٢٦٦١٦ - قال أبو حنيفة (- ﵁ -): إذا كان الدم مشتركًا بين (كبير وصغير)، فللكبير أن يقتص قبل بلوغ الصغير.
٢٦٦١٧ - واختلف أصحابنا المتأخرون في العبد المشترك بين الكبير والصغير.
٢٦٦١٨ - فمنهم من قال: للكبير أن يقتص. ومنهم من قال: لا يقتص.
٢٦٦١٩ - وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله]: ليس للكبير أن يقتص. وبه قال الشافعي [﵀].
[ ١١ / ٥٥٥٧ ]
٢٦٦٢٠ - لنا: ما روي أن عبد الرحمن لما أصاب عليًا - ﵁ - (قال): (إن مت فألحقوه [بي أخاصمه عند] الله) فقتله الحسن، وفي ورثته صغار، منهم العباس كان له أربع سنين، وأكثر أولاده كانوا صغارًا وهذا بحضرة الصحابة من غير نكير ولا اعتراض. وروي أنه قال للحسن: (أما أنت يا
[ ١١ / ٥٥٥٨ ]
حسن، فإن شئت أن تعفو فاعف، وإن شئت أن (تقتص فاقتص) (بضرية) واحدة، وإياك والمثلة؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - (نهى) عن المثلة ولو بالكلب العقور).
٢٦٦٢١ - قالوا: قتله بالكفر؛ لأن النبي - ﷺ - قال لعلي - ﵁ -: (إن أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين من خضب هذه من هذا).
٢٦٦٢٢ - ولأن ابن ملجم اعتقد إباحة دم، ومن اعتقد إباحة ما يقطع في الشرع تحريمه كفر، كمعتقد إباحة الخمر.
٢٦٦٢٣ - [قلنا]: فلا يصح لمن (انتصر ماهية) أن (يتناول) فيما
[ ١١ / ٥٥٥٩ ]
لا يصح على مذهبه. وقد نص على قبول شهادة الخوارج على المسلمين، فدل على (أنه) لم يكفرهم.
٢٦٦٢٤ - ولأن عليًا - ﵁ - قال: [اقتله بضرية]، وهذا يدل على أنه ليس بكافر، وإنما يقتل قصاصًا. وقال: (لا تمثل به) والمرتد يجوز المثلة به.
٢٦٦٢٥ - وقال للحسن: (إن شئت أن تعفو فاعف) وقال: (إن مت فألحقوه بي) ولو كان كافرًا لم (يقف) قتله على شرط الموت. وأما قولهم: إنه كفر باعتماد إباحة قتله. فلو كان كذلك لم يقل (علي) - ﵁ - للخوارج: (لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد، ولا نمنعكم حقكم من الفيء). ولأن الكفر إنما يكون باعتقاد ما (يشترك) في معرفة تحريمه الخاصة والعامة.
٢٦٦٢٦ - فأما الخبر الذي احتجوا به، فرواه يزيد بن (خثيم) عن أبيه. وهما لا (يعرفان). وخبر الواحد الصحيح لا يقبل في
[ ١١ / ٥٥٦٠ ]
(الإكفار) فكيف الضعيف،
٢٦٦٢٧ - فإن قيل: كان في ورثته كبار فلم يستأذنوا.
٢٦٦٢٨ - قلنا: لم يكن فيهم غائب إلا الحسن، كان بالمدائن قد سار على (مقدمة). فلما أصيب بعث خلفه فحضر. وتولى قتله مع ابن جعفر، ومثلا به، وكان (الحسن) يستغفر الله من ذلك، وحج ماشيًا تقاد رواحله. وقد أجمعنا أن القتل لا يجوز إلا برضا الوارث الخاص، (و) الظاهر أنهم (استأذنوا)
[ ١١ / ٥٥٦١ ]
ولم يخالفوا الإجماع.
٢٦٦٢٩ - فإن قيل: قتله لأنه سعى في الأرض بالفساد (بقتله) الإمام.
٢٦٦٣٠ - قلنا: لو كان كذلك لم يجز العفو. وقد قال للحسن: (إن شئت فاعف) ولأن الساعي في الأرض بالفساد (يقتله) الإمام، والحسن قتله قبل أن يبايعه الناس.
٢٦٦٣١ - فإن قيل: جواز انفراد الكبير بالقتل يسوغ فيه الاجتهاد، وقد قال به بعض أهل الكوفة وأهل المدينة فلذلك لم ينكروه.
٢٦٦٣٢ - قلنا: لم تجر عادة المجتهدين إذا بدرت حادثة أن يمسكوا عن ذكر الخلاف، وإن كان في مسائل الاجتهاد، وهذا القول يسقط الاحتجاج بفعل الواحد من الصحابة، وترك (إنكار) الباقين عليه.
٢٦٦٣٣ - ولأن القصاص أحد بدلي النفس، فصغر الشريك (فيه) لا يمنع الباقين من الاستيفاء، أصله: الدية.
٢٦٦٣٤ - فإن قيل: المعنى في الدية: أن استيفاء الكبار لحقهم لا يؤدي إلى إتلاف حق الصغار. وفي مسألتنا استيفاء حق الكبار يؤدي إلى إتلاف (حق) الصغار.
[ ١١ / ٥٥٦٢ ]
٢٦٦٣٥ - قلنا: لا يمتنع أن (يثبت) لأحد الشريكين التصرف في حقه، وإن أدى إلى تلف حق شريكه، بدلالة العتق على أصلهم، والعفو عن القصاص على الأصلين، وإسقاط الفسخ لعد الكفاءة عندنا.
٢٦٦٣٦ - (ولأن) القصاص إذا ثبت [ولم يكن يتولى عليه]، جاز لمن يلي ويولى عليه أن ينفرد باستيفائه، أصله: إذا قتل من لا وارث له؛ ثبت القصاص للإمام والمسلمين، ثم ينفرد الإمام بالاستيفاء.
٢٦٦٣٧ - فإن (قيل): الإمام يستوفي بولاية مطلقة، وكذلك لا يستأذن الكبار.
٢٦٦٣٨ - قلنا: لأنه يلي عليه.
٢٦٦٣٩ - فإن قيل: (ذلك) القصاص [منحتم] لا يجوز العفو عنه.
٢٦٦٤٠ - قلنا: لا نسلم أن الإمام يجوز له أن يغفو على مال.
٢٦٦٤١ - ولأن القصاص معنى لا يتبعض، فإذا اشترك في سببه صغير وكبير، جاز أن ينفرد باستيفائه، أصله: النكاح: ولا يلزم العبد المشترك، (لأن) للمولى السبب لا يتبعض. وهو (القرابة). فإذا ألزموا العبد. قلنا: ثبت
[ ١١ / ٥٥٦٣ ]
القصاص (بسبب يتبعض) وهو الملك.
٢٦٦٤٢ - فإذا قيل: النكاح (يثبت) استيفاؤه لكل ولي (على) الانفراد، وليس كذلك القصاص.
٢٦٦٤٣ - لأنه لا يثبت حق الاستيفاء لكل (وارث) على الانفراد.
٢٦٦٤٤ - قلنا: هذا القول يبطل بالقصاص (الثابت) بين الإمام والمسلمين. ولأن عندنا لا فرق بين النكاح (والقصاص. يثبت استيفاء القصاص لكل واحد، إلا أنه لا يجوز أن ينفرد باستيفائه أحد الكبيرين) لجواز أن يكون الآخر عفا، فيسقط حق المستوفى. ومتى كان الشريك صغيرًا لم يتصور العفو منه، فجاز للكبير أن يستوفي. ويدل عليه أن القصاص إذا ثبت للأب وابنه الصغير جاز للأب جاز للأب أن يستوفيه، بدلالة أن القصاص أحد بدلي النفس، فإذا ثبت بين الأب والابن جاز للأب الانفراد بالاستيفاء كالدية.
٢٦٦٤٥ - ولأن الأب يلي في حقوق ابنه بنفسه، كما يلي في حقوق نفسه. فإذا جاز أن يستوفي (حق) نفسه، كذلك (حق) ابنه.
٢٦٦٤٦ - احتجوا: بقوله (- ﷺ -): (من قتل قتيلا فأهله بين
[ ١١ / ٥٥٦٤ ]
خيرتين).
٢٦٦٤٧ - قلنا: هذا في [الأهل] الذين يصح أن يتخيروا القصاص والدية، وهذا في البالغ، فأما الصغير فلا يصح أن يتخير.
٢٦٦٤٨ - قالوا: قود غير [متحتم]، فإذا وجب لعدد لم يملك بعضهم أن يستوفيه، كما لو (كان) كلهم (كبارًا).
٢٦٦٤٩ - قلنا: قولكم: (فإذا وجب لعدد)، فإن أردتم [به الوجوب] (فلا نسلم أنه وجب للجماعة، وإنما يثبت للكبار خاصة. وإن أردتم به الاستيفاء) فلا نسلم أن سبب القصاص وجب لهم.
٢٦٦٥٠ - (نسلم) أنه لا يمنع أن (يثبت) سبب الحق [فيساوى] فيه الكبير والصغير، وينفرد الكبير بالاستيفاء (كسبب) ولاية النكاح، والمعنى في الكبير أن أحدهما لا مولى عليه، فلم يجز للآخر أن ينفرد بالقصاص.
٢٦٦٥١ - وفي مسألتنا أحدهما مولى عليه، فجاز [لمن] يلي أن يستوفي كالقصاص الثابت (للمسلمين) يستوفيه الإمام. ولأن (في الكبيرين) يتصور (من) كل واحد منها إسقاط حق الآخر بعفوه، فلا يجوز له أن ينفرد بالاستيفاء، (والصغير لا يتصور منه إسقاط حق شريكه بعفو، فجاز لشريكه أن ينفرد بالاستيفاء)
[ ١١ / ٥٥٦٥ ]
كالإمام. (لما) لم يجز للمسلمين إسقاط حق الإمام من القصاص بالعفو، جاز للإمام أن ينفرد باستيفاء القصاص.
٢٦٦٥٢ - قالوا: لا يخلو (إما) أن يكون القصاص للكبير [أو] للصغير [أو] يكون لهما.
٢٦٦٥٣ - ولا يجوز أن يكون كله للكبير؛ لأنه لو كان كذلك وجب إذا عفا أن يسقط حق الصغير. (فلما انتقل حق الصغير) مالًا علم أن الدم بينهما.
٢٦٦٥٤ - ولأن الدم مستحق بالإرث، وهو مشترك كسائر المواريث. وإذا ثبت أنه بينهما لم يجز للكبير أن يستوفيه لنفسه وللصغير، لأنه لا ولاية له عليه، بدلالة أنه لا يستوفي القصاص الذي ينفرد به، ولا يجوز أن يستوفيه لنفسه لأنه لا يملكه.
٢٦٦٥٥ - قلنا: [سبب] القصاص الذي هو الإرث ثبن لهما، والاستيفاء للكبار خاصة كما قدمنا.
٢٦٦٥٦ - ولأنه ليس يمتنع أن يكون الحق لهما، ويملك الكبير أن يستوفي جميعه، وإن كان الصغير لو انفرد بالحق (لم يستوفه) الكبير ألا ترى أن (الأب) في البكر البالغ عند مخالفنا لا يملك التصرف في أموالها، ثم يملك التصرف بإيجاب المهر وقبضه، لأنه ولي [ما] لا [ينفك] عن ثبوت المهر؟.
٢٦٦٥٧ - وعلى هذا، الجد في ترويج الصغير إذا كان الأب رضي على المذهبين، وكذلك العم والأخ إذا زوجا الصغيرة عندنا. وكذلك مسألتنا، يملك أن يستوفي لحق نفسه ما لا ينفك عن حق الصغير [فينتقل] تصرفه في نصيب الصغير تبعا لحقه، وإن كان الصغير لو انفرد بالحق لم يجز للكبير التصرف فيه. وعلى هذا عتق نصيب (أحد) الشريكين (عند مخالفنا) يوجب عتق نصيب شريكه، ولو انفرد
[ ١١ / ٥٥٦٦ ]
الشريك بالعبد لم يملك شريكه التصرف فيه.
٢٦٦٥٨ - قالوا: أحد بدلي النفس، فلا يملك شريك الصغير أن ينفرد باستيفائه كالدية.
٢٦٦٥٩ - قلنا: الدية تتبعض فانفرد الكبير باستيفاء حقه. والقصاص لا يتبعض فيستوفى الكبير حقه ويتبعه حق الصغير، غام ألا ترى أن العتق لما لم يتبعض عند مخالفنا، كان استيفاء (أحد) الشريكين (لحقه) يوجب أن يتبعه نصيب الشريك، والبيع لما تبعض لم (يتبع) نصيب أحد الشريكين نصيب الآخر فيه.
٢٦٦٦٠ - قالوا: قصاص مشترك بين كبير وصغير فصار كالعبد المشترك.
٢٦٦٦١ - قلنا: من أصحابنا من التزم (هذا) وقال: للمولى الكبير أن يستوفي، ومنهم من قال: لا يستوفي.
٢٦٦٦٢ - لأن ولايته لسبب متبعض وهو المال (فتبعض). (بيان) الفرق بينهما: أن ولاية الآخرين في النكاح لما (ثبتت) (لسبب) يتبعض وهو الملك.
[ ١١ / ٥٥٦٧ ]
مسألة ١٣١٢
حكم استيفاء الوكيل القصاص مع غيبة الموكل عن المجلس
٢٦٦٦٣ - قال أصحابنا ﵏: لا يجوز للوكيل استفاء القصاص مع غية الموكل عن المجلس.
٢٦٦٦٤ - وقال الشافعي [﵀]: في الجنايات (ما يدل) على جواز الاستيفاء. وفي الوكالة: ما يدل على أنه لا يجوز، فمن أصحابه من قال: يجوز قولًا واحدا، و[منهم من] قال لا يجوز قولًا (واحدًا)، ومنهم من قال على قولين.
[ ١١ / ٥٥٦٨ ]
٢٦٦٦٥ - لنا: أنه استيفاء قصاص بوكالة فصار كما لو وكل صبيًا.
٢٦٦٦٦ - ولا يلزم إذا كان الموكل حاضرًا في المجلس؛ لأن ذلك ليس بوكالة، وإن كان (المالك) استوفى ألا ترى أنهم قالوا: يجوز للوكيل أن يدفع (ثمن الصرف) مع حضور موكله في مجلس العقد، وكأن العاقد دفع بنفسه، وكذلك الوكيل لا يجوز أن يوكل عاقدًا وشاهدًا.
٢٦٦٦٧ - ولأنه استيفاء قصاص (قام) مقام الغير فصار كما لو شهد به الرجال والنساء.
٢٦٦٦٨ - ولأن القصاص (يورث) فيه الشبهة؛ فلا يجوز أن يستوفي مع الشبهة.
٢٦٦٦٩ - لأنه لا يندرئ بعد استيفائه. ومعلوم أن (الموكل) يجوز أن يكون
[ ١١ / ٥٥٦٩ ]
عفا فسقط القصاص، فلم يصح الاستيفاء مع تجويز ذلك.
٢٦٦٧٠ - ولا يلزم إذا كان الموكل حاضرًا.
٢٦٦٧١ - لأنه لو عفا أظهر العفو، ولم يمكن وكيله القتل ألا ترى أن الإنسان يعفو رحمة للقاتل أو طلبًا للثواب، وكل واحد من هذين الوجهين (منع) الإمساك عن إظهار [العفو].
٢٦٦٧٢ - فإن قيل: (فيجب أن) لا يستوفي القصاص مع غيبة الشهود، لأنهم يجوز أن يكونوا رجعوا.
٢٦٦٧٣ - قلنا: في إحدى الروايتين رجوع الشهود بعد الحكم لا يسقط القصاص، وعلى الرواية الأخرى: الرجوع لا يصح إلا عند الحاكم.
٢٦٦٧٤ - ولأن الوكيل متصرف بالأمر، فأثر ذلك في استيفاء القصاص كالوصي.
٢٦٦٧٥ - احتجوا: بأن كل حق صحت النيابة فيه بحضرة الموكل كذلك لغيبته، أصله: سائر الحقوق.
[ ١١ / ٥٥٧٠ ]
٢٦٦٧٦ - قلنا: يبطل بثمن الصرف، لا يجوز للوكيل دفعه لغيبة موكله، ويجوز مع حضوره، والمعنى في سائر الحقوق: أن الشبهة لا تمنع [استيفاءها] لإمكان استدراكها بعد الاستيفاء، والقصاص تمنع الشبهة من استيفائه.
٢٦٦٧٧ - لأنه لا يستدرك، وقد بينا أن الوكيل يستوفيه إذا غاب الموكل مع الشبهة. وإذا كان حاضرًا استوفاه عن (غير) شبهة، ولأن سائر الحقوق يتوالى وجوبها من جهات مختلفة، فلو وقف استيفاؤها عليه (تعذر) ذلك وبطلت، والقصاص لا يتكرر ثبوته، فإذا وقف (استيفاؤه) على الموكل لم يؤثر ذلك في بطلانه.
٢٦٦٧٨ - قالوا: (وكل) باستيفاء قصاص كما لو وكل حاضرًا.
٢٦٦٧٩ - قلنا: هناك لا يستوفيه بوكالة على ما قدمنا، ولأنه لو عفا أظهر العفو، فلم يكن في استيفائه شبهة، وإذا غاب جاز (أن يكون) عفا، فلو استوفى وكيله استوفى مع الشبهة.
[ ١١ / ٥٥٧١ ]
مسألة ١٣١٣