٢٥٥٣٢ - قال أصحابنا: العدتان يتداخلان، سواء كانتا من واحد أو اثنين من جنس واحد أو جنسين، فصورة العدتين من واحد أن يطلق الرجل امرأته تطليقة رجعية، ثم يطؤها، فالطلاق أوجب عدة، والوطء عندهم أوجب عدة، لأنه لا تكون رجعية، ويكتفى بعدة واحدة، [وعلى أصله إذا طلقها، فكل واحد من الطلاقين لو انفردا أوجب كل منهما عدة، ويقتصر على عدة واحدة، والعدة] من اثنين كالرجل امرأته، فتوطأ في عدتها بشبهة، فيجب عليها عدة من الثاني، وهما من جنس واحد، فتتداخل العدتان. وأما إذا كانا من جنسين كالمتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة، فعليها عدة الوفاة بالشبهة، وعدة الوطء بالأقراء، فيقع فيهما التداخل، وهو أن ما تراه في عدة الوفاة من الحيض يحتسب لها من العدة الثانية.
٢٥٥٣٣ - وقال الشافعي [﵀]: في العدتين من الواحد مثل قولنا، وقال: في العدة من الاثنين لا تتداخل لها، لكنها إذا وطئت، وهما جاهلان بالتحريم، أو الرجل جاهل انقطعت عدة الأول، ولم تعتد بالأقراء، فإذا فرق القاضي بينهما كملت عدة
[ ١٠ / ٥٣٢١ ]
الأول، ثم اعتدت من الثاني، فإن حملت نظر القافة إلى الولد، فإن ألحقوه بالأول انقضت عدة الثاني بوضعها، وتممت عدة الأول بعدة. وإن كان الزوج يعلم بالتحريم فعليها تمام عدة الأول، ولا عدة عليها من الثاني، لأن وطأه زنا.
٢٥٥٣٤ - لنا قوله تعالى: (وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، فظاهره يقتضي أن الحامل إذا وطئت بشبهة فوضعت حملها قضت الأجل من الطلاق والوطء.
٢٥٥٣٥ - فإن قيل: قوله تعالى: (أجلهن) إضافة الأجل إليها، وهذا تعريف، فيقتضي أجلًا واحدًا، كقولهم (دار زيد).
٢٥٥٣٦ - قلنا: التعريف بالإضافة كالتعريف باللام، والمعرف باللام إذا لم يكن هناك عهد أفاد الجنس.
٢٥٥٣٧ - ولأنه من إضافة الأجل إلى الجماعة، والأجل الواحد لا يضاف إلى الجماعة. إننا نعلم أنه أراد بالأجل الجنس، وهذا كقوله - ﷺ -: (منعت العراق قفيزها ودرهمها).
٢٥٥٣٨ - يدل عليه قوله تعالى: (والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء)، ولم يفصل بين التي وطئت بشبهة، أو لم توطأ.
٢٥٥٣٩ - ولأن العدة أجل، فقوله تعالى: (وأولت الأحمال أجلهن)، وقال عز من قائل: (حتى يبلغ الكتب أجله)، فالأجل يجوز أن ينقضي في حق اثنين [كآجال الديون ولا يقال المعنى في الأجل أنه يجوز أن ينتفي بمدة واحدة]. لأن العدة مدة لا تقف على فعل، فجاز أن تسقط عدة واحدة حق اثنين. كالأجل لصاحب الدين، وعليه فجاز أن ينقضي الأجلان بمدة واحدة، ولأن المقصود بالعدة في ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم، وهذا المعنى وجد في حقهما، فانقضت العدة.
ولا يقال لا يمنع أن تجب العدة عبادة، لأجل براءة الرحم كعدة الآيسة والصغيرة، لأنا لا نمنع كون وجوب العدة لا لبراءة الرحم، وإنما عدة ذوات الأقراء يقصد بها براءة الرحم.
[ ١٠ / ٥٣٢٢ ]
٢٥٥٤٠ - فإن قيل: لو كان المقصود براءة الرحم اقتصر على حيضة واحدة.
٢٥٥٤١ - قلنا: لا يقتصر على ذلك، لأن الحامل قد ترى دم الاستحاضة، وعندهم ترى دم الحيض، فإنما لا يتوالى ذلك في العادة، فاعتبر ثلاث حيض ليتيقن بها عدم الحمل.
٢٥٥٤٢ - فإن قيل: لو قال لامرأته إذا ولدت، فأنت طالق، فولدت، ووجب عليها العدة، وإن كان رحمها قد برئ بوضع الحمل، وإنما يورِثُ براءة الرحم إذا وجدت مع سبب وجوبها، وهاهنا برئ رحمها قبل وجود سبب العدة، فلذلك لم تعتد بالوضع، لأنه يجوز أن يكون وطئها قبل وضع الحمل، ولم يخلص الماء إلى رحمها إلا بعد وضع الحمل، لأن السبب العدة وجد في حالة واحدة، فوجب أن يتداخل. أصله إذا وجبت لحق واحد.
٢٥٥٤٣ - ولأن كل ما يقع فيه التداخل إذا كان المستحق له واحدًا جاز أن يقع فيه التداخل، وإن كان المستحق له اثنين فكذلك أصله الإحالة، وعكسه الديون.
٢٥٥٤٤ - فإن قيل لا يمتنع أن يختلف التداخل في حق الواحد والاثنين، بدلالة أن المنكوحة نكاحًا فاسدًا إذا تكرر وطؤها وجب مهر وحد، ولو وطئ امرأتين وجب لكل واحدة مهر، ولو قطع يد رجل، ثم قتله وجبت دية واحدة [ولو قطع يدًا واحدة] ثم قطع أخرى. وقيل: آخر لم يتداخل الواجب.
٢٥٥٤٥ - قلنا: إذا تكرر الوطء في النكاح، فالثاني لا يوجب مهرًا، وإذا قطع يد واحد، فما لم يتداخل لم يجب به شيء، وإذا قتله لا يتداخل إذا كان للحق مستحقان.
٢٥٥٤٦ - وفي الجناية يتداخل الواجب. وفي مسألتنا قد وجب لكل واحد من السببين عدة باتفاق. ولأنا علمنا بجواز التداخل عندنا إذا قتل الواحد جماعة، ولأنها وطئت في حال عدتها، فإذا تعقب وطئها ثلاثة أقراء، حلت للأزواج. أصله إذا كان الواطئ يعلم بالتحريم.
٢٥٥٤٧ - ولأن المخالف لا يخلو إما أن يسلم لنا أن العدة من الثاني سبب عقيب الوطء، أو يمنع ذلك، ويقول: هي معتدة في حق الأول خاصة. فإن لم يسلم فالدليل عليه، لأن سبب العدة قد وجد، فلا تتأخر العدة عنها. أصله السبب/ الأول.
[ ١٠ / ٥٣٢٣ ]
٢٥٥٤٨ - ولا يلزم إذا طلق إحدى نسائه ثم تبين أن العدة تجب عليها من وقت البيان، لأن الطلاق لم يقع على واحدة منهن عندنا، وإنما ثبت في الذمة، ويقع على هذه بالتعيين، فلم تتأخر العدة عن سببها، ولأن كل سبب لا يوجب العدة عقيب وجوده لا يوجبها في الثاني، أصله الطلاق قبل الدخول.
٢٥٥٤٩ - قالوا: إذا طلقها في الحيض لم تتعقب العدة الطلاق، وتتأخر عنه.
٢٥٥٥٠ - قلنا غلط، بل هي معتدة عقيب الطلاق، إلا أن العدة لا تنقضي بتلك الحيضة، كما لا تنقضي بالأطهار عندنا، لأن الأول لا يجوز أن يتزوجها، فلو لم تكن معتدة من غيره لجاز له تزويجها، إذ العدة من الإنسان لم تمنع نكاحهما، إلا أنه يجوز أن يتزوجها، فدل على أنها معتدة من غيره.
٢٥٥٥١ - ولأن العدة التي هي من حقوق النكاح لا تكون أقوى من نفس النكاح. ومعلوم أن الوطء بشبهة إذا طرأ مع قيام النكاح أوجب العدة، ولم يمنعها النكاح، فأولى ألا تمنعها العدة التي هي من حقوقه.
٢٥٥٥٢ - ولأن حكم النكاح والعدة في المنع من العدة سواء، بدلالة أن أم الولد إذا مات مولاها، ولها زوج لم يلزمها عدة بموته. وكذلك إن مات المولى، وهي في عدة من زوج، فإذا استوى النكاح والعدة في منع العدة، ثم كان النكاح لا يمنع طرئان هذه العدة، فكذلك العدة لا تمنع.
٢٥٥٥٣ - فإن قيل: هذا ممنوع، ولا تصير المرأة محبوسة في حق اثنين. أصله النكاح.
٢٥٥٥٤ - قلنا: هذا تعليل بحكم اتفق على خلافه، لأنها محبوسة في حقهما بانفاق، بدلالة أن الأول ممنوع من العقد عليها لأجل، والثاني ممنوع من العقد لحق الأول، والحبس هو المنع من الأزواج.
٢٥٥٥٥ - ولأن النكاح لا يطرأ أحد العقدين على الآخر مع بقائه، فلا يصح أن تكون محبوسة في حقها، والعدة يجوز أن يطرأ سببها على عدة أخرى، فكذلك اجتمع الجنسان. بين ذلك أنها تخير على زوجها، وعلى الواطئ بشبهة، ولما جاز أن نحبس بالعقد والعدة، جاز أن تحبس بالعدتين.
٢٥٥٥٦ - فإذا ثبت هذا قلت إن كان معنى تنقضي به العدة متى وجد عقيب سبب العدة انقضت به العدة. أصله إذا كانت العدة من واحد.
[ ١٠ / ٥٣٢٤ ]
٢٥٥٥٧ - احتجوا: بما روى سعيد بن المسيب أن طليحة كانت عند رشيد الثقفي، فطلقها، وبت طلاقها، فتزوجت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب بالمخفقة، وضرب زوجها عدة ضربات، وفرق بينهما ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها من الأول، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول وكان خاطبًا من الخطاب. فإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا. وعن علي ابن أبي طالب - ﵁ - مثله.
٢٥٥٥٨ - قلنا: ذكر محمد في الكتاب عن أحمد بن حنبل مثل قولنا، فصارت مسألة خلاف بينهم.
٢٥٥٥٩ - قالوا: حقان مقصودان لآدميين يمكن استيفاؤهما، فوجب أن يتداخلا كالديتين.
٢٥٥٦٠ - قلنا: الحق المقصود هو الاستبراء لمدة ليست مقصودة لهذا، تارة تطول وتارة تقصر، فهي كالأجل الذي المقصود منه الدين، والمدة ليست مقصودة، فتتداخل فيهما كما يقع في مدة العدة عندنا.
٢٥٥٦١ - وقولهم: يمكن استيفاؤهما لا نسلم أن العدتين تنقضي بوضع الحمل عندنا، أو بوجود الحيض، فما يعتد به بعد ذلك ليست بعدة، فلا نسلم أنه يمكن استيفاؤهما، والوصف غير مؤثر في الأصل، لأنه لا فرق في الدين أن يكون لآدمي واحد، أو لآدميين. والمعنى في الدين أنه [لآدمي واحد]،كذلك العدة، لأنه لو ثبت لواحد تداخلت، فإذا ثبت لاثنين جاز أن تتداخل، [أو نقول المقصود بالدين لا
[ ١٠ / ٥٣٢٥ ]
يحصل في حق واحد إذا استوفاه آخر، فلذلك لم يتداخل]، والمقصود بالعدة يحصل في حقهما، إن استوفت حق أحدهما.
٢٥٥٦٢ - قالوا: فيجعل أصل العدة إذا قطع يد واحد قبل آخر حتى يؤثر الوصف، وتسقط المعارضة.
٢٥٥٦٣ - قلنا: المعنى في القصاص أنه لو ثبت لحق واحد جاز أن يتداخل، وهو إذا قبله بعد التردد في مسألتنا لو حصل لحق الواحد تداخل. كذلك إذا ثبت لحق اثنين.
٢٥٥٦٤ - قالوا: عدتان وجبتا لحق اثنين كما لو كانتا من جنسين تداخلت ما أمكن التداخل، لأن الحيض التي تراها في مدة الأشهر يحبسها، وإنما لا يتداخل منها ما لا يمكن التداخل، فهو كالعدتين من جنس واحد سبقت إحداهما الأخرى، فيقع التداخل فيما يمكن منها، ولا يقع فيما زاد على العدة الأولى.
٢٥٥٦٥ - قالوا: حقان لآدميين يتعلقان بالوطء، فلم يتداخلا كالمهرين.
٢٥٥٦٦ - قلنا: العدة لا تتعلق بالوطء، بدلالة وجوبها في الوفاة قبل الدخول، وإنما هي من أحكام العقد إذا استوفيت أحكامه، ولهذا تجب بالخلوة عندنا. والمعنى الظاهر أنه حق ثبت للزوجة، فإذا استوفت أحد المهرين لم يجعل ذلك المقصود من الآخر، والعدة متى استوفيت في حق أحد الزوجين حصل بها المقصود في حق الآخر.
٢٥٥٦٧ - وقد قال الشافعي في الكافر إذا طلق امرأته فتزوجت في عدتها بمشرك آخر ثم أسلم، وهي في عدتها ففرق بينهما، فإنها تعتد بثلاثة أقراء تدخل فيها بقية العدة الأولى. التزم ذلك ابن أبي هريرة وأبو علي الطبري، وهو نقض لكلامهم.
٢٥٥٦٨ - ومن أصحابهم من قال: لا تتداخل، وسوى بين المسألتين.
[ ١٠ / ٥٣٢٦ ]
مسألة ١٢٦٠