من سائر النجاسات ولا يعتبر فيه العدد
١٠٥٤ - قال أصحابنا: يغسل الإناء من ولوغ الكلب كما يغسل من سائر النجاسات، ولا يعتبر فيه العدد.
١٠٥٥ - وقال الشافعي: يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.
١٠٥٦ - لنا: حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو
[ ١ / ٢٦٩ ]
سبعًا». ذكره أبو الحسن في الجامع الصغير، وابن قانع والدارقطني.
١٠٥٧ - قالوا: رواه عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش، وهما ضعيفان.
١٠٥٨ - قلنا: لا يعتد بهذا القول حتى يبين جهة الضعف.
١٠٥٩ - ثم إسماعيل بن عياش قالوا: هو ثقة فيما يرويه عن الشاميين ضعيف فيما يرويه عن المدنيين أو العراقيين، والراوي لا يصح أن يكون ثقة من وجه دون وجه.
١٠٦٠ - قالوا: أو بمعنى بل.
[ ١ / ٢٧٠ ]
١٠٦١ - قلنا: هذا ترك للظاهر، ولأن بل تستعمل للإضراب عن الأول واستدراك الثاني، وهذا لا يجوز في كلام صاحب الشرع.
١٠٦٢ - قالوا: وقد تكون للتخيير، والشك؛ فيجوز أن يكون الراوي قد شك.
١٠٦٣ - قلنا: الظاهر فيما رواه أنه من كلام رسول الله - ﷺ -، فحمله على غير كلامه لا يصح إلا بدليل، وإذا كان من قول رسول الله - ﷺ - لم يجز عليه الشك.
١٠٦٤ - قالوا: الخبر يفيد وجوب العدد، وهذا خلاف قولكم.
١٠٦٥ - قلنا: التخيير بين الأعداد المختلفة ينفي اعتبار العدد، ويبين أن الأمر يتعلق بالعدد الذي يغلب على الظن عنده.
١٠٦٦ - ولا يقال: إن ما طريقه الظن لا يتقدر بالشرع كالنفقات؛ لأن النبي - ﷺ - قدر في غسل يد المستيقظ.
١٠٦٧ - قلنا: وإن كانت النجاسة ليست بمرئية يعتبر فيها الظن بالاتفاق.
١٠٦٨ - قالوا: فغالب الظن في زوال النجاسة لا ينتهي إلى السبعة غالبًا.
١٠٦٩ - قلنا: يجوز أن يكون ذكر على طريق التأكيد ليبين أن الاقتصار على ما يغلب عنده الظن، وإن خرج من العادة.
[ ١ / ٢٧١ ]
١٠٧٠ - ولأنه سبع ذو ناب، فلم يجب غسل سؤره سبعًا، كالفهد.
١٠٧١ - ولأنها نجاسة غير مرئية فلم يجب غسلها سبع مرات، كالبول.
١٠٧٢ - ولأن كل نجاسة زالت بغسل السبعة زالت بما دونها، كسائر النجاسات.
١٠٧٣ - قالوا: المعنى في الولوغ: أن الشرع ورد في غسله بجامد ومائع، ولم يرد بمثل ذلك في سائر النجاسات.
١٠٧٤ - قلنا: إن أردتم الوجوب فهو موضع الخلاف، وإن أردتم الاستحباب بطل بالاستنجاء؛ لأن الشرع ورد فيه باستحباب الجامد والمائع؛ لأن أهل قباء كانوا يتبعون الأحجار الماء؛ قال الله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾، وتبطل علية الأصل بسؤر الخنزير، ودم الكلب: لم يرد الشرع فيه بجامد ومائع، ويعتبر فيه العدد عندهم.
١٠٧٥ - قالوا: نجاسة السؤر أصلية؛ لأن لعابه لم يكن طاهرًا، وسائر النجاسات قد كانت طاهرة ثم نجست.
١٠٧٦ - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن لعاب الكلب يتولد من رطوبات بدنه، وكذلك يتولد من الأغذية التي كانت طاهرة في الأصل، كما أن دم الحيوان يتولد من الأغذية التي هي طاهرة في الأصل.
١٠٧٧ - ولأن نجاسة البول والدم آكد من نجاسة السؤر؛ لأنها مجمع عليها والسؤر مختلف في طهارته، فإذا لم يعتبر العدد فيما اتفق عليه، فما اختلف فيه أولى. ولأنه غلب على ظنه حصول الإنقاء، فأشبه السبعة.
١٠٧٨ - قالوا: المعنى في السبعة: أنه يشق في العدد الذي ورد به الشرع، وذلك لا يوجد فيما دونه.
١٠٧٩ - قلنا: لا نسلم أن ما دون السبعة لم يرد الشرع به؛ لأن خبرنا يقتضي
[ ١ / ٢٧٢ ]
الاقتصار على ما دون السبعة.
١٠٨٠ - احتجوا بحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فَلْيَغْسِلْهُ» وروى أنه قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا، الأولى منهن بالتراب».
١٠٨١ - والجواب: أن هذا الخبر ضعفه مالك: قال ابن القاسم فيما سمعه عن مالك: ضعف مالك هذا الخبر مرارًا.
١٠٨٢ - وقول مالك حجة في الحديث، ولأن الراوي أبو هريرة، وقد روى التخيير على ما قدمناه، وهو زائد، فيكون أولى.
١٠٨٣ - ولا يقال: إن في خبرنا زيادة حكم؛ لأن الزيادة من طريق القول أولى، ولأنها زيادة مسموعة، ولأن من خبرنا زيادة قول وزيادة حكم، وهو التخيير.
١٠٨٤ - ولأنه لو وجب الرجوع إلى زيادة الحكم كان الأخذ بالثمانية أولى؛ بحديث عبد الله بن المغفل أن النبي - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، ثم قال: «ما
[ ١ / ٢٧٣ ]
لي وللكلاب، إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا وعَفِّروا الثامنة بالتراب». وإسناد هذا الحديث أحسن من إسناد أبي هريرة، ولأن إيجاب السبعة يحتمل أن يكون في الوقت الذي شدد فيه أمر الكلاب وأمر بقتلها في حديث ابن المغفل، وقد نسخ ذلك وخف أمره للكلب. ويحتمل أن يكون في حال ما كان الغسل في غير الولوغ سبعًا.
١٠٨٥ - وروى ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل الثوب من البول سبع مرات، فلم يزل رسول الله - ﷺ - على هذا حتى جعل الصلاة خمسًا والغسل من الجنابة مرة. فيجوز أن يكون الولوغ سبعًا في ذلك الوقت ثم نسخ كما نسخ غيره، يبين صحة هذا ما روي عن أبي هريرة من قوله في غسل الإناء من ولغ الكلب ثلاثًا، ويستحيل أن يفتي بخلاف ما سمع من رسول الله - ﷺ - إلا وقد عرف ما يوجب النسخ.
[ ١ / ٢٧٤ ]
١٠٨٦ - قالوا: إحدى الطهارتين، فوجب أن يكون منها ما يفتقر إلى العدد، قياسًا على الطهارة من الحدث.
١٠٨٧ - قلنا: طهارة الحدث لا يعتبر فيها العدد المختلف فيه، وهو تكرار الاستعمال في محل واحد، وإنما يعتبر عدد الأعضاء التي تعلق الحدث بها، فوزانه من مسألتنا ولوغ الكلب في أوانٍ غسل كل واحد منها واجب، ونعكس فنقول: فلا يكون التكرار فيها واجبًا، كطهارة الحدث.
١٠٨٨ - قالوا: نجاسة ورد الشرع بإزالتها بعدد من جنس واحد، فوجب أن يكون انتهاء ذلك العدد كابتدائه، قياسًا على الاستنجاء.
١٠٨٩ - قلنا: لا نسلم أن الشرع ورد بعدد؛ بدلالة ما بينا من التخيير، ولا نسلم أنه من جنس واحد؛ لأن التراب فيه، وهو جنس آخر.
١٠٩٠ - وإذا سقط هذا الوصف انتقض بغسل الدم؛ لأن الشرع ورد فيه بعدد، وهو قوله - ﷺ -: «حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه»، وانتهاؤه مخالف لابتدائه.
١٠٩١ - قالوا: ما اختص من النجاسات من بين جنسه بالغة غلظ الأمر فيه يؤدي إلى اجتنابه، قياسًا على الخمر.
١٠٩٢ - قلنا: الإلف الذي يريدون به في الكلب كثرة الحاجة إلى دخوله في البيوت، وهذا المعنى في الأصول له تأثير في التخفيف، ولهذا حكم عليه بطهارة سؤر الهرة، وقال: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، فلم يجز أن يجعل ذلك
[ ١ / ٢٧٥ ]
دلالة على التغليظ، وكذلك الخمر لا يجوز أن تكون العلة من وجوب الحد في شربها ما ذكر من العادة، وإنما يدعي مخالفنا أن ذلك ثبت بما يؤدي إليه من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة؛ فلم يجز الحكم بعلة لا تعرف.
١٠٩٣ - ولأن التغليظ قد حصل في باب الكلب من وجه، وهو النهي عن إمساكه من غير حاجة؛ فلم يجز إثباته من وجه آخر، كما أن الخمر لما غلظ حكمها في الحد لم يغلظ في باب الطهارة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
مسألة ٥٣