٢٦٥٤٠ - قال أصحابنا ﵏: لا قصاص على المأمور (المكره).
٢٦٥٤١ - وهو أحد قولي الشافعي ﵀. وقال في القول الآخر: علية القصاص.
[ ١١ / ٥٥٣٥ ]
٢٦٥٤٢ - لنا: أن معه علم ظاهر دل على فقد الاختيار، فصار كمن رمى غرضًا فأصاب إنسانًا. ولا معنى لقولهم: إن هناك لا مأثم عليه. لأنه لو رمى وهو لا يأمن أن يصيب آدميًا فهو آثم ولا قصاص عليه. ولا يلزم إذا قتله للجوع؛ لأن ذلك ليس بعلم ظاهر.
٢٦٥٤٣ - ولأنه معنى يوجب القتل يؤثر فيه عدم (القصد) فوجب أن يؤثر فيه الإكراه، أصله الردة.
٢٦٥٤٤ - ولأن الآمر صرف المأمور بإكراهه على اختياره، فلم يلزم قصاص، كما لو أخذ بيده وفيها سيف فضرب بها.
٢٦٥٤٥ - ولأن فعل المكره المأمور ينتقل إلى الآمر حتى يصير كالفاعل له، بدلالة وجوب القصاص عليه. وبدلالة المكره على البيع. بدليل أنه لو أكره رجلًا على قطع يد نفسه، وجب القصاص للمأمور على الآمر. وإذا انتقل الفعل لم يجب القصاص على المأمور، كما لا يجب عليه إذا أخذ بيده فضرب غيره.
٢٦٥٤٦ - فإن قيل: وجوب القصاص على الآمر لا يدل على انتقال الفعل. لكن يدل على أنه مشاركة في القتل فيجب القتل عليهما، كوجوب القتل عندكم على قاطع الطريق و[الردء]، يجب الضمان في الصيد على القاتل والدال.
[ ١١ / ٥٥٣٦ ]
٢٦٥٤٧ - قلنا: الإكراه لو لم [ينقل] الفعل لم يجب على الآمر قصاص، كمن أمر بغير تهديد. وعكسه المكره على إتلاف المال يختص بالضمان ولا يصير كالمشارك. فأما [الردء] فلم ينتقل إليه الفعل، لكنه مشاركه (فيه) [كالردء] في الغنيمة. والدال على الصيد يضمنه، لأنه سبب يختص بالإتلاف لا (للمشاركة).
٢٦٥٤٨ - ولأنه سبب ظاهر يمنع لزوم البيع، فمنع وجوب القصاص أصله الجنون والصغر.
٢٦٥٤٩ - ولأنه قتل (ليستبقي) نفسه من خوف القتل، فصار كما لو قصده فقتله دفعًا.
٢٦٥٥٠ - فإن قيل: هناك أبيح له القتل، وهاهنا (محظور) عليه (القتل).
٢٦٥٥١ - قلنا: إذا أكره على قتل عبد الآمر فهو آثم في القتل (ولا) ضمان. ولو أكرهه على الزنا فهو آثم ولا حد عليه عند مخالفنا. والمأمور بإتلاف المال لا ضمان عليه ولا إثم عليه، فدل على أن (الإثم) ليس يتعلق بإيجاب الضمان وإسقاطه.
٢٦٥٥٢ - ولأنه مكره على القتل فلم يلزم قصاص، كالمسلم إذا أكره على قتل ذمي.
٢٦٥٥٣ - ولأن من لا يلزمه القصاص بقتل الذمي لا يلزمه بقتل المسلم أصله الصبي.
[ ١١ / ٥٥٣٧ ]
٢٦٥٥٤ - احتجوا: بالظواهر الدالة على وجوب القصاص (قوله تعالى): ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ وقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وقوله - ﷺ -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل نفس بغير نفس).
٢٦٥٥٥ - الجواب: أن المراد بذلك القتل العمد بغير شبهة، وهذا غير مسلم في مسألتنا. ولأن الظواهر تدل على وجوب القصاص على القاتل، وقد اختلفنا في القاتل، فعندنا أنه الآمر، وعندهم الآمر والمأمور.
٢٦٥٥٦ - قالوا: قتل من يكافئه لإحياء نفسه ظلمًا (فلزمه القصاص)، كمن اضطر إلى غيره من الجوع فقتله وأكله. وربما قالوا: توصل إلى استبقاء نفسه بقتل من يكافئه ظلمًا، فوجب أن يجب عليه القصاص. وربما قالوا: قتله ظلمًا لاستبقاء نفسه، فكان حكمه كما لو ابتدأ قتله. قالوا: وعلى هذا الجماعة إذا خافوا في السفينة الغرق فألقوا بعضهم في الماء، (و) كمن قصدهم سبع فألقوا إليه أحدهم.
٢٦٥٥٧ - قلنا: قولكم إنه قتل لاستبقاء نفسه ليس بصحيح، لأنه لا يعيش بقتله. وإنما يعيش بأكله. ولأن الجوع لا يؤثر في البيع، بدلالة أن من اضطر إلى طعام (غيره) فلم يتمكن من أخذه منه فابتاعه (نفذ) البيع، ولو أكره على الابتياع لم ينفذ البيع، فدل على اختلاف الإكراه والجوع. ولأن الضرورة في الجائع ليس معها علم ظاهر، وإنما يعلم حالة بقوله. والإكراه علم ظاهر يدل عليه فقد الاختيار. وبهذا المعنى (يسقط) ضمان الأموال عن المأمور المكره، ولا يسقط عن المضطر إلى الأكل.
[ ١١ / ٥٥٣٨ ]
٢٦٥٥٨ - فإن قيل: الجوع معه علم ظاهر إذا شاهدناه و(قد) بقي مدة لا يأكل شيئا.
٢٦٥٥٩ - قلنا: هذا يدل على (الجوع) ولا يدل أنه بلغ إلى خوف (حال) التلف. ولأن ضرورة الجوع من فعل الله تعالى، فإذا انضمت إلى فعل القاتل لم يسقط عنه القصاص، كالسراية التي (تنضم) إلى الجراحة. وليس كذلك فعل الآمر، لأنه فعل آدمي. ويجوز أن (ينضم) إلى فعل القاتل فعل (آدمي) (يسقط) عنه القصاص، (كاشتراك) الخاطئ والعامد، وكمن أكره عبدا على قتل عبد نفسه، وكما لو أكرهه على أن يقتل نفسه أعنى نفس الآمر. ولأن المضطر إلى قتل غيره (ليأكله) يقدر أن يدفع ضرورته بدون ذلك، وهو أن يأكل طرفًا من أطراف نفسه، فصار كمن قتله وهو يجد غيره، وكما لو قتله دفعًا عن نفسه وهو يقدر أن يدفعه بغير القتل. وفي مسألتنا مثله لو قدر على أن يمانع الآمر أو يقتله ولم يفعل وقتل المأمور (وجب) عليه القصاص.
٢٦٥٦٠ - قالوا: قتل عمدًا من يكافئه بوجه لا عذر له فيه، فإذا كان من أهل الضمان (كان) عليه القود كما لو قتله ابتداء.
٢٦٥٦١ - قلنا: لا نسلم أنه غير معذور. هناك (عذر)، إلا أنه لا يبيح، كما أن الجائع معذور وإن لم يستبح الأكل بعذره، ولا نسلم لهم العمد، لأنه (ملجئ). فلا يوصف بالاعتماد. والمعنى في القاتل ابتداء أنه لم (يقارن)
[ ١١ / ٥٥٣٩ ]
فعله ما ينقل حكمه إلى غيره. والمكره (قارن) فعله ما يوجب نقل الفعل، فسقط عنه القصاص كما سقط عنه ضمان الأموال التي أتلفها بالإكراه.
٢٦٥٦٢ - قالوا: كل حكم تعلق بالقتل كما سقط عنه ضمان الأموال المختار (وجب) أن يتعلق بالقتل على الاختيار أصله (المأثم).
٢٦٥٦٣ - قلنا: يبطل باختصاص القصاص بالمباشرة، لأنه حكم يتعلق (بالمختار)، فإنه لا تختص، بل يقتل الآمر (بالإجماع). ولأن مأثم القتل لا يستدل [به] على وجوب القصاص، بدلالة القتل شبه العمد وبدلالة الآمر والممسك.
[ ١١ / ٥٥٤٠ ]
مسالة ١٣١٠