تضمن نقل الجزية من شخص إلى شخص، وهذا معنى أجمعوا على خلافه. وخبرنا لم يوجد ما ورد به في الأصول بخلافه، ومعناه: عليه أوصاف الطاهر على الماء، وهذا المعنى لم يجمعوا
[ ١ / ٧٣ ]
على امتناع الوضوء به؛ لأن ابن جرير يجوز الوضوء بالخل ونبيذ الزبيب.
٧٣ - ولا يقال: إن البلوى تعم، ولا تثبت بخبر الواحد؛ لأن وجود النبيذ في السفر مع عدم الماء أمر نادر، فكيف يدعى عمومه.
٧٤ - ويدل عليه: ما روى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لا يجد الماء». ولا يمكن تأويل هذا الخبر إلا بإسقاط ما شرطه. وقد روى جواز الوضوء به: علي، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ وقال أبو العالية: (ركبت مع أصحاب رسول الله
[ ١ / ٧٤ ]
- ﷺ - البحر ففني ماؤهم، فتوضئوا بنبيذ التمر، وكرهوا ماء البحر)، والصحابي إذا قال ما لم يعلم بالقياس حمل على التوقيف، أو نقول: إنه لا مخالف لهم فصار إجماعًا.
٧٥ - ولا يقال: قد روي عن ابن عمر أنه قال بنجاسة النبيذ؛ لأن هذا في الشديد، ومتى حمل الخلاف على الحلو سقط الخبر، على أنه قد روي عن ابن عمر جواز شربه. فيتعارض ذلك عنه، فبقي قول بقية الصحابة، ولأن الرأس من أعضاء الطهارة؛ فجاز أن يثبت له بدل عن الغسل، كالوجه واليدين، ولأن الطهارة تارة تعم البدن، وتارة تطهير ينتقل إلى بدل فجاز أن ينتهي إلى بدلين كالكفارة. هذه الأقيسة لسنا نثبت بها بدلًا، بل لترجيح الأخبار، ولأن كل فرض جاز انتقاله بالنبيذ، كغسل الطيب من ثوب المحرم.
٧٦ - واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا
[ ١ / ٧٥ ]
ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ولم يجعل بينهما واسطة.
٧٧ - قلنا: إن قوله ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ عام في كل غسل بالماء وغيره، فيفيد ذلك النبيذ. ولا يقال: إن هذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز؛ لأنا لم نثبت مخصوص المغسول به لفظًا، وإنما أثبتنا عموم الغسل، وذلك حقيقة في الأمرين، ولأن الله تعالى خص جواز التيمم بحال عدم الماء، والنبيذ في حكمه؛ فلا يجوز التيمم مع وجوده، والحكم تارة يثبت بالصريح، وتارة بالتنبيه.
ولأن قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ المراد: ماء شرعًا، والنبيذ ماء في الشرع؛ بدلالة ما قدمناه في الخبر.
٧٨ - احتجوا بقوله ﵇: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء»، وهذا لا دلالة فيه؛ لأن النبيذ ماء في الشرع، فيدخل في عموم الخبر.
٧٩ - ولا يقال: إنه حمل على الحقيقة والمجاز؛ لأنا اعتبرنا الماء في الشرع دون اللغة؛ لأن الاسم حقيقة في الشرع فيهما، ولأن اللفظ الواحد في النفي يحمل عليهما وإن لم يحمل في الإثبات، ولأن هذا خبر الواحد فيجمع بينه وبين خبر النبيذ، فيصير تقديره: التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء أو النبيذ.
٨٠ - قالوا: ما لا يجوز الوضوء به حضرًا لا يجوز الوضوء به سفرًا، كالخل. وهذا الوصف غير مسلم؛ لأن الوضوء بالنبيذ والتيمم يجوز للمقيم إذا بعُد عن المصر، ذكره الطحاوي، وإن سلمنا لم يصح؛ لأنه يجوز في السفر ما لا يجوز في الحضر، كالتيمم، والقصر، والإفطار. ثم المعنى في الخل أنه لم يسم طهورًا في الشرع، والنبيذ بخلافه.
[ ١ / ٧٦ ]
٨١ - قالوا: شراب مسكر، كنبيذ الزبيب.
٨٢ - قلنا: الخلاف على قول كثير من أصحابنا في الحلو دون المسكر؛ فصار ما ذكروه مسلمًا، والمعنى في نبيذ الزبيب ما قدمناه.
٨٣ - قالوا: من حكم البدل أن يكون أعم وجودًا من المبدل، كالتراب.
٨٤ - قلنا: لا يمتنع أن يكون البدل أضيق وجودًا، ألا ترى أن الله تعالى جعل الإطعام بدلًا عن الصوم في كفارة الظهار، وجعل الصوم بدلًا عنه في كفارة اليمين؟ فلا يدل على وضع قولهم أن يكون أحدهما أضيق، وجعل تارة بدلًا، وتارة مبدلًا.
٨٥ - قالوا: مائع لا يرفع الحدث، كنبيذ الزبيب. وهذا لا يصح؛ لأن وضوء المستحاضة يقع بمائع ولا يررفع حدثها، ويجوز بالتراب، والتراب لا يرفع الحدث وإن جاز إسقاط الفرض به.
[ ١ / ٧٧ ]
مسألة ٥