٢٥٩٨٠ - قال أصحابنا: للمطلقة النفقة والسكنى.
٢٥٩٨١ - وقال الشافعي: المبتوتة لها السكنى ولا نفقة لها.
٢٥٩٨٢ - لنا: قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) وإن كانت محبوسة لحقه فلم ينفق عليها فقد أضر بها وضيق عليها إذا منعها النفقة. وإذا نقصها منها كما يقال ضيق عليها إذا أشرك معها في المكان غيرها. فأما إذا منعها السكنى فلا يقال ضيق عليها بل وسع عليها؛ لأن الواجب أن تقيم في مكان واحد فإذا منعها منه صار لها أن تقيم في جميع المواضع، وذلك توسعة عليها وليس بتضييق.
٢٥٩٨٣ - ولأن في حمله على السكنى تكرارًا، وفي حمله على النفقة إثبات فائدة جديدة، فكان أولى.
٢٥٩٨٤ - فإن قيل: التضييق منع الواجب فدلوا على أن النفقة واجبة.
٢٥٩٨٥ - قلنا: نحن نثبت الاسم باللغة ثم نتبعه الحكم الشرعي.
٢٥٩٨٦ - ويدل عليه قوله تعالى: (وللمطلقت متع بالمعروف) والمتاع: هو النفقة بدلالة قوله تعالى: (متعا إلى الحول غير إخراج).
[ ١٠ / ٥٣٩٥ ]
٢٥٩٨٧ - ويدل عليه ما روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه لم سمع حديث فاطمة بنت قيس قال: لا ندع كتاب ربنا وبيان سنة نبينا بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها عندما سمعت النبي - ﷺ - يقول: (لها السكنى والنفقة).
٢٥٩٨٨ - فإن قيل: رواه إبراهيم عن عمر وهو مرسل.
٢٥٩٨٩ - قلنا المرسل عندنا والمسند في الاحتجاج سواء لاسيما مراسيل إبراهيم، وقد روي عنه أنه قال: إذا حدثني عن ابن مسعود واحد سميته، فإذا حدثني جماعة قلت: قال ابن مسعود، فهذا يدل على أن مراسيله أقوى من مسانيده.
٢٥٩٩٠ - ولأنها مستحقة للسكنى، فوجب أن تستحق النفقة ما لم يسقط حقها عنها كالمطلقة الرجعية، فجاز أن تستحقه المبتوتة الحامل كالسكنى.
٢٥٩٩١ - فإن قيل: السكنى حق الله تعالى، ولهذا لا يسقط بإسقاطها، والنفقة حق لها بدلالة أنها تسقط بإسقاطها.
٢٥٩٩٢ - قلنا: هذا لم يمنع أن يتساويا في الثبوت ويتساويا في السقوط بعد انقضاء العدة، ولأنها احد حالتي الحبس أعني حال الملك وحال زوال الملك، فإذا جاز أن تجب النفقة في إحدى الحالتين للحامل فكذلك الأخرى، ولا يمكن القول بموجبه في الرجعية.
٢٥٩٩٣ - ولأنه ملك من جهته حال الملك فقد دخلت في أصل العلة.
٢٥٩٩٤ - ولا يلزم المتوفى عنها زوجها؛ لأنها من جملة الفرع. والتعليل لحق أن ثبوت النفقة في جملة هذه الحال ولأنها محبوسة عن الأزواج في منزل الزوج بحقه ذلك طلقة رجعية.
٢٥٩٩٥ - ولا يلزم المتوفى عنها زوجها. لأنها محبوسة في منزل الورثة، ولأنها إحدى عدتي الطلاق فجاز أن تجب لها النفقة كالحامل. أصله المطلقة الرجعية، ولأنها عدة تمنع الخروج في الزمانين فجاز أن تجب فيها النفقة للحامل كالرجعية.
٢٥٩٩٦ - فإن قيل: المعنى في المطلقة الرجعية أنها زوجة، بدلالة أنه يصح الإيلاء منها والظهار.
٢٥٩٩٧ - قلنا: قد زال بعض أحكام الزوجية وبقي بعضها وكذلك المبتوتة زال
[ ١٠ / ٥٣٩٦ ]
بعض أحكام الزوجية وبقي بعضها بدلالة تحريمها على الأزواج، ووجوب السكنى وثبوت نسب الولد فإن قيل النفقة في مقابلة الاستمتاع والرجعية هو يتمكن من الاستمتاع؛ لأنه يراجعها متى شاء فيطؤها فلذلك وجبت نفقتها، وأما البائن فلا يملك الاستمتاع بها فلذلك لم تجب نفقتها.
٢٥٩٩٨ - قلنا: النفقة تجب بوجود تسليم نفسها بحكم نكاح صحيح، فأما في مقابلة الاستمتاع فلا. ولهذا تجب نفقة امرأة الصغير لوجود التسليم، وإن لم يكن من أهل الاستمتاع. ولا تجب نفقة الأمة إذا لم يبوئها مولاها بيت الزوج إن استمتع بها في بيت مولاها.
٢٥٩٩٩ - ولأن الزوج عند مخالفنا لا يملك الاستمتاع بالمطلقة بجواز أن يراجعها فتستباح لجواز أن تسلم الناشز، وذلك لا يوجب النفقة؛ لأنها تستحق النفقة إذا كانت حاملًا فجاز أن تستحقها إذا كانت حائلًا، كالمطلقة الرجعية.
٢٦٠٠٠ - والدليل على أن نفقة الحامل لها لا لحملها قوله تعالى: (وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن) فأمر بالإنفاق على المرأة الموصوفة بالحمل؛ إذ المستحق إذا وصف بصفة كان الاستحقاق لها لا للصفة كقوله: أعط رجلًا طويلًا درهمًا.
٢٦٠٠١ - ولأن النفقة لو كانت للحمل لم تجب على أبيه لأن نفقة ذوي الأرحام لا تجب مع الاستغناء عنها والحمل غني عن النفقة.
٢٦٠٠٢ - ولأن نفقة الزوجة عند مخالفنا مقدرة، ونفقة الولد غير مقدرة. ولو كانت هذه النفقة للحمل لم تتقدر دل على أنها للحامل.
٢٦٠٠٣ - ولأن حقوق الحمل تقف على ولادته، فلو وجبت هذه النفقة لم تثبت قبل الولادة.
٢٦٠٠٤ - ولأن الولد المملوك تجب نفقته على مولاه لا على والده فلما وجبت نفقة الحامل على زوجها دل على أن النفقة لها.
٢٦٠٠٥ - ولأن الحمل لو كان له مال أو أوصي به لم تجب النفقة فيه. ونفقة الولد لا تجب على أبيه إذا كان له مال، ولأن المنكوحة نكاحًا فاسدًا تجب نفقتها على الواطئ، وإن كانت حاملًا، فلو كانت النفقة للحمل لم تختلف الزوجة وغيرها. وإذا ثبت أن النفقة للحامل صح الوصف.
٢٦٠٠٦ - ولأن كل من وجب عليه سكنى شخص وجب عليه نفقته، كالزوجة والمولى مع مملوكه.
[ ١٠ / ٥٣٩٧ ]
٢٦٠٠٧ - ولا يلزم المرتهن أن يجب عليه سكنى الرهن وللمرتهن إن شاء استوفاه وإن شاء تركه، فأما أن يجب عليه فلا.
٢٦٠٠٨ - احتجوا بقوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم) فأطلق السكن ثم قال: (وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) فأوجب النفقة بشرط الحمل، فلو كانت السكنى والنفقة سواء لأطلق وجوبهما.
٢٦٠٠٩ - ولأنه علق النفقة بشرط والحكم المعلق بشرط يدل على نفي ما عداه.
٢٦٠١٠ - قلنا: لا نسلم أنه إذا أطلق السكنى وجبت دون النفقة، لما بينا أن قوله (ولا تضاروهن) قد أفاد وجوب النفقة على الإطلاق، ثم أعاد ذكرها معلقًا بشرط لفائدة أخرى.
٢٦٠١١ - فأما قولهم: إن الحكم [المعلق بشرط يدل على نفي ما عداه، فلسنا نقوله، وإنما نقول بل يدل على ثبوت الحكم] الثابت مع الشرط عند عدمه، بحسب الدليل، على أن الله تعالى ذكر هذا في المطلقة وهذا عام في المبتوتة والرجعية ومعلوم أن إيجاب النفقة للحامل الرجعية لا يقتضي أن يكون المشروط بخلاف الشرط، كذلك لا يلزمنا في المبتوتة. فإن قيل: فائدة شرط الله تعالى الحمل في وجوب النفقة.
٢٦٠١٢ - قلنا: الفائدة أن الله تعالى تارة يبين الحكم بصريح اللفظ، وتاره يكله إلى الاجتهاد فتكون الفائدة في التخصيص أن يقف ما سوى المذكور على الدلالة. ويجوأن تكون الفائدة أن يبين أن نفقة الحامل على زوجها حتى لا يظن أن نفقة الحمل في ماله أو من مال من تلزمه نفقته إذا كان مملوكًا.
٢٦٠١٣ - ويجوز أن تكون الفائدة أن مدة الحمل أطول من مدة العدة؛ لأن أقله ستة أشهر، ويمتد عندنا إلى سنتين وعند غيرنا إلى أربع سنين وخمسة، والعدة لا تبلغ ذلك فيبقى أن تجب نفقة الحامل إلى أن تضع، وإن طالت مدة الحمل.
٢٦٠١٤ - احتجوا: بحديث فاطمة بنت قيس: (أن زوجها طلقها ثلاثًا وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فأتت رسول الله، فذكرت ذلك له، فقال: (ليست لك النفقة) وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي. اعتدي عند ابن أم كلثوم؛
[ ١٠ / ٥٣٩٨ ]
فإنه رجل أعمى فإذا حللت فآذنيني).
٢٦٠١٥ - قالوا: رواه أبو داود، وقال فيه: أن النبي - ﷺ - قال: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا).
٢٦٠١٦ - قلنا: هذا الخبر أنكره عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقال: ما رويناه عنه، وقالت عائشة ﵂: لا خير لفاطمة بنت قيس في رواية هذا الحديث، وكان زوجها أسامة بن زيد إذا سمعها تذكر ذلك رماها بكل شيء كان يحمل في يده، وقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت النساء بروايتها، وذكر أبو إسحاق أن الأسود سمع الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس في المسجد فحصبه، وقال: ويلك تحدث مثل هذا الحديث، وقد أنكره عمر بن الخطاب عليها/ ومن شرط قبول الخبر تعريه عن إنكار السلف.
٢٦٠١٧ - فإن قيل: إنما أنكر عليها روايتها إسقاط السكنى؛ لأنه قال: لا ندع كتاب ربنا، وليس في الكتاب النفقة، وإنما فيه السكنى.
٢٦٠١٨ - قلنا: بل فيه النفقة بقوله تعالى: (والمطلقت متع بالمعروف) وقوله: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن).
٢٦٠١٩ - ولأنه روي في الخبر أنها استطالت بلسانها على أحمائها فنقلها النبي - ﷺ -، وأسقط نفقتها بخروجها من منزله كما سقط بنشوزها، يبين ذلك أنه أسقط السكنى والنفقة.
٢٦٠٢٠ - وقد اتفقنا على وجوب السكنى والنفقة فالمعنى الذي أسقط مخالفنا به السكنى هو المسقط للنفقة عندنا.
٢٦٠٢١ - قالوا لو كان كذلك لا يسقط النفقة على الإطلاق، فلما روى أبو داود أنه قال: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا) لم يصح هذا التأويل.
[ ١٠ / ٥٣٩٩ ]
٢٦٠٢٢ - قلنا: أبو داود نطرق الخبر، ولم يذكر الزيادة في عامة الطرق وذكرها، في قصة مروان أنه أرسل إلى فاطمة فسألها فذكرت تلك له، فقال لسنا نأخذ بهذا، وإنما نأخذ بالعصمة التي وجد الناس عليها فأخبر أن عمل الناس بخلاف الخبر، ومن تركت الصحابة العمل بخبره لم يلتفت إليه.
٢٦٠٢٣ - فإن قيل: روى الدارقطني بإسناده في حديث فاطمة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة).
٢٦٠٢٤ - قلنا: رواه جابر الجعفي عن عامر عن فاطمة، وقد قال الدارقطني: إن جابر الجعفي كذاب.
٢٦٠٢٥ - قالوا: روى حديث السري، قلنا السري لم يخرجه البخاري في الصحيح وضعفه، وكيف يروي عن عائشة ﵂ هذا الخبر، والمشهور عنها إنكارها، إلا أن يكون يرويه على طريق التعجب. وقد ذكر الدارقطني حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: (للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة).
٢٦٠٢٦ - فإن قيل: إذا كانت الأخبار تعارضه في قصة فاطمة فالرجوع إلى روايتها أولى؛ لأنها أعرف بقصتها كما رجح أصحاب النبي - ﷺ - خبر الزوجات في (التقاء الختانين)؛ لأنهن أعرف. ولما سئلت عائشة ﵂ عن مسح الخفين، قالت: للسائل: سل عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -).
٢٦٠٢٧ - قلنا: إذا كانت غلطت، وروت سقوط السكنى التي اتفقنا على وجوبها.
٢٦٠٢٨ - قالوا: نجمع بين الأخبار فتقول الذي روي أنه - ﷺ - قال: (لها السكنى والنفقة)؛ لأنه ظن أن طلاقها رجعي، ثم علم أنها مبتوتة فقال: لا سكنى ولا نفقة.
٢٦٠٢٩ - قلنا: فنحن نستعمل مثله، فنقول أوجب لها النفقة؛ لأنه لم يعلم
[ ١٠ / ٥٤٠٠ ]
بنشوزها، فلما علم ذلك أسقطها.
٢٦٠٣٠ - فإن قيل: تعديها ليس بنشوز.
٢٦٠٣١ - قلنا: إذا لم يمكن أن تقيم في منزل الزوج، فقد صار الامتناع بمعصية من جهتها.
٢٦٠٣٢ - قالوا: زوجية زالت، فزالت النفقة بزوالها كالمتوفاة.
٢٦٠٣٣ - قلنا: يبطل بالحامل. والمعنى في الأصل أن النفقة تسقط مع الحمل كذلك مع عدمه.
٢٦٠٣٤ - [وفي مسألتنا تجب النفقة مع الحمل كذلك مع عدمه].
٢٦٠٣٥ - قالوا: بائن، فوجب أن تسقط نفقتها كالمطلقة قبل الدخول.
٢٦٠٣٦ - قلنا: هناك لما سقط سكانها سقطت نفقتها، ولما لم تسقط في مسألنا السكنى كذلك النفقة.
٢٦٠٣٧ - قالوا: النفقة تجب بإزاء التمكين، ولهذا تسقط بالنشوز وليس هاهنا تمكين، فا تجب النفقة.
٢٦٠٣٨ - قلنا النفقة تجب بحبسها في منزل الزوج لحقه، وهذا المعنى موجود. وإنما سقطت بالنشوز لزوال الحبس.
٢٦٠٣٩ - قالوا: نفقة بحق الملك، فسقطت بزوال الملك كالعبد إذا أعتقه.
٢٦٠٤٠ - قلنا: هناك سقطت السكنى فسقطت النفقة.
٢٦٠٤١ - وفي مسألتنا بخلافه، أو نقول: لم يبق بعد العتق حكم من أحكام الملك، فلم يجز أن تبق النفقة. وقد بقي في المبتوتة حكم من أحكام الملك، فجاز أن تبقى النفقة.
٢٦٠٤٢ - قالوا: مبتوتة فلم تجب لها نفقة، كما لو ارتدت أو قبلت أباه.
٢٦٠٤٣ - قلنا: هناك منعت نفسها من زوجها بمعصية، ولو فعلت هذا مع بقاء ملكه سقطت نفقتها كالناشزة، فمنع زوال الملك أولى.
٢٦٠٤٤ - وفي مسألتنا: منعت الاستمتاع بحق، فلم تسقط نفقتها، كما لو منعت نفسها لتأخذ مهرها.
[ ١٠ / ٥٤٠١ ]
مسألة ١٢٨٦