٢٥٦٨١ - قال أصحابنا: قليل الرضاع يثبت به التحريم وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وابن عمر.
[ ١٠ / ٥٣٤٧ ]
٢٥٦٨٢ - وقال الشافعي: يقع التحريم بخمس رضعات.
٢٥٦٨٣ - وهو قول عائشة وابن الزبير وقال زيد بن ثابت يقع التحريم بثلاث رضعات.
٢٥٦٨٤ - لنا: قوله تعالى: (وأمهتكم التي أرضعنكم) وذلك عام في قليل الرضاع وكثيره.
٢٥٦٨٥ - فإن قيل هذا ليس برضاع قلنا: هذا اسم مشترك من فعل، فينطلق على وجود جنس الفعل كالضرب.
٢٥٦٨٦ - فإن قيل: الآية تقتضي أن الأم تكون مرضعة وليس فيها أن كل مرضعة تكون أمًّا.
٢٥٦٨٧ - قلنا: الرضاع تصير به المرأة أمًّا بالإجماع، فلا فرق بين أن يكون بقول (وأمهتكم التي أرضعنكم) أو بقول: اللآتي أرضعنكم أمهاتكم، كما أن الولادة لما صارت بها أمًّا لم يفرق بين قوله: (أمهتهم إلا الئي ولدنهم) أو اللآتي ولدنكم أمهاتكم.
٢٥٦٨٨ - ولأن المراد بالآية تحريم من تصير أمًّا بالرضاعة، ولم يرد أن يبين كل من كانت أمًّا قبل الرضاع. وقد فهمت الصحابة من الآية ما ذكرنا؛ لأن ابن عمر لما بلغه
[ ١٠ / ٥٣٤٨ ]
أن ابن الزبير يفتي بوقوع التحريم بخمس رضعات قال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، واحتج بالآية.
٢٥٦٨٩ - ويدل عليه قوله تعالى: (وأخوتكم من الرضعة) ولم يفصل والرضاعة مصدر فتناول القليل والكثير.
٢٥٦٩٠ - ويدل عليه ما روي في حديث أفلح أن عائشة وكان عمها من الرضاعة فقال رسول الله - ﷺ -: (يلج عليك أفلح فقالت: إنما أرضعتني المرأة فقال: دعيه يلج عليك فإنه عمك، ولم يسأل عن مقدار الرضاع).
٢٥٦٩١ - وروي في قصة المرأة التي قالت للزوجين: إني أرضعتكما فقال النبي - ﷺ -: فارقها، فقال: إنها سوداء قال: (كيف وقد قيل) ولم يسألها عند قدر الرضاع ولا عدده.
٢٥٦٩٢ - ويدل عليه قول رسول الله - ﷺ - (الرضاعة من المجاعة)، (والرضاع ما أنبت اللحم وأشد العظم)، (والرضاع ما فتق الأمعاء) ولم يفصل.
٢٥٦٩٣ - فإن قيل هذه الأوصاف لا توجد في القليل.
٢٥٩٦٤ - قلنا: وكذلك العدد لا يوجد فيه هذ المعنى وإنما أراد النبي - ﷺ - بيان جنس ما يقع به هذا المعنى وهو موجود في القليل؛ لأن له تأثيرًا عند وجود الكثير في إنبات اللحم.
٢٥٦٩٥ - واحتج أصحابنا أيضًا بما روي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - قال: تحرم الجرعة من الرضاعة كما يحرم الحولان الكاملان. ذكره الحسن بن سفر في مسنده عن زادان عن علي كرم الله وجهه.
٢٥٦٩٦ - فإن قيل لا يحرمان فقد شبه الجرعة التي لا تحرم بالحولين وهما لا يحرمان.
[ ١٠ / ٥٣٤٩ ]
٢٥٦٩٧ - قلت قوله كما يحرم الحولان دليل على أنه أراد تحريم الجرعة ما تحرمه الرضاعة في الحولين الكاملين.
٢٥٦٩٨ - ولأنه معنى موجب تحريمًا مؤبدًا فوجب أن يتعلق بمرة واحدة، أو لا يعتبر فيه العدد، أو فلا يعتبر فيه. أصله الوطء، وعقد النكاح. وإنما اعتبرنا الحكم، لأن من أصحابهم من يقول: لا يعتبر العدد وإنما يعتبر القدر.
٢٥٦٩٩ - الصحيح عندهم اعتبار خمس رضعات متفرقات.
٢٥٧٠٠ - فإذا قلت في العلة فوجب أن يتعلق بمرة واحدة ولا يعتبر فيه عدد أولا قدر لم يمكنهم القول بموجبها على الوجهين. ولا يلزم الطلاق واللعان لأن العدد معتبر فيهما، ولأن كل واحد منهما لا يوجب تحريمًا مؤبدًا.
٢٥٧٠١ - فإن قيل إيجاب التحريم المؤبد يقتضي التأكيد، ولا يعلق عليه حكم التخفيف وهو إسقاط العدد.
٢٥٧٠٢ - قلنا: إذا اقتضى الوصف الغليظ والحكم تعليق التحريم بالقليل والكثير فقد غلظنا الحكم كما غلظنا الوصف.
٢٥٧٠٣ - فإن قيل المعنى في الوطء أنه لا يختص بزمان فلم يختص بمقدار. ولما اختص الرضاع بزمان جاز أن يختص بمقدار.
٢٥٧٠٤ - قلنا علة الأصل تبطل باللعان فإنه لا يختص بزمان ويختص بمقدار، وعلة الفرع تبطل بالفطر إنه يختص بزمان النهار، ولا يعتبر فيه عدد.
٢٥٧٠٥ - فإن قيل الوطء لا يوجب التحريم بين الفاعل والمفعول، وإنما يوجب بينهما وبين غيرهما. والرضاع أثبت التحريم بين الفعال والمفعول، فلذلك اعتبر فيه العدد.
٢٥٧٠٦ - قلنا: المرأة إذا أرضعت الصبية فالتحريم لا يحصل بينهما، وإنما يحصل بينهم وبين غيرهما، ويعتبر فيه العدد عندهم.
٢٥٧٠٧ - فإن قيل: المعنى في الوطء أنه ثبت به الفراش فلم يعتبر فيه العدد.
٢٥٧٠٨ - قلنا وطء الأمة لا تصير به فراشًا عندنا، وهو أصل علتنا فلا نسلم به للمعارض ولأنه حكم يتعلق بوصول واصل إلى الجوف فوجب أن لا يعتبر فيه عدد لا
[ ١٠ / ٥٣٥٠ ]
يقدر كالإفطار.
٢٥٧٠٩ - فإن قيل الإفطار لا يختص بالوصول من الفم.
٢٥٧١٠ - قلنا: وكذلك الرضاع عندنا، لأن السقوط يتعلق به التحريم.
٢٥٧١١ - ولأنه حكم يتعلق بوصول واصل إلى الجوف على وجه التغليظ فلا يعتبر فيه العدد. أصله وجوب الحد بشرب الخمر.
٢٥٧١٢ - ولأن كل حكم لا يتعلق بالرضعة الواحدة لا يتعلق بالخمس. أصله رضاع الكبير، ولأن لبنها وصل إلى جوف الصبي في مدة الرضاع، فصار كالخمس رضعات.
٢٥٧١٣ - ولا يلزم إذا حصرته، لأنا نسوي بين الأصل والفرع، وإن ثبت فعل وصل من فمه.
٢٥٧١٤ - احتجوا: بما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ولا المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان).
٢٥٧١٥ - والجواب أن المصة والإملاجة عندنا لا تحرم، لأنها قد توجد فلا ينفصل بها اللبن، لضعف الصغير حتى يكرر المص؛ فقد قلنا بظاهر الخبر وقوله ولا الرضعة ولا الرضعتان فهو تأويل الرواي معنى الرضعة. والمشهور في الخبر ذكر المصة والإملاجة. ولأن إثبات التحريم ونفيه إنما يقال في اللبن الذي يوصف بالتحريم والتحليل، فأما الصغير فلا يثبت في حقه تحريم، فعلم أن الخبر في رضاع الكبير، وقد كان العدد معتبرًا فيها؛ لأنه لا يكتفي به الصغير ولم ينسخ رضاع الكبير فسقط العدد.
٢٥٧١٦ - ولهذا روى طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقيل له: الناس يقولون: لا يحرم الرضعة ولا الرضعتان قال وقد كان ذلك فأما اليوم فإن الرضعة الواحد تحرم. فقال ابن مسعود إن الرضاع قليله وكثيره يحرم فقد رويا النسخ، فدل على أن الخبر في رضاع الكبير.
٢٥٧١٧ - ولأن قوله: (لا تحرم المصة ولا المصتان) دليل على أن الثلاث تحرم. وعندهم أن تلك الثلاث لا تحرم. وعندهم أن دليل الخطاب كالنطق، وهو خلاف
[ ١٠ / ٥٣٥١ ]
قولهم. [فإن قيل] كل من أثبت التحريم بالثلاث أثبته بالرضعتين.
٢٥١٧٨ - قلنا: غلظ زيد بن ثابت التحريم بالثلاث ولا يثبته دونها وهو مذهب أبي ثور وأهل الظاهر.
٢٥٧١٩ - فإن قيل هذا الدليل قد عارضه صريح نطق بخلافه فهو أولى منه.
٢٥٧٢٠ - قلنا وكذلك نطقه قد عارضه نطق آخر، فهو أولى منه، وهو خبر علي ابن أبي طالب، وثبت نسخه عندنا بحديث ابن مسعود وابن عمر.
٢٥٧٢١ - احتجوا: بما روي أن سهلة بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي حذيفة جاءت إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: (كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يدخل عليَّ، وليس لنا إلا بيت واحد، وقد أنزل الله ما تعلم فما تأمرني يا رسول الله؟ فقال لها: أرضعي سالمًا خمس رضعات يحرم بهن عليك).
٢٥٧٢٢ - والجواب أن هذا يدل على أنه يحرم بالخمس ولا ينفي الحكم عما دونها.
٢٥٧٢٣ - ولأنه في رضاع الكبير، فقد كان من شرط رضاع الكبير العدد، فلما نسخ رضاع الكبير سقط حكم العدد.
٢٥٧٢٤ - فإن قيل إذا نسخ رضاع الكبير لم ينسخ العدد. وهذا كقول الله تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت) ثم نسخ الإمساك في البيوت بقوله (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) ولم ينسخ العدد في الشهادة.
٢٥٧٢٥ - قلنا: إذا كان التحريم يتعلق بما ينبت اللحم، والكبير لا يتغذى بما يتغذى به الصغير، سقط العدد بسقوط رضاع الكبير.
٢٥٧٢٦ - احتجوا: بما روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: (كان فيما أنزل الله - ﷿ - في القرآن عشر رضعات معلومات/ يحرمن) ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - (وهن مما يقرأ في القرآن).
[ ١٠ / ٥٣٥٢ ]
٢٥٧٢٧ - وهذا يدل على أن الشرع قد استقر على أن المحرم من الرضاع خمس رضعات.
٢٥٧٢٨ - قلنا: عبد الله بن أبي بكر ضعيف عندهم. قال سفيان بن عيينة: (كنا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عن أربعة سخرنا منه، لأنهم كانوا لا يعرفون الحديث. منهم عبد الله بن أبي بكر).
٢٥٧٢٩ - وقد روى حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عمرة عن عائشة قالت: (كان فيما نزل من القرآن ثم سقط أنه لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس رضعات) وهذا يقتضي أن يكون حكم العشرة والحكم منسوخ.
٢٥٧٣٠ - ولأن في هذا الخبر أن الخمس رضعات كانت تتلى، وكانت في صحيفة إلى يوم توفي رسول الله - ﷺ - فتشاغل أصحابه بغلسه ودفنه فدخلت داجن الحي فأكلتها.
٢٥٧٣١ - ومستحيل أن يتلى القرآن إلى يوم وفاة رسول الله - ﷺ - ناسخًا أو منسوخًا ثم ينساه الناس جميعًا، وكيف يظن أن القرآن تأكله داجن فيذهبه والله تعالى ضمن حفظه.
٢٥٧٣٢ - وقولهم إن العشر رضعات نسخ حكمها ورسمها ولم ينسخ حكمها فكانت تتلى منسوخة ليس بصحيح؛ لأن عائشة لم تذكر نسخ رسم الخمسة.
٢٥٧٣٣ - ولأنه إذا تلى منسوخًا إلى يوم وفاة رسول الله - ﷺ - لم يجز أن يجهله كل الصحابة.
٢٥٧٣٤ - فإن قيل هذا كما روي عن عمر أنه قا كان مما يتلى (الشيخ والشيخة إذ زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله).
٢٥٧٣٥ - قلنا: خبر عمر لم يثبت به الرجم عندنا بالطريقة التي لم يثبت بها هذا الخبر، وإنما أثبتناه بخبر ماعز، على أنه لو ثبت كان منسوخ التلاوة. والرسم ما روينا عن ابن مسعود أنه آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم. وعن ابن عباس أنه قال: في الرضعة والرضعتين قد كان ذلك، فأما اليوم فالرضعة الواحد تحرم. والنسخ يثبت بقول الصحابة.
[ ١٠ / ٥٣٥٣ ]
٢٥٧٣٦ - ولأنها قالت (نسخت بخمس يحرمن) وقد بينا أن التحريم لا يثبت في حق الكبير، وقد كان العدد شرطًا في رضاع الكبير، فلما نسخ سقط حكم العدد.
٢٥٧٣٧ - قالوا معنى يباح به رفع النكاح، ويحرم الوطء فجاز أن يعتبر فيه العدد. أصله الطلاق واللعان.
٢٥٧٣٨ - قلنا الرضاع قد يكون مباحًا وقد يكون محظورًا إذا تزوج رجل صغيرة فأرضعتها زوجته ليفسد نكاحها أو أرضعتها أمته. وإذا سقط قولهم انتقضت العلة بالرد فتنقض العلة. ثم إن وطأ امرأته بشبهة وهو لا يدري، وهذا وطء لا يوصف بالحظر ولا يعتبر فيه العدد واللعان غير مسلم، لأن رفع العقد والتحريم لا يقع به، وإنما يقع بحكم الحاكم عندنا، ونعكس في الطلاق فنقول فلا يختص التحريم بعدد أصله الطلاق.
٢٥٧٣٩ - قالوا ما يقطع النكاح ضربان أفعال وأقوال، فإذا كنا في الأقوال ما نرى عاقبة العدد كذلك في الأفعال.
٢٥٧٤٠ - قلنا: قطع النكاح في الأقوال لا يقف على العدد؛ لأن الطلاق قبل الدخول والطلاق بعوض بقطع النكاح، ولا عدد، فإنما يعتبر العدد لتأكيد التحريم، فلذلك قطع النكاح بالرضاع لا يفتقر إلى عدد، وقد يتأكد بالعدد التحريم؛ لأن العدد إذا حصل بأثر التحريم بإجماع لم يسع الاجتهاد في الإباحة.
٢٥٧٤١ - قالوا: إرضاع تعدى عن عدد فصار كاللبن المشوب بالماء.
٢٥٧٤٢ - قلنا إذا غلب الماء فنوعه لا يتكفي به الصبي في العدد وفي مسألتنا بخلافه والوصف غير مسلم؛ لأن الماء إذا غلب على اللبن فليس برضاع ولا يتناوله الاسم.
٢٥٧٤٣ - قالوا: الرضعة الواحد لا يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم.
٢٥٧٤٤ - قلنا: وكذلك الخمس وإنما المعتبر الجنس الذي يقع به هذا المعنى.
[ ١٠ / ٥٣٥٤ ]
مسألة ١٢٧٠